وحدة الدراسات العربية والإقليمية

استجابة مختلفة: الخليج العربى والأزمة الأوكرانية

في سياق معالجة آثار الحرب الجارية بين روسيا وأوكرانيا، أو بين روسيا والغرب عمومًا، سعى كل طرف إلى اجتذاب أطراف أخرى بغرض تعزيز القدرة على تجاوز تداعيات هذه الحرب. وقد برزت دول منطقة الخليج كأحد أهم الفواعل المستهدفة من جانب كل طرف انطلاقًا من واقع كونها دول مصدرة للنفط والغاز الطبيعي، بل ويمكنها الإسهام في معالجة انخفاض ورادات الطاقة القادمة من روسيا إلى أوروبا، وذلك في حال ما إذا قررت تلك الدول زيادة الإنتاج.  في المقابل، تكشف التصريحات الصادرة عن قادة ومسؤولي دول الخليج العربي عن موقف محايد غير منحاز إلى أي طرف، ولكن بالنظر إلى السياسات المتبعة من جانب…

نوران عوضين
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية

في سياق معالجة آثار الحرب الجارية بين روسيا وأوكرانيا، أو بين روسيا والغرب عمومًا، سعى كل طرف إلى اجتذاب أطراف أخرى بغرض تعزيز القدرة على تجاوز تداعيات هذه الحرب. وقد برزت دول منطقة الخليج كأحد أهم الفواعل المستهدفة من جانب كل طرف انطلاقًا من واقع كونها دول مصدرة للنفط والغاز الطبيعي، بل ويمكنها الإسهام في معالجة انخفاض ورادات الطاقة القادمة من روسيا إلى أوروبا، وذلك في حال ما إذا قررت تلك الدول زيادة الإنتاج.

 في المقابل، تكشف التصريحات الصادرة عن قادة ومسؤولي دول الخليج العربي عن موقف محايد غير منحاز إلى أي طرف، ولكن بالنظر إلى السياسات المتبعة من جانب كل دولة منهم بناءً على تطورات الأزمة في أوكرانيا، يبدو وجود قدر من الاختلاف بين الدول الخليجية بحيث تتفاوت درجة الحياد ما بين الاقتراب والابتعاد عن الموقف الأمريكي، وتصبح معها الأزمة الأوكرانية مدخلًا محوريًا في إدراك أبعاد المسار المستقبلي للعلاقات الأمريكية الخليجية.

مؤشرات الحياد الخليجي

يمكن القول بأن هناك مؤشرين يمكن عبرهما الاستدلال على الموقف الخليجي الراهن. أولهما مشهد التصويت على إدانة روسيا. في 25 فبراير 2022، امتنعت الإمارات ( والتي تحمل حاليًا صفة عضو غير دائم بمجلس الأمن) في جلسة مجلس الأمن عن التصويت على مشروع قرار يدين الحرب الروسية على أوكرانيا. تم تقديم مشروع القرار بشكل ثنائي من قبل الولايات المتحدة وألبانيا، وتم إجهاضه عبر الفيتو الروسي. لكن مع انتقال التصويت إلى الجمعية العامة في 3 مارس 2022، صوتت دول الخليج جميعها لصالح رفض الغزو الروسي لأوكرانيا. وقد عكست التصريحات الرسمية الصادرة عن قادة تلك الدول دعوة أطراف النزاع إلى الالتزام بالحوار وإجراء المفاوضات، مع إبداء المخاوف بشأن التصعيد العسكري، فضلًا عن الدعوة إلى حماية وحدة أراضي أوكرانيا، هذا دون أن يحمل أي بيان منهم إدانة صريحة إزاء روسيا. أعقب ذلك في السابع من أبريل امتناع الدول الخليجية جميعها عن التصويت لصالح قرار بشأن تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان.

اقترن المشهد التصويتي في الأمم المتحدة مع إبداء عدد من الدول الخليجية استعداد التوسط بين طرفي النزاع. فمن جانب المملكة العربية السعودية، أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في اتصالاته الهاتفية مع كلًا من الرئيسين الروسي والأوكراني أوائل مارس الماضي على استعداد المملكة بذل الجهود للوساطة بين كل الأطراف.

في حين أبدت دولة الإمارات العربية المتحدة في أكثر من موضع استمرار الاتصال مع مختلف الأطراف المعنية، بهدف المساعدة في إيجاد حلول سياسية للأزمة. وكذلك، أوضح الجانب القطري استمرار التحدث مع الجانبين الروسي والأوكراني “لعرض المساعدة أو المساهمة لتهدئة الموقف ووضع حد لهذه الحرب”، لاسيما مع خبرة الوساطة القطرية والتي نجحت في عدة أماكن من قبل. 

يرتبط المؤشر الثاني المعبر عن الموقف الخليجي من الأزمة بقضية أزمة الطاقة، والتي بدورها تنقسم إلى أزمتين هما أزمة نفط وأزمة غاز طبيعي.

فيما يتعلق بأزمة النفط، أوضحت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تمسكهما بما نص عليه اتفاق أوبك + مع روسيا بشأن زيادة الإنتاج النفطي إلى حد 400 ألف برميل يوميًا. 

أُبرم اتفاق أوبك + بين دول أوبك، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، جنبًا إلى جنب مع مصدري النفط الرئيسيين الآخرين، وكذلك روسيا. من خلال هذه الاتفاقية، استقر سوق النفط العالمي تدريجياً بعد انهيار أسعار النفط الخام وسط تفشي وباء كوفيد -19. شهد إنتاج النفط الخام زيادة طفيفة منذ ذلك الحين بعد تعديل الاتفاقية في يوليو 2021. ولكن، مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ارتفعت الأسعار الفورية للنفط الخام إلى مستويات غير مسبوقة، مما دفع الحكومات الغربية (لاسيما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة) إلى مطالبة الدول النفطية بزيادة إنتاج النفط الخام. على وجه التحديد تم توجيه الطلب إلى السعودية والإمارات نظرًا لكونهما الدولتان الوحيدتان القادرتان على زيادة الإنتاج.

وفي الواحد والثلاثين من مارس، اجتمع تحالف “أوبك بلس” واتفق على زيادة طفيفة في إنتاج النفط، في الوقت الذي كان يؤكد فيه الرئيس الأمريكي جو بايدن إطلاق كميات إضافية من “احتياطي البترول الاستراتيجي”. 

لقد رأى أعضاء تحالف أوبك + أنه من الممكن تلبية الطلب العالمي المتنامي من خلال زيادة الإنتاج إلى 432000 برميل يوميًا، أما الكمية التي تعتقد الولايات المتحدة أنها مناسبة فتتجاوز ضعف هذا الرقم وتبلغ مليون برميل في اليوم، في حين يبلغ إجمالي الطلب العالمي حوالي 100 مليون برميل يومياً.

لقد لمّح وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان في التاسع والعشرين من مارس إلى هذه النتيجة بإعلانه في مؤتمر للطاقة عُقد في دبي عن قيام “الجميع بتنحية السياسة جانباً”، فيما قال نظيره الإماراتي سهيل المزروعي أنه “لدينا مهمة واحدة لا غير وهي استقرار السوق”.

في المقابل، أبدت قطر –أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم- بعضًا من المرونة فيما يتعلق بإمكانية إمداد الغاز إلى أوروبا. في يناير 2022، اتصلت الولايات المتحدة بقطر سعيًا لاستبدال احتياجات أوروبا من الطاقة في حالة النقص.

وفي 22 فبراير، استضافت قطر منتدى الدول المصدرة للغاز (GECF)، وأكدت الدوحة أنه من المهم توجيه استثمارات كبيرة إلى قطاع البنية التحتية للغاز، وأنهم بحاجة إلى اليقين بشأن العقود طويلة الأجل حتى يتمكنوا من ضمان الإمدادات إلى أوروبا.

وفي 20 مارس، أعلن وزير الاقتصاد الألماني “روبرت هابيك” عقب لقاءه مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أنه ” تم الاتفاق “بشكل رائع” على الدخول في شراكة طويلة المدى في مجال الطاقة بين بلاده وقطر”، “وأن ممثلي الشركات الذين جاءوا معه إلى قطر، سيشاركون الآن بشكل عميق في المفاوضات التعاقدية مع الجانب القطري”.

تبدو محاولات المرونة القطرية هنا بين ما تم إعلانه من اتفاق شراكة مع الجانب الألماني، وما صرح به وزير الطاقة القطري “سعد بن شارد الكعبي” من قبل بأنه لا يمكن لبلد واحد أن يحل على الفور محل صادرات الغاز الروسي، وأن قطر ستبذل “قصارى جهدها” لمساعدة أوروبا ولكن “هناك قيود” على مستوى الغاز الذي يمكن توفيره. فعلى الرغم من أن قطر أصبحت أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم العام الماضي، إلا أن معظم إنتاجها موجه للعملاء الآسيويين بموجب عقود طويلة الأجل. وبحسب الجانب القطري فإنه على المدى القصير، يمكن تحويل ما بين 10% إلى 15% فقط من الغاز الطبيعي القطري المسال إلى أوروبا- بعد موافقة المستوردين الآسيويين. كما تخطط قطر لاستثمار 30 مليار دولار لمضاعفة طاقاتها الإنتاجية. ولكن تشير التقديرات أن هذا الأمر سيستغرق حتى عام 2025.

مشهد خليجي مختلف

عبر قراءة ما تقدم من مؤشرات يمكن استنتاج وجود اتجاهين للتعامل مع الأزمة الأوكرانية، وإن كان أساس التحرك واحد. بينما تعبر الدول الخليجية جميعها عن موقف محايد من الأزمة، يمكن الإشارة إلى وجود اختلاف في سياسات التعامل مع الأزمة.

بداية، لدي دول الخليج جميعها علاقات تعاون وثيقة سياسية وتجارية مع الجانب الروسي، في الوقت نفسه الذي تشترك فيه دول الخليج أيضًا في شراكة سياسية وتجارية وأمنية وثيقة طويلة المدى مع الولايات المتحدة، وهو ما يفسر موقف الحياد الرسمي الراهن انطلاقًا من رغبة الدول الخليجية في توسيع علاقاتها الدولية مع جميع القوى الكبرى، ومن ثم عدم خسارة أيًا منهم بالانحياز لطرف دون الآخر.

ولكن بالانتقال إلى تفصيلات العلاقة بين عدد من الدول الخليجية مع كلا من الولايات المتحدة وروسيا تبرز درجات مختلفة من هذا الحياد. يبرز هذا في عدم الاستجابة السعودية والإماراتية لمطلب الولايات المتحدة بخصوص زيادة إنتاج النفط بما يرجح التكهنات الخاصة بوجود شكل من التوتر في العلاقة بين هذه الدول الثلاثة، وفقط جاءت الأزمة الأوكرانية لتؤكد على وجودها. في مقابل ذلك تشير التحركات القطرية السياسية بجانب إمكانية إمداد أوروبا بالغاز القطري إلى انحيازها أكثر ناحية الغرب. 

أولًا، التوتر الأمريكي مع السعودية والإمارات: كما سبق التوضيح، فإن التوترات الأمريكية مع الجانبين السعودي والإماراتي حاضرة منذ فترة طويلة، بل وتشير بعض التحليلات إلى وجودها منذ إدارة باراك أوباما التي سلطت أهمية تعديل الاستراتيجية الأمريكية بالخارج عبر تقليل الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط في سبيل مواجهة التحديات الناشئة عن الصعود الصيني في آسيا. ارتبطت تلك الاستراتيجية مع توقيع إدارة أوباما على خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران عام 2015، تلك الاتفاقية التي –وفقًا للدول الخليجية- لم تأخذ مخاوفهم الأمنية في الاعتبار، لاسيما بعد ما نتج عن الاتفاق من تحرير للعقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة على إيران، بما مكنّ الأخيرة في النهاية من إطلاق يدها في المنطقة، واستخدامها للوكلاء في تهديد أمن الدول الخليجية، وعلى الأخص تهديد كلًا من السعودية والإمارات، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تنامي الشكوك الخليجية بشأن الضمانة الأمنية الأمريكية. 

ومع تولي إدارة ترامب للسلطة، سادت التوقعات بشأن اتجاه الإدارة الجديدة نحو إجراء تغييرات على سياسة أوباما السابقة فيما يتعلق بالتعامل مع إيران. تعززت تلك التوقعات مع إعلان الولايات المتحدة في مايو 2018 الانسحاب من الاتفاق النووي. ولكن جاءت هجمات الحوثيين على منشآت أرامكو في سبتمبر 2019، لتعيد الشكوك إلى المشهد مجددًا مع إحجام ترامب عن إبداء رد على تلك الهجمات.

أصبحت الشكوك أكثر واقعية مع تولي إدارة بايدن، الذي أكد خلال حملته سعيه إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران. تعزز هذا الحديث مع قرار الإدارة الأمريكية في 12 فبراير 2021 بإلغاء تصنيف الحوثيين اليمنيين كمنظمة إرهابية أجنبية، بدعوى دعم المساعدات الإنسانية الدولية في اليمن. ولكن من وجهة نظر خليجية، أكدت تلك التحركات شكوكهم بشأن تراجع الضمانة الأمريكية. بل يمكن القول أن هذه الشكوك قد توثقت أكثر عبر ما يتردد بشان الاتفاق الجديد مع إيران من حيث كونه منصبًا أكثر على برنامج إيران النووي، دون الأخذ في الاعتبار – مجددًا- ملفي التدخلات الإقليمية لإيران أو برنامج الصواريخ الباليستية، بما يعني أن الاتفاق الجديد لن يعالج التهديدات الأمنية الصادرة عن إيران ووكلاءها ضد دول منطقة الخليج. مازاد من تفاقم الأمر ما اعتبرته السعودية والإمارات من رد أمريكي “بطئ وغير فعّال” على هجمات الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية والحوثية على أهداف مدنية في كلا الدولتين، وهو ما أدى بوزير الخارجية الأمريكي –بحسب موقع اكسيوس الأمريكي- إلى تقديم اعتذار إلى ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد خلال لقاءهما الأخير في مارس 2022. 

يمكن القول بأن أفضل وصف معبر عن واقع العلاقات الأمريكية مع كلًا من السعودية والإمارات هو ما صرح به سفير الإمارات لدى واشنطن، يوسف العتيبة، في الثالث من مارس 2022 بشأن مرور العلاقات الأمريكية الإماراتية باختبار، “فمثل أي علاقة، هناك أيام قوية تكون العلاقة فيها صحية جدًا، وأيام تكون العلاقة فيها موضع تساؤل، واليوم يمر البلدان بمرحلة اختبار، لكنه أكد على قدرة البلدين على الخروج منها في موقع أفضل.

مع تكرار الحديث الأمريكي بشأن اقتراب الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط، واقتران ذلك مع مشهد الانسحاب من أفغانستان، تنامي التساؤل لدي الشركاء الإقليميين للولايات المتحدة بما في ذلك السعودية والإمارات حول مدى مصداقية الولايات المتحدة كشريك مسؤول، وبالتالي ظظهرت الحاجة إلى إعادة تقييم المواقف والسياسات إزاء واقع ما بعد الانسحاب، والذي يصبح معه مسؤولية حل القضايا الإقليمية مسؤولية منفردة لدول المنطقة دون التعويل بشكل كبير على حتمية المشاركة الأمريكية كما السابق.

يمكن مشاهدة نتائج إعادة التقييم هذه عبر الشراكات الجديدة الناشئة في المنطقة لا سيما تلك المتمخضة عن اتفاقات إبراهام ما بين إسرائيل والإمارات والبحرين، وأيضًا في محاولة دول الخليج خلال الفترة الماضية في تهدئة أزمات المنطقة عبر الحوار، وهو ما برز في عودة العلاقات الإماراتية التركية، بجانب انعقاد عدد من جولات المحادثات ما بين السعودية وإيران من جانب والإمارات وإيران من جانب أخر، والتمهيد الإماراتي لبدء العودة السورية إلى المحيط العربي. وأخيرًا، المساعي الأخيرة لمجلس التعاون الخليجي لحل الأزمة اليمنية عبر إعادة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي والذي من شأنه في حال نجاحه تشكيل جبهة موحدة ضد الحوثيين.

لم تُبرِز الأزمة الأوكرانية فقط شكل التفاعلات الخليجية الإقليمية، ولكنها سلطت الضوء على تحوط خليجي أيضًا على الصعيد الدولي. في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى العلاقات الإماراتية السعودية المتنامية سواء السياسية أو الاقتصادية مع كلًا من الصين وروسيا. 

رغم علاقتها الوثيقة مع طهران، أيدت موسكو في 28 فبراير 2022 قرار مجلس الأمن – المقترح من جانب الإمارات- الخاص بتصنيف الحوثيين “جماعة إرهابية” للمرة الأولى، إدراجهم في قائمة عقوبات اليمن، وفرض حظر للأسلحة عليهم.

من جانب آخر، برز الحضور الصيني بشكل أكثر وضوحًا داخل المنطقة الخليجية خلال الأيام اللاحقة لاندلاع الأزمة الأوكرانية. بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، وجهت السعودية دعوة رسمية للرئيس الصيني تشي جين بينغ لزيارتها. ليس هذا فحسب، كشفت تقارير عن وجود محادثات سعودية صينية بشأن استخدام اليوان بدلًا من الدولار في مدفوعات النفط السعودي الموجه إلى الصين. وعلى الرغم من ضعف تأثير هذه الخطوة في مسار تعزيز مكانة اليوان في النظام المالي العالمي، ولكنها في الوقت نفسه تعزز من شواهد التوتر الأمريكي السعودي. وعلى الجانب الإماراتي، تم الإعلان مؤخرًا عن نية وزارة الدفاع الإماراتية التعاقد مع شركة كاتيك الصينية لشراء 12 طائرة من طراز L15 مع خيار إضافة 36 طائرة من نفس الطراز في المستقبل، وهو ما يأتي في سياق ما تنتهجه دولة الإمارات من سياسة تنويع مصادر التسليح، تلك السياسة التي برزت أهميتها عقب تأخر الولايات المتحدة في تسليم طائرات f35 إلى الجانب الإماراتي، وهو ما أدى إلى إبرام أبو ظبي صفقة مع فرنسا لشراء 80 مقاتلة رافال بقيمة 15.8 مليار دولار، أعقب ذلك إعلان الإمارات التخلي عن صفقة الطائرات الأمريكية.

لم تكن الإمارات وحدها في مسألة تنويع مصادر التسلح. تشير البيانات الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن صادرات السلاح الصيني إلى المملكة العربية السعودية قد بلغت خلال الفترة من 2016-2021 نحو 210 مليون وحدة TIV (يستخدم معهد ستوكهولم وحدة Trend Indicator  Value أو وحدة قياس مؤشر الاتجاه، المعروفة اختصارًا ب  TIV، لقياس الاتجاهات في تدفق الأسلحة بين الدول، بمعنى آخر يقدم المؤشر قياس عمليات نقل القدرة العسكرية بدلاً من قيمتها المالية).

فيما بلغت صادرات الأسلحة الصينية الموجهة إلى الإمارات خلال الفترة من 2016-2020 نحو 121 مليون وحدة، وإلى قطر خلال عامي 2017 -2018 نحو 118 مليون وحدة، وإلى البحرين خلال عام 2016 نحو 4 مليون وحدة.

فيما بلغت صادرات الأسلحة الروسية إلى الإمارات خلال الفترة من 2018-2020 نحو 200 مليون وحدة، وإلى قطر خلال عامي 2018-2019 نحو 40 مليون وحدة، وإلى السعودية خلال عام 2019 نحو 12 مليون وحدة، وإلى البحرين خلال عامي 2016 و2018 نحو 31 مليون وحدة.

وعلى الرغم من ضعف حجم تلك الصادرات مقارنة بحجم نظيرتها الواردة من الولايات المتحدة، ولكن يكشف التعاون في حد ذاته واتجاه الدول الخليجية لاسيما الإمارات والسعودية إلى شراء أسلحة من كلأ من الصين وروسيا على وجه التحديد عن حالة التوتر القائمة، بحيث تتجه الرياض وأبو ظبي إلى شراء أسلحة ممن تعدهم واشنطن مهددين لنفوذها على الصعيد العالمي، ردًا على تخلي واشنطن عن حلفاءها في الخليج.

وبشكل عام، تشير التحركات الإماراتية السعودية على وقع الأزمة في أوكرانيا إلى اعتماد نهج جديد في علاقاتهم مع الجانب الأمريكي، من زاوية كون الولايات المتحدة شريك قوي ضمن شركاء آخرين، بما يحتم على الجانبين السعودي والإماراتي محاولة تحقيق التوازن في علاقاتهم مع جميع هؤلاء الشركاء. 

ثانيًا، قطر والحياد المنحاز إلى الغرب: يشير رصد التحركات القطرية في إطار الأزمة إلى نهج مختلف عن النهج السعودي الإماراتي. في الواقع، تتمتع قطر بعلاقات وثيقة مع طرفي النزاع الروسي والأوكراني، وهو ما أهّل قطر في بدايات الأزمة للترشح لممارسة دور وسيط ما بين الجانبين. ولكن بجانب دور الوساطة، أبدت قطر ميل أكثر ناحية الغرب، وهو ما كان أبرز معالمه في إتاحة المشاركة للرئيس الأوكراني خلال افتتاح منتدى الدوحة في نسخته ال 20، والتي دعا فيها الدول المنتجة للطاقة إلى زيادة إنتاجها لضمان عدم احتكار روسيا للإنتاج.

من ناحية أخرى، وعلى الرغم من العلاقات الاقتصادية الوثيقة التي تجمع ما بين الجانبين الروسي والأوكراني (على سبيل المثال: يمتلك جهاز قطر للاستثمار حصة 19% في شركة “روسنفت” الروسية)، صرح وزير الخارجية القطري خلال لقاءه مع شبكة CNN أواخر مارس 2022، بأن الاستثمار القطري في روسيا يخضع حاليا للكثير من المراجعة، وأن قطر لا تفكر في زيادة استثماراتها هناك حتى تكون هناك “بيئة أفضل والمزيد من الاستقرار السياسي”.

يرتبط الموقف القطري بعدد من العوامل الحاكمة لسياستها. على خلاف السعودية والإمارات، لا ترى قطر في إيران تهديدًا لأمنها، فلطالما كان لقطر علاقات تجارية وتعاون أيضًا في مجال الطاقة مع الجانب الإيراني. هذا بالإضافة إلى عدم تعرض قطر من قبل إلى هجوم من وكلاء إيران بالمنطقة. كذلك، تشير تقارير صحفية إلى وجود دور قطري متنامٍ خلال المحادثات النووية الجارية مع إيران، بجانب نقلها لرسائل ما بين واشنطن وطهران. من ناحية آخرى، لا ترغب قطر في خسارة التقدم المحقق في علاقاتها مع الولايات المتحدة والتي توجت مؤخرًا بتسمية قطر “حليفًا رئيسيًا من خارج الناتو” من جانب الولايات المتحدة.

وبشكل عام، تمنح الحرب في أوكرانيا أهمية متزايدة لقطر سياسيًا وتجاريًا على الصعيد الدولي، وتدفعها في اتجاه فتح أسواق جديدة في الغرب بما يسهم في زيادة الحصة السوقية للغاز القطري المسال، ومن ثم تعزيز الوضع القطري في سوق الطاقة العالمية. 

ختاما، كشفت الأزمة الأوكرانية عن مدى أهمية منطقة الشرق الأوسط في السياسة الدولية وفي القلب منها المنطقة الخليجية، لاعتبار أنها من أهم مصدري الطاقة عالميًا، تلك الأهمية التي باتت تدركها واشنطن جيدًا. ومن المتوقع أن تبدأ الأخيرة في إعادة تقييم استراتيجيتها القائمة على الاهتمام بالشرق، حيث من المتوقع أن تعيد اهتمامها بمنطقة الخليج عبر إصلاح العلاقات المتوترة مع السعودية والإمارات، أخذًا في الاعتبار نجاح الصين وروسيا في شغل الفراغ الذي خلفته واشنطن منذ بدء انسحابها – السياسي والأمني – عن تلك المنطقة.

نوران عوضين
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية