ما بعد زيارة بايدن

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

هل اختلف الشرق الأوسط بعد زيارة الرئيس الأمريكى جو بايدن؟. بالتأكيد الزيارة كان لها بعد رمزى كبير، فبعد تجاهله للمنطقة لأكثر من عام ونصف العام منذ وصوله إلى البيت الأبيض، جاء بايدن بنفسه والتقى بمجموعة من أبرز قادتها، وناقش أهم قضاياها، وبالتالى عادت المنطقة لتؤكد أهميتها ضمن أولويات السياسة الأمريكية، وعدم حكمة تجاهلها، واعتراف الجميع بأن المنطقة لا تزال مهمة للولايات المتحدة، كما أن الأخيرة لا تزال مهمة للمنطقة، والتأكيد أيضًا على أن الولايات المتحدة سوف تحرص على عدم خلق فراغ فى المنطقة قد تملؤه دول منافسة لها مثل الصين أو روسيا. ولكن بالإضافة إلى هذه الرمزية، فالزيارة كان لها…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

هل اختلف الشرق الأوسط بعد زيارة الرئيس الأمريكى جو بايدن؟. بالتأكيد الزيارة كان لها بعد رمزى كبير، فبعد تجاهله للمنطقة لأكثر من عام ونصف العام منذ وصوله إلى البيت الأبيض، جاء بايدن بنفسه والتقى بمجموعة من أبرز قادتها، وناقش أهم قضاياها، وبالتالى عادت المنطقة لتؤكد أهميتها ضمن أولويات السياسة الأمريكية، وعدم حكمة تجاهلها، واعتراف الجميع بأن المنطقة لا تزال مهمة للولايات المتحدة، كما أن الأخيرة لا تزال مهمة للمنطقة، والتأكيد أيضًا على أن الولايات المتحدة سوف تحرص على عدم خلق فراغ فى المنطقة قد تملؤه دول منافسة لها مثل الصين أو روسيا.

ولكن بالإضافة إلى هذه الرمزية، فالزيارة كان لها عدد من النتائج الملموسة، إحدى هذه النتائج تتعلق بتأكيد علاقات الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ودول المنطقة، وعلى رأسها مصر، والذى ظهر بشكل واضح فى البيان الصادر بعد القمة بين الرئيسين السيسى وبايدن.

الجديد أيضًا أن قمة جدة واللقاءات الثنائية بين بايدن وقادة المنطقة قد تطرقت إلى العديد من القضايا غير التقليدية، التى تفتح آفاقًا رحبة فى التعاون بين الولايات المتحدة وشركائها العرب، ومنها القضايا المتعلقة بالتعاون فى مجالات التكنولوجيا، والطاقة المتجددة والتقنيات صديقة البيئة وغيرها. وكلها قضايا جديدة فى أجندة التعاون بين البلدين، ويمكن أن تكون لها نتائج استراتيجية وتنموية ضخمة.

أما فيما يتعلق بالقضايا التقليدية، ومنها الملف الإيرانى، فقد أعادت الولايات المتحدة التأكيد، فى بيان رسمى، أنها «لن تسمح على الإطلاق لإيران بالحصول على أسلحة نووية»، وأنها ستعمل مع شركائها بالمنطقة لمواجهة الأنشطة الإيرانية العدوانية والمُزعزِعة للاستقرار، سواء التى تقوم بها بشكل مباشر أو من خلال وكلائها. ولكن الجديد فى لغة الخطاب الرسمى للولايات المتحدة هو التزامها بأنها «مستعدة لاستخدام كل عناصر قوتها القومية» لضمان عدم امتلاك إيران أسلحة نووية.

هذا الحديث عن استخدام القوة الأمريكية يشبه اللغة التى استخدمتها الولايات المتحدة فى أواخر السبعينيات فى إطار ما عُرف بـ«مبدأ كارتر»، الذى التزمت فيه الولايات المتحدة باستخدام القوة فى حالة تعرض دول الخليج لغزو خارجى فى أعقاب الغزو السوفيتى لأفغانستان.

حديث استخدام القوة الهدف منه بالتأكيد هو طمأنة دول المنطقة المتخوفة من إيران، وخاصة فى ظل تعثر مفاوضات فيينا بشأن عودة الولايات المتحدة للاتفاق النووى معها، وقيام إيران بالتحلل التدريجى من التزامها بهذا الاتفاق، وتطوير برنامجها النووى خارج إطاره.

ولكن من ناحية أخرى، فإن حديث استخدام القوة قد يكون تمهيدًا للتوصل إلى اتفاق أمريكى مع إيران، وطمأنة الدول المتخوفة بأن الاتفاق لن يحد من الالتزام الأمريكى بشأن منع برنامج نووى عسكرى لإيران، وخاصة أن الرئيس بايدن أشار أثناء زيارته للمنطقة إلى اعتقاده أن «الدبلوماسية هى أفضل طريقة لتحقيق هذه النتيجة»، فى إشارة إلى التعهد بضمان عدم حصول إيران على سلاح نووى.

أما فيما يتعلق بالملف الفلسطينى الإسرائيلى، وبالرغم من تأكيد القادة العرب عليه، وحديث بايدن عن التزام بلاده بحل الدولتين، فمن الواضح أن إدارة بايدن تستهدف استمرار «التهدئة»، وتركز فقط على البُعد الإنسانى للقضية الفلسطينية، دون طرح رؤية لتسوية سياسية فى المستقبل القريب، مع استمرار الحوار مع السلطة الفلسطينية وعدم عزلها أو فرض عقوبات عليها، كما كان يفعل الرئيس الأمريكى السابق ترامب. ومن الواضح أن إدارة بايدن تسعى لمساندة الحكومة الحالية فى إسرائيل، وترى أنها الخيار الأفضل مقارنة بحكومة قد يتولى رئاستها بنجامين نتنياهو بعد الانتخابات المزمع عقدها فى إسرائيل، وقد ظهرت هذه المساندة فى البيان الصادر عن زيارة بايدن لإسرائيل، والذى نقل العلاقة بين البلدين إلى آفاق جديدة، وخاصة فى مجالات التعاون العسكرى والتكنولوجى، حيث تم الإعلان عن حوار استراتيجى جديد رفيع المستوى بين الولايات المتحدة وإسرائيل لتشكيل شراكة تكنولوجية بين البلدين.

ولكن يُلاحَظ أن الأفكار الأمريكية الخاصة بدمج إسرائيل فى منظومة دفاع عسكرى مع دول المنطقة لم تلقَ ترحيبًا من أطراف عربية، وبالتالى لم تظهر فى البيان الختامى لقمة جدة.

وفيما يتعلق بالعلاقات المصرية الأمريكية، فمن الواضح أن إدارة بايدن أصبحت أكثر تفهمًا للظروف التى تمر بها مصر ولوجهات النظر المصرية بشأن العديد من القضايا الداخلية والإقليمية، واحتوى البيان الأمريكى الصادر بعد لقاء قمة الرئيسين السيسى وبايدن على تعهدات أمريكية لمساندة مصر فى عدد من هذه القضايا، وهى نقطة انطلاق جديدة للعلاقات بين البلدين.

وأخيرًا، فربما يكون من أهم ما جاء فى بيان قمة جدة تأكيد القادة التزامهم بانعقاد اجتماعهم مجددًا فى المستقبل.. فالحوار، على مستوى القمة، سيظل أفضل آلية لتطوير العلاقات العربية الأمريكية.

نقلا عن جريدة المصرى اليوم بتاريخ  18-07-2022

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر