وحدة الدراسات الأفريقية

“التكامل من أجل النمو”: المنتدى الإفريقي الأول لرؤساء هيئات الإستثمار.

تحت شعار “التكامل من أجل النمو”، شهدت مدينة شرم الشيخ، انعقاد المنتدى الأفريقي الأول لرؤساء هيئات ترويج الاستثمار الأفريقية، خلال الفترة من 11 حتى 13 يونيو، والذي نظمته الهيئة العامة للإستثمار والمناطق الحرة بالتعاون مع وزارة الخارجية المصرية ووكالة الترويج للاستثمار للكوميسا (COMESA RIA)، وبمشاركة وزراء استثمار ورؤساء هيئات الاستثمار  من 34 دولة أفريقية، وكذلك عدد من ممثلي التكتلات والمؤسسات الاقتصادية الدولية والإفريقية فضلاً عن عدد من كبار رجال الأعمال المصريين المهتمين بالاستثمار فى القارة الأفريقية. يكتسب المنتدى أهمية خاصة فى ضوء ما تواجهه اقتصادات القارة الإفريقية من تحديات فى ظل انتشار جائحة كورونا، ويأتي في إطار حرص مصر على مد…

هايدي الشافعي
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

تحت شعار “التكامل من أجل النمو”، شهدت مدينة شرم الشيخ، انعقاد المنتدى الأفريقي الأول لرؤساء هيئات ترويج الاستثمار الأفريقية، خلال الفترة من 11 حتى 13 يونيو، والذي نظمته الهيئة العامة للإستثمار والمناطق الحرة بالتعاون مع وزارة الخارجية المصرية ووكالة الترويج للاستثمار للكوميسا (COMESA RIA)، وبمشاركة وزراء استثمار ورؤساء هيئات الاستثمار  من 34 دولة أفريقية، وكذلك عدد من ممثلي التكتلات والمؤسسات الاقتصادية الدولية والإفريقية فضلاً عن عدد من كبار رجال الأعمال المصريين المهتمين بالاستثمار فى القارة الأفريقية.

يكتسب المنتدى أهمية خاصة فى ضوء ما تواجهه اقتصادات القارة الإفريقية من تحديات فى ظل انتشار جائحة كورونا، ويأتي في إطار حرص مصر على مد جسور التعاونِ مع أشقائها في القارة، وتعزيزِاً للجهود المصرية لتحقيق التكامل الاقتصادي في افريقيا، بما يحقق التنمية المنشوده لدول القارة ويلبي تطلعات شعوبها لمستقبل أفضل.

جدول أعمال استثنائي

تناولت جلسات المنتدى السبع المنعقدة على مدار ثلاثة أيام مناقشة عدة موضوعات هامة، حول ما تشهده القارة الأفريقية من تحديات وما تزخر به من فرص، ودراسة سبل تعزيز التعاون بين هيئات ووكالات الإستثمار في الدول الأفريقية، لتحقيق واحد من أهم أهداف أجنة أفريقيا 2063، وهو زيادة التركيز على الاستثمار البيني الإقليمي كوسيلة لتسريع النمو.

وتمثلت أبرز تلك الموضوعات في: إبراز دور الحكومات والشركاء الإقليميين في تعزيزِ مشاركة القطاع الخاص، بالإضافة إلى آليات زيادة الدور الذي تلعبه أفريقيا في الأسواق العالمية، وتمكين المنتجات الإفريقية من النفاذ إلى الأسواق العالمية، فضلا عن دور القطاع المصرفي الإفريقي في تمويل كبرى المشروعات في القطاعات الاقتصادية المستهدفة. 

بالإضافة لذلك، تناول المنتدى مناقشة سبل سد فجوة التمويل لاقتصادات الدول الافريقية، التي كانت محور النقاش في منتدى باريس لتمويل الاقتصادات الافريقية في مايو الماضي، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن إفريقيا معرّضة لخطر حدوث عجز في التمويل قدره 290 مليار دولار بحلول عام 2023، مما يؤدي إلى  تكبيل الاستثمارات، وإعاقة خطط التنمية للقارة الأفريقية.

كما ناقش المنتدى أهمية الاستثمار في مشروعات البنية التحتية الإقليمية ودورها في ربط دول القارة وتحسين قدراتها التنافسية، وذلك بالإشارة لمشروعات مثل”القاهرة –كيب تاون” للربط البري، و”الاسكندرية- فيكتوريا” للربط البحري، ومشروع القطار الافريقي، إلى جانب مشروعات الربط الكهربائي، وغيرها من المشروعات التي من المنتظر أن تسهم في تعزيز التجارة البينية للدول الأفريقية والتي تقدر بنحو 17% فقط من اجمالي تجارة القارة، وتعمل على تحسين إندماج الاقتصاد الافريقي في الاقتصاد العالمي.

هذا إلى جانب مناقشة الموضوع الأكثر إلحاحًا على أجندة أولويات الدول الأفريقية في المرحلة الراهنة، وهو الحصول على اللقاحات وعدالة توزيعها، وذلك في ظل التوزيعات غير المتكافئة للقاحات والتي لا تزال تسيطر عليها الدول الكبرى، على حساب الدول الأقل نموا، على نحو يسهم في تفاقم المشكلات الاقتصادية المترتبة على الجاحة.

كما ناقش المنتدى فرص ضخ استثمارات مصرية جديدة في أفريقيا، وتحديد خطوات عملية لتحقيق التلاقى بين طموحات الربحية للمستثمرين والطموحات التنموية للدول الأفريقية، فالسوق الافريقي متعطش للإستثمارات، خاصة في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والرعاية الصحية، والصناعات الغذائية والدوائية، وجميعها مجالات استطاعت مصر ان تحقق فيها نجاحات في السنوات الماضية، مما يفتح الباب أمام المستثمرين المصريين للتوسع في الاسواق الافريقية، لتلبية العجز لدى تلك الاسواق ومساعدتها على تحقيق التنمية من جهة، وتحقيق مكاسب للمستثمرين من التوسع الخارجي لمشروعاتهم في ظل تعهدات حصلوا عليها من رؤساء الوكالات والهيئات الاستثمارية الافريقية بتذليل العقبات أمام الاستثمارات في بلادهم.

فعاليات مهمة على هامش المنتدى

على هامش الجلسات السبع الرئيسية نظم عدد من الفعاليات المهمة، تمثلت في:

توقيع مصر مذكرتي تفاهم مع السودان وجنوب السودان: تأكيدا على هدف المنتدى المتمثل في تشجيع تدفق الاستثمارات المتبادلة بين الدول الافريقية ودعم إنشاء مشروعات استثمارية مشتركة، شهد اليوم الاول من المنتدى توقيع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء على مذكرتي تفاهم بين مصر وكل من السودان وجنوب السودان. تنصان علي تبادل المعلومات الاقتصادية عن الفرص الاستثمارية وفرص الأعمال المتاحة؛ بالاضافة لتبادل المعلومات الخاصة بالقوانين ولوائح الاستثمار، والتعاون في مجال تطوير التشريعات واللوائح لتحسين بيئة الأعمال والاستثمار، وكافة التطورات المتعلقة بمناخ الاستثمار وخدمات المستثمرين.

كما تركز مذكرات التفاهم على تشجيع تبادل وفود وزيارات رجال الأعمال والمستثمرين للتعرف على أفضل الممارسات والخبرات في مجال الاستثمار، وبحث فرص إقامة مشروعات مشتركة، والتنظيم المشترك للمؤتمرات والندوات التي تستهدف المستثمرين، فضلاً عن تبادل الخبرات والمعرفة الفنية، وعقد دورات تدريبية وورش عمل.

عقد لقاءات مكثفة بين رجال الأعمال ورؤساء هيئات الاستثمار الافريقية: الأمر المميز في منتدى رؤساء هيئات الاستثمار الأفريقية الذي بادرت مصر بعقده هو “نوعية الحضور”، حيث يختص هذا المنتدى برؤساء هيئات الإستثمار وهم الجهات التفيذية في الحكومات الافريقية المسؤولين عن الاستثمارات في دولهم، بالإضافة لرجال الأعمال الذين يُقدِمون على دفع أموالهم للإستثمار في تلك الدول، وبالتالي فالأمر يتعدى مسألة التوصيات إلى الخطط التنفيذية على الأرض.  وفي هذا السياق، شهد المنتدى عقد عدد 270 اجتماع ثنائي بين رجال الاعمال المصريين ورؤساء هيئات الاستثمار الافريقية لمناقشة القضايا الأساسية التى تشغل المستثمرين وأصحاب المشروعات والأعمال، وبحث الفرص الاستثمارية المتاحة بالدول الافريقية المشاركة بالمنتدى، وخطط التنمية وآليات جذب المستثمرين في القطاعات الاقتصادية الواعدة مثل الزراعة والصناعة والبنية التحتية والطاقة وإيجاد سبل التمويل اللازمة.

إطلاق منصة لربط البورصات الأفريقية: تحتاج الاستثمارات بدورها إلى مصادر تمويل متنوعة وتأتي البورصات كواحدة من أهم المنصات التي تساعد الشركات على الوصول للتمويل اللازم للتوسع والنمو، وفي هذا الاطار، أعلن د. محمد فريد رئيس البورصة المصرية عن إنشاء منصة لربط البورصات الافريقية وكذا الشركات العاملة في مجال الوساطة في الاوراق المالية والتي تهدف إلى تمكين أي مواطن أفريقي من الاستثمار في بورصات القارة الأفريقية، مما يسمح بتدفق الاستثمارات، وتنفيذ التعاملات وتسويتها في بيئة عمل تلبي طموحات ومتطلبات مختلف فئات المستثمرين، ما يعزز من السيولة والتداول في البورصات الافريقية. مع التأكيد على أنه يتم العمل حالياعلى المحطة الأولى من المشروع للربط ما بين شركات الوساطة في 7 دول أفريقية، كمرحلة تجريبية ينطلق منها المشروع لباقى البورصات الافريقية.

الإعلان عن افتتاح المقر الدائم للغرف التجارية الأفريقية بالقاهرة: شهد المنتدى إعلان المهندس إبراهيم العربي رئيس الاتحاد العام للغرفة التجارية المصرية ورئيس اتحاد الغرف الافريقية للتجارة والصناعة والزراعة ان الاتحاد بصدد افتتاح المكتب الدائم له بالقاهرة كما تقرر اطلاق موقع إلكتروني جديد يعرض فرص الاستثمار  والمشروعات المشتركة في اطار الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية التي أنعم الله بها علي القارة كما سيتم عرض فرص تنمية التجارة البينية الأفريقية في اطار تكاملي يتعدى مفهوم التجارة التقليدية كما سيتم عرض فرص تنمية العمل المشترك وعرض دراسات المشروعات التكاملية و بنك معلومات للسوق الأفريقية و فرص الاستثمار  ذو الهوية الأفريقية من خلال استغلال المميزات النسبية لكل دولة للوصول الي مشروعات أفريقية قومية

جهود مصرية متواصلة

جاءت استضافة القاهرة للمنتدى الأول لرؤساء هيئات ترويج الاستثمار الأفريقية، والذي حمل شعار “التكامل من أجل النمو” مُكملا لجهود الدولة المصرية لتعزيز التعاون مع الدول الافريقية ودعم التكامل الاقتصادي بين دول القارة، والذي أولته القيادة المصرية إهتماما كبيرا أثناء رئاسة مصر للاتحاد الافريقي، وسعت حينها لتسريع إطلاق منطقة التجارة الحره القارية الافريقية، والعمل على خلق بنية مواتية لجذب الاستثمارات وتحقيق التنمية للقارة الافريقية.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة المصرية منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي للسلطة في مصر، اتخذت خطوات عدة على الطريق الصحيح نحو تذليل العقبات لمد جسور التعاون مع كافة الدول الأفريقية، وتعزيز التكامل الاقتصادي لدول القارة، وذلك بدءا من إنشاء الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في عام 2014، ومرورا بعقد مؤتمر التكلات الاقتصادية الافريقية الثلاثة في شرم الشيخ 2015، والذي نتج عنه اتفاق إنشاء “منطقة تجارة حرة بين التكتلات الافريقية الثلاث الكوميسا والسادك وجماعة شرق إفريقيا”، بالاضافة لتدشين منتدى “الاستثمار في افريقيا” بنسخه الثلاثة2017و2018و2019، تبني استراتيجية تنمية الصادرات المصرية للقارة الأفريقية، خلال الفترة من 2018 حتى 2020، وتدشين منتدى رجال الأعمال الافارقة، وانشاء صندوق ضمان مخاطر الإستثمار في أفريقيا عام 2018، وصندوق الاستثمار في البنية التحتية المعلوماتية 2018، ومنصة التجارة الالكترونية للدول الافريقية، إلى جانب إطلاق مبادرة التكامل الصناعي الأفريقي “صنع في أفريقيا” عام 2019، فضلا عن مشروعات البنية التحتية والطاقة ومشاريع الربط الإقليمي والقاري التي تنفذها مصر ف ي العديد من الدول الافريقية، بما يدعم التكامل الاقتصادي للقارة، إلى جانب سعي مصر الدائم لوضع تحديات الدول الافريقية على أجندة المحافل الدولية والعمل المشترك مع الدول الافريقية والأطراف الدولية على تذليل العقبات والتهديدات التي تقف عائق أمام تحقيق التكامل وعلى رأسهم التحديات الأمنية، وتوفير التمويل اللازم للقيام بالتنمية.

توصيات لتعزيز التعاون الاستثماري الأفريقي 

بناءً على ما دار من مناقشات خلال الجلسات السبع للمنتدى، تم الاتفاق على عدد من التوصيات لتعزيز التعاون الاستثماري والتجارة البينية بين الدول الافريقية تضمنت ما يلى:

  • تدشين مجلس استشارى قبل نهاية العام الحالى يضم ممثلين عن هيئات الاستثمار الإفريقية والقطاع الخاص وبعض بيوت الخبرة العالمية لتقديم الخبرات الفنية والإدارية الخاصة بصياغة الفرص الاستثمارية وإبراز المزايا النسبية للدول الإفريقية وآليات الترويج لها.
  • إنشاء منصة إلكترونية إفريقية موحدة تُدرج عليها كافة الفرص الاستثمارية فى القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية وكذا القوانين والتشريعات والإجراءات المُنظمة للبيئة الاستثمارية بكل دولة على أن تقوم هيئات الاستثمار الإفريقية بتوفير كافة البيانات المشار إليها خلال الفترة من يوليو وحتى أكتوبر 2021 لإِدراجها ضمن المنصة.
  • وضع استراتيجية لتحفيز الاستثمار فى المجال الصناعى بالقارة الإفريقية وبناء سلاسل التوريد التى تُمكن بلدان القارة من تخفيض اعتمادها على الواردات وتعزيز قدرتها على المنافسة فى السوق العالمية.
  • التأكيد على دورية انعقاد منتدى رؤساء هيئات الاستثمار الإفريقية فى شهر يونيو من كل عام مع التوصية بتوسيع دائرة المشاركة ليشمل القطاع الخاص الإفريقى والمنظمات الافريقية الإقليمية والمؤسسات التمويلية الافريقية والدولية لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة من هذا الحدث.
  • تحديد نقاط اتصال من كافة هيئات الاستثمار الإفريقية خلال شهر يوليو 2021 لسهولة تبادل البيانات والمعلومات الاستثمارية وكذا المشاركة فى الاعمال التحضيرية للمنتدى القادم.
  • دراسة إنشاء أكاديمية لتدريب كوادر هيئات الاستثمار الإفريقية والإعلان عنها خلال الدورة المقبلة من المنتدى للعمل على زيادة التعاون الفنى بين دول القارة، وفق أحدث المعايير المُتبعة عالمياً فى مجال جذب والترويج للاستثمار وآليات تقديم الخدمات للمستثمرين وصياغة الفرص الاستثمارية.
  • تنظيم عدد من الزيارات المُتبادلة بين رجال الأعمال والمستثمرين فى كافة الدول الإفريقية؛ لبحث فرص إقامة مشروعات مشتركة من خلال الاطلاع على الفرص المتاحة على أرض الواقع.
  • إعلان الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة عن تنظيم خمس بعثات ترويجية قبل انعقاد الدورة الثانية من المنتدى إلى عدد من الدول الإفريقية لرجال الأعمال المصريين المهتمين بالاستثمار فى الدول الإفريقية وخاصة فى القطاعات ذات الأولوية لتلك الدول.

وختاما، تتوالى الجهود المصرية والافريقية لدعم تكامل اقتصادات القارة وتحقيق النمو والرخاء لشعوبها، ويمثل منتدى رؤساء هيئات الاستثمار في إفريقيا خطوة أخرى نحو الطريق الصحيح، وتأكيدا على عزم الحكومات الافريقية ورجال أعمالها الوطنيين على المضي قُدمًا، وسعيهم الحثيث لتذليل العقبات أمام الاستثمار في الدول الافريقية، وفتح آفاق جديدة للتعاون تساهم في تحقيق التكامل الاقتصادي المنشود للقارة الافريقية. وقد أثبت المنتدى أنه على الرغم من وجود العديد من التحديات وابرزها ضعف البنية التحتية ونقص مصادر الطاقة وعدم توافر المعلومات ببعض الدول الأفريقية الا انه من الممكن استغلال تلك التحديات والنظر إليها كفرص واعدة للعمل المشترك  بدلا من اعتبارها عقبة أمام التنمية، أما عن تحديات انتشار جائحة كورونا فقد اتاحت الفرصة لإعادة ترتيب الأهمية النسبية للقطاعات الاقتصادية المستهدفة، وفرضت ضرورة تعزيز الاستثمارات فى مجال الصحة، وتلعب مصر دورا بارزا في هذا الصدد، مما يفتح آفاقا أمام المستثمرين في قطاع الصناعات الدوائية بدعم من مصادر التمويل المختلفة لتصنيع اللقاحات محليا وتصديرها لمختلف دول القارة لمواجهة فيروس كورونا، والتغلب على تبعاته الاقتصادية، ومساعدة دول القارة في إستعادة معدلات نموها ما قبل الجائحة.

هايدي الشافعي
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية