يناقش فى الآونة الحالية مشروع الموازنة العامة للدولة عن العام المالى 2023/2024، والذى يأتى فى توقيت غاية الأهمية. فمن المعروف ان الغرض الأساسى من إعداد الموازنة هو تحقيق نوعين من الرقابة الأولى دستورية، والثانية اقتصادية ومالية. ومن حيث الوظيفة الأولى، تعد الموازنة وثيقة سياسية وقانونية تخدم أهداف الرقابة الدستورية وتضمن المشاركة الفعالة من جانب كل فئات المجتمع. وهو ما يتطلب بدوره المعرفة الكاملة بالأوضاع المالية، وبالتالى الشفافية المطلقة فى عرض بنود الموازنة ليس فقط للأغراض الاقتصادية، ولكن وهو الأهم من أجل المزيد من المساءلة السياسية أمام السلطات الرقابية والتشريعية والشعبية.
إذ تعد الرقابة على المال العام أحد الأدوار الأساسية المميزة لجميع المجتمعات الحديثة. اما الوظيفة الثانية الاقتصادية والمالية فهى تأتى فى ضوء الدور الذى تلعبه الموازنة العامة فى الاقتصاد القومى ككل من حيث القدرة على تخصيص الموارد بين القطاعات الاقتصادية المختلفة والتأثير على استخدام الموارد وعلى مستوى الطلب الكلى، فضلا عن التأثير فى سياسات الدخول عن طريق الدعم والنفقات الاجتماعية.بينما تتيح الإيرادات العامة الفرصة للدولة لتلبية الأهداف العامة. ولتحقيق الأهداف سالفة الذكر استقر الفكر المالى على ضرورة مراعاة عدة مبادئ أساسية عند إعداد الموازنة العامة، وهى السنوية حيث تعد عن فترة قادمة، هى عام مالي،
مع الأخذ بالحسبان انه يمكن عمل مخطط لمدى زمنى أبعد يتراوح بين ثلاث سنوات وخمس. والوحدة وبمقتضى هذا المبدأ فانه لا يجوز تخصيص مورد معين لنفقة محددة، بل يجب أن تتجمع جميع موارد الدولة فى الخزانة العامة، والتى تقوم بتوزيعها على مختلف جوانب الإنفاق العام وفقا لما يرتئيه المجلس التشريعى عند مناقشة وإقرار الموازنة. بالإضافة الى ذلك هنا كمبدأ الشمول بمقتضاه فانه يجب أن تتجمع جميع موارد الدولة ونفقاتها فى إطار واحد تسهل متابعته، وبالتالى لا يجوز ان تنشأ حسابات خارج هذا النظام. من هذا المنطلق يمكننا مناقشة وضع الهيئات الاقتصادية وعلاقتها بالموازنة ومن المعروف أنها صيغة من الصيغ القانونية لكيانات اقتصادية، ظلت داخل الموازنة حتى جاء القانون رقم 11 لسنة 1979، والذى تم بمقتضاه فصل موازنة هذه الهيئات عن الموازنة العامة للدولة، على ان تعد موازنات مستقلة تعتمد من مجلس النواب،
بحيث تقتصر العلاقة فيما بينهما على الفائض الذى يؤول للخزانة العامة من بعض هذه الهيئات، أو توفير ما يتقرر إليها من دعم ومساهمات والتزامات. وبالتالى كان يتعين عليها أن تستقل بالكامل عن الموازنة العامة للدولة وتعمل وفقا لأسس اقتصادية. واصبحت العلاقة بين هذه الهيئات بمثابة علاقة ملكية تتركز فى نتائج الأعمال وعلاقة تمويلية تتركز فى المساهمة والإقراض. وكان من المفترض ان تحقق هذه الهيئات الهدف من استقلالها وان تدار على أسس اقتصادية وتجارية تمكنها من تحقيق فوائض مالية او على الأقل تسهم فى تمويل نفسها ذاتيا. وكان من المفترض ان تحقق هذه الهيئات التوازن الاقتصادى والمالي،
بحيث تغطى نفقاتها من مواردها الذاتية وبالتالى تخفف العبء عن الموازنة العامة للدولة، وهو مالم يتحقق على الإطلاق إذ ظلت تمثل نزيفا مستمرا لموارد الدولة وتحقق خسائر متراكمة عبر السنوات، فارتفع صافى العلاقة بينها وبين الموازنة العامة الى سالب 182 مليار جنيه فى مشروع موازنة 2023/2024 حيث بلغ ما أتاحته الموازنة من دعم واعانات ومساهمات 481.5 مليار جنيه، بينما بلغ ما آل اليها من فوائض وضرائب دخلية ورسوم 298.9 مليار مع ملاحظة ان 83% مما يؤول للخزانة يأتى من هيئتى قناة السويس والبترول. بل والأخطر من ذلك تراجع صافى حقوق الملكية فى هذه الهيئات بصفة مستمرة.
نقلًا عن الأهرام 17 مايو 2023