بعد مرور نحو عام على قرار حزب العمال الكردستاني نزع سلاحه وحل نفسه، ونحو ستة أشهر على انتهاء لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” من أعمالها ونشر تقريرها، أقر البرلمان التركي في 10 أغسطس 2026، بأغلبية 467 صوتًا مقابل 87 صوتًا معارضًا وامتناع 7 نواب، قانون “تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي”، المعروف بالقانون الإطاري لعملية “تركيا خالية من الإرهاب”، وقد حظي بموافقة 268 صوتًا من حزب العدالة والتنمية، و44 صوتًا من حزب الحركة القومية، و55 صوتًا من حزب المساواة الشعبية والديمقراطية، و29 صوتًا من حزب الشعب الجمهوري، و35 صوتًا من حزب الجديد، وقد تم إقراره بعد مناقشة استغرقت نحو 12 ساعة، في ظل معارضة حزب الجيد بقيادة موسافات درويش أوغلو، الذي استخدم نوابه الأدوات البرلمانية المتاحة لإطالة المناقشات، بينما أُدرج مشروع القانون للمناقشة باعتباره “قانون أساسي” بما سمح بمناقشته على شكل أقسام وليس مواد مفصلة. وعليه، تستعرض هذه الورقة مضمون القانون ومظاهر محدوديته والخطوات التالية على إقراره.
مضمون القانون
يتكون القانون المُقر من 12 مادة، تركز جميعها على معالجة التداعيات القانونية والقضائية المرتبطة بإنهاء نشاط حزب العمال الكردستاني، دون أن تتضمن أبعادًا تتعلق بتحقيق العدالة الانتقالية، أو الاندماج الاجتماعي، أو تلبية المطالب الثقافية والاجتماعية للأكراد، أو تحقيق المصالحة المجتمعية بين الأكراد والأتراك، أو تحديد الوضع الجنائي والسياسي لعبد الله أوجلان، وفيما يلي أبرز مضمونه:
• ربط تفعيل القانون بقرار من مجلس الأمن القومي: يربط القانون بدء تفعيل أحكامه وتطبيق آلياته بصدور قرار من مجلس الأمن القومي ونشره في الجريدة الرسمية، يتضمن تأكيد أن حزب العمال الكردستاني وجميع الجماعات المنضوية تحت مظلة اتحاد العمال الكردستاني (KCK) وكل تشكيل مرتبط به، قد أنهوا وجودهم التنظيمي وتخلوا عن أسلحتهم ووصلوا إلى مرحلة نهائية من نزع السلاح، بناءً على ما تثبته الأجهزة الأمنية.
• تنظيم الإجراءات القضائية: ينظم القانون ثلاث حالات رئيسية؛ أولها: الجرائم التي لا تزال قيد التحقيق أو المحاكمة، ويتم التعامل معها بشكل تدريجي من خلال تأجيل التحقيقات والمحاكمات لمدة خمس سنوات للجرائم التي لا تتجاوز عقوبتها القصوى 15 عامًا، وعشر سنوات للجرائم التي تتجاوز عقوبتها 15 عامًا أو تستوجب السجن المؤبد أو المؤبد المشدد. ويُستثنى من التأجيل جرائم القتل العمد المرتكبة في إطار نشاط حزب العمال الكردستاني، وكذلك الجرائم التي ارتُكبت قبل 1 يونيو 2005 وكانت تستوجب عقوبة السجن المؤبد أو السجن المؤبد المشدد، وهو ما يجعل عبد الله أوجلان خارج نطاق القانون الحالي، ولا تحتسب سنوات التأجيل ضمن المدة القانونية اللازمة لسقوط الدعوى بالتقادم، كما تظل ملفات القضايا والأدلة اللازمة لإثبات الجرائم محفوظة طوال فترة التأجيل.
وبالتوازي، يصدر مع قرار التأجيل قرار بشأن تصفية الأموال والممتلكات والأشياء الخاضعة للمصادرة وتحويلها إلى إيرادات للخزانة. ومع ذلك، لا تكون قرارات التأجيل نهائية؛ فإذا أصدرها المدعي العام، يجوز لمن يملك حق الطعن الاعتراض عليها أمام محكمة الصلح الجزائية خلال أسبوعين، كما يجوز الاعتراض خلال المدة نفسها على قرار المحكمة بتأجيل المحاكمة، أما الجرائم التي ارتُكبت قبل نشر قرار مجلس الأمن القومي وتدخل في نطاق القانون، ولم يبدأ التحقيق بشأنها إلا بعد نشر القرار، فلا يجوز فتح التحقيق فيها إلا بإذن من مجلس الأمن القومي.
وثانيها: يتعلق بالأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام إدانة نهائية، ويتم التعامل معهم بشكل تدريجي أيضًا؛ حيث يتيح القانون تأجيل تنفيذ العقوبة لمدة خمس سنوات إذا كان مجموع العقوبات المحكوم بها لا يتجاوز 15 عامًا، ولمدة عشر سنوات إذا تجاوز مجموعها 15 عامًا أو كانت العقوبة السجن المؤبد أو المؤبد المشدد، ويُستثنى من ذلك المحكوم عليهم في جرائم القتل العمد المرتكبة في إطار نشاط حزب العمال الكردستاني، وكذلك المحكوم عليهم بالسجن المؤبد أو المؤبد المشدد عن جرائم ارتُكبت قبل 1 يونيو 2005، ولا يحول تأجيل تنفيذ العقوبة دون تنفيذ أحكام المصادرة المتعلقة بالأموال أو الممتلكات، كما لا تُحتسب فترة التأجيل ضمن مدة تقادم العقوبة، وفي حال ارتكاب المحكوم عليه أي جريمة أخرى خلال فترة التأجيل، يُلغى قرار التأجيل ويُستأنف تنفيذ العقوبة، بينما إذا انقضت المدة المحددة دون ارتكاب جريمة أخرى، تُعتبر العقوبة منفذة بالكامل رغم عدم قضائها فعليًا خلال تلك الفترة.
وثالثها: يخص التدابير الاحترازية والقضايا المنظورة أمام درجات التقاضي الأعلى؛ إذ يُعاد النظر في تدابير الحبس الاحتياطي والمراقبة القضائية على المتهمين في القضايا التي يشملها التأجيل، ويجوز إلغاؤها إذا لم تعد الشروط القانونية لاستمرارها متوافرة، كما يتعامل القانون مع القضايا التي تكون قيد الاستئناف أو الطعن أمام محكمة التمييز؛ إذ يُصدر بشأنها قرار بالنقض إذا كانت الجرائم محل القضية من الجرائم التي ينطبق عليها نظام التأجيل.
ويحدد القانون مدة الاستفادة من أحكامه بستة أشهر تبدأ من تاريخ نشر قرار مجلس الأمن القومي الذي يؤكد انتهاء الوجود الفعلي لحزب العمال، وخلال هذه المدة، يتعين على الراغبين في الاستفادة من القانون تقديم إخطار كتابي إلى النيابة العامة المختصة في مكان وجودهم أو إلى الجهات التي تحددها الهيئة المعنية، وإلا لا يمكنهم الاستفادة من الإجراءات والمزايا التي يتيحها القانون بعد انتهاء المهلة. كما ينظم القانون تسجيل قرارات التأجيل ومتابعتها من خلال إنشاء نظام خاص تُسجل فيه قرارات تأجيل التحقيقات والمحاكمات وتنفيذ العقوبات، ولا يجوز الاطلاع على هذه السجلات إلا من جانب النيابة أو القاضي أو المحكمة في إطار تحقيق أو محاكمة ولأغراض محددة، ويُستخدم التسجيل لمتابعة مدى التزام المستفيدين بشروط التأجيل، ولا سيَّما عدم ارتكاب جريمة خلال مدته، إذ يؤدي ارتكابها إلى إلغاء التأجيل واستئناف الإجراءات أو تنفيذ العقوبة، أما إذا انقضت مدة التأجيل دون ارتكاب جريمة، تترتب الآثار النهائية التي حددها القانون، سواء بانتهاء الدعوى في القضايا المؤجلة أو باعتبار العقوبة منفذة في حالات تأجيل التنفيذ.
• إنشاء آلية مؤسسية لمتابعة تنفيذ القانون: يُنشئ القانون هيئة لمتابعة تنفيذ العملية وتقييم مدى تقدمها، يرأسها نائب رئيس الجمهورية، وتضم وزراء العدل والخارجية والداخلية والدفاع، والأمين العام لرئاسة الجمهورية، ورئيس الاستخبارات، وأمين عام مجلس الأمن القومي، ويُمكن لها تشكيل لجان فرعية والاستعانة بممثلي الوزارات والمؤسسات والأشخاص المعنيين، بما في ذلك تكليف هذه اللجان بمتابعة التقدم المحرز في نزع سلاح الحزب، وبعد نشر قرار مجلس الأمن القومي الذي يؤكد إنهاء حزب العُمال لوجوده وتسليم أسلحته، تجري الهيئة تقييمات دورية لمدى اكتمال تفكيكه استنادًا إلى تقارير المراقبة، ويمكنها طلب اتخاذ تعديلات أو إجراءات قضائية وإدارية وتشريعية عند الحاجة.
كما تملك الهيئة صلاحية طلب إزالة الآثار المترتبة على الحرمان من الحقوق الناتج عن التحقيقات أو المحاكمات أو أحكام الإدانة؛ فتتقدم بهذا الطلب إلى المحكمة المختصة بالنسبة للقضايا التي تم تأجيلها، وإلى قاضي تنفيذ العقوبات بالنسبة للأحكام الصادرة بالفعل، على ألا يجوز تقديم الطلب في الحالة الأخيرة إلا بعد مرور سنتين من قرار التأجيل إذا كانت مدة التأجيل خمس سنوات، أو ثلاث سنوات إذا كانت مدة التأجيل عشر سنوات، ويظل القرار النهائي بشأن إزالة هذه الآثار للجهة القضائية المختصة، مع إمكانية الاعتراض عليه. وتخضع الهيئة في الوقت نفسه للرقابة البرلمانية، إذ تلتزم بإبلاغ الجمعية الوطنية بصورة دورية عن أعمالها، ويشكل رئيس البرلمان لجنة متابعة تتكون من 17 عضوًا لمراقبة تنفيذ القانون وتقديم التوصيات، وتتولى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية مهام السكرتارية الخاصة بالهيئة.
• تحديد آلية لتسليم الأسلحة والمعدات: ينص القانون على تسجيل جميع الأسلحة والذخائر والمركبات والأدوات والمواد المتفجرة وغيرها من المعدات التي يحضرها أعضاء حزب العمال الكردستاني أو يصرحون بامتلاكها، بما يضمن حصرها وتوثيقها رسميًا، على أن تتولى وزراتا الدفاع والداخلية وضع القواعد والإجراءات المنظمة لهذه العملية، بما يشمل آلية استلام وتسجيل وحصر الأسلحة والمعدات التي يتم تسليمها، بعد أخذ رأي المؤسسات الأمنية.
غلبة البُعد الأمني
يُشكل قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي خطوة متقدمة على طريق معالجة القضية الكردية إذا ما قورن بالقوانين السابقة ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بالعملية، والتي أصدرتها تركيا منذ عام 1985 وبلغ عددها أحد عشر قانونًا وتنظيمًا قانونيًا. وقد عُرفت القوانين والتنظيمات الصادرة خلال أعوام 1985 و1988 و1990 و1992 و1995 و1999 و2000 بقوانين “التوبة” أو “الندم”، واستهدفت تشجيع أعضاء حزب العمال على الانسحاب وتسليم أنفسهم وتقديم معلومات عن الحزب مقابل الإعفاء من العقوبة أو تخفيضها، إلى جانب توفير بعض تدابير الحماية للمستفيدين، كما صدر قانون مكافحة الإرهاب عام 1991 الذي وضع الإطار العام للجرائم الإرهابية، وفي 2003، حدث تحول نسبي مع إصدار قانون “إعادة الإدماج الاجتماعي”، الذي استهدف إعادة أعضاء حزب العمال إلى المجتمع ومنحهم إعفاءات أو تخفيضات في العقوبات بحسب دور الشخص في الحزب والجرائم التي ارتكبها، مع استبعاد القيادات العليا وبعض مرتكبي الجرائم، إلا أنه ظل قائمًا على الاستفادة الفردية والطوعية وفق شروط محددة.
واستمر هذا النهج، وإن بصورة مختلفة، مع قانون العقوبات التركي الجديد الصادر عام 2005، الذي كرس مفهوم “الندم الفعّال” بصورة دائمة، بحيث يمكن لمن ينسحب من حزب العمال طوعًا أو يسلم نفسه ويقدم معلومات مفيدة عن التنظيم أن يحصل على إعفاء من العقوبة أو تخفيضها وفقًا لظروف الحالة، كما مثل قانون “إنهاء الإرهاب وتعزيز الاندماج المجتمعي” الصادر عام 2014 تحولًا إضافيًا؛ إذ أجاز للحكومة والمؤسسات المختصة إجراء الاتصالات والمفاوضات مع الحزب وممثليه واتخاذ الإجراءات اللازمة لإنهاء الإرهاب وتعزيز الاندماج المجتمعي، لكنه لم يتضمن ترتيبات بشأن الملاحقات القضائية أو الأحكام الصادرة أو الإفراج عن المحكوم عليهم.
غير أن القانون الحالي يختلف عن هذا المسار ويمثل تقدمًا نسبيًا، كونه يتعامل مع حزب العمال الكردستاني كتنظيم وليس فقط مع أعضائه بصورة فردية وطوعية، ويرتب آثارًا قانونية مباشرة على إنهاء نشاطه وتسليم أسلحته، غير أنه يظل أقل من المتوقع لمعالجة القضية الكردية بصورة شاملة؛ إذ يحصرها بصورة أساسية في إطار قانوني وأمني، بينما تتجاوز القضية الكردية هذا البعد لتشمل أبعادًا سياسية وثقافية واجتماعية، وهو ما لم ينعكس في القانون من خلال منح الأكراد حقوقًا تتعلق بالتعليم واللغة، أو وضع آليات للعدالة الانتقالية، مثل لجان الحقيقة وبرامج جبر الضرر وتعويض الضحايا، وهي إجراءات تُسهم في تعزيز الشعور بالعدالة وتحقيق المصالحة المجتمعية ومعالجة مشاعر الاضطهاد والغضب التي تشكلت لدى قطاعات من الأكراد على مدار عقود نتيجة سياسات الإدماج القسري وعنف الدولة وإنكار الهوية واللغة الكردية، كما غابت عن القانون إجراءات من شأنها تهيئة حاضنة مجتمعية لعملية الاندماج وإعادة بناء الذاكرة الجماعية المشتركة للقضية الكردية ضمن إطار يقوم على التعامل مع الأكراد باعتبارهم مواطنين متساوين، وليس جماعة يُنظر إليها باعتبارها تهديدًا للهوية التركية، فضلًا عن غياب معالجة عودة الأشخاص الذين أُجبروا على مغادرة تركيا بسبب النزاع، وتحديد آلية إعادة دمجهم مجتمعيًا.
علاوة على ذلك، تجاهل القانون التوصيات الواردة في تقرير لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” الصادر في 18 فبراير 2026، المتعلقة بتعزيز الديمقراطية، وفي مقدمتها ضمان تنفيذ قرارات المحكمة الدستورية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وإعادة النظر في قواعد الإفراج المشروط ومدد تنفيذ العقوبات، وإتاحة تأجيل تنفيذ العقوبة في بعض الحالات الإنسانية، ولا سيَّما للمرضى وكبار السن، وجعل الحبس الاحتياطي إجراءً استثنائيًا وليس الأصل، ومراجعة قانون العقوبات وقانون مكافحة الإرهاب والتشريعات ذات الصلة بحيث لا تُعامل الأفعال غير العنيفة التي تندرج ضمن نطاق حرية التعبير باعتبارها جرائم إرهابية، وحماية حرية التجمع، وإجراء تعديلات على قوانين الصحافة والإذاعة بما يوسع حرية التعبير والصحافة، وشملت كذلك تعديلات ديمقراطية على قوانين الأحزاب السياسية والانتخابات والنظام الداخلي للبرلمان، وإعداد قانون للأخلاقيات السياسية، وإصلاح نظام الإدارة المحلية بحيث يكون اختيار البديل لرئيس البلدية المعزول من بين أعضاء المجلس البلدي المنتخب، وهو ما يجعل معالجة المشكلة الكردية عملية قاصرة ومنعزلة وليست جزءًا من تحسين الوضع الديمقراطي في الدولة.
كذلك، فإن القانون لا ينصرف فعليًا إلى كافة فروع حزب العمال الكردستاني؛ إذ يركز بالأساس على الوضع داخل تركيا، مع معالجة وضع عناصر الحزب في العراق وسوريا وإن بأشكال مختلفة، بينما يظل حزب الحياة الحرة الكردستاني الذي تتراوح قدرته البشرية بين نحو 1000 و3000 مقاتل في جناحه المسلح “وحدات شرق كردستان” خارج العملية الحالية، بل إن بنيته التحتية توسعت خلال الفترة الأخيرة بالتزامن مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، من خلال إنشاء قواعد جديدة وحفر الأنفاق والآبار وتنفيذ أعمال هندسية للطرق وتحريك معدات ثقيلة على المحاور الممتدة من قنديل باتجاه الحدود الإيرانية، بالتوازي مع تقديم الولايات المتحدة دعمًا تسليحيًا للمجموعات الكردية الإيرانية المسلحة المعارضة الموجودة في إقليم كردستان العراق لتنفيذ غزو بري داخل إيران، وهو ما لم يحدث.
ويرجع عدم إدراج حزب الحياة الحرة الكردستاني ضمن عملية التسوية الحالية إلى عدة اعتبارات، أبرزها أن نشاطه موجه بالأساس إلى إيران، وأن معظم كوادره من الإيرانيين الذين لن يتمكنوا حاليًا من العودة إلى بلدهم في ظل الملاحقة الأمنية، كما قد ترى تركيا أن بقاء حزب الحياة الحرة الكردستاني على الحدود العراقية الإيرانية يمكن أن يسهم في احتواء الجماعات الكردية الإيرانية الأخرى، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب الحرية الكردستاني وحركة كومله وغيرهم، ومنعهم من توسيع نفوذهم باتجاه الحدود الإيرانية العراقية، لا سيَّما أن هذه المجموعات تبدو أكثر استعدادًا للتعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما اتسم موقف حزب الحياة الحرة الكردستاني بقدر أكبر من الانضباط، فرغم انضمامه إلى “ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران” الذي تشكل في 22 فبراير 2026 بهدف توحيد المجموعات الكردية المسلحة الإيرانية في إقليم كردستان العراق لإسقاط الجمهورية الإسلامية وتحقيق حق الشعب الكردي في تقرير المصير وإقامة نظام إداري ديمقراطي في “كردستان الشرقية” (المسمى الكردي لكردستان إيران)، وفق بيان الائتلاف، تجنب حزب الحياة الحرة الكردستاني الاصطفاف العلني مع الخطط الأمريكية والإسرائيلية.
كما تنظر تركيا إلى حزب الحياة الحرة الكردستاني باعتباره أكثر قدرة على التأثير عليه من خلال عبد الله أوجلان، وهو ما ينسجم مع موقف أوجلان نفسه؛ ففي اجتماع استمر نحو خمس ساعات مع وفد من حزب المساواة الشعبية والديمقراطية في إيمرالي يوم 20 يوليو 2026، دعا إلى طرح مبادرة تهدف إلى تحويل حزب الحياة الحرة الكردستاني بدلًا من حله بصورة مباشرة، وذكر نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان المنتمي إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني، رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، كمشاركين في هذه المبادرة، داعيًا تركيا إلى الاضطلاع بدور إيجابي، على أن تتم العملية دون الاعتماد على الولايات المتحدة أو بريطانيا. ومن ثم، قد يقتصر التحرك التركي تجاه حزب الحياة الحرة خلال المرحلة المقبلة على مراقبة نشاطه، مع السعي إلى منعه من استيعاب العناصر التي كانت تواجه تركيا سابقًا، مستفيدة في ذلك من نفوذ أوجلان على التنظيمات المرتبطة بحزب العمال.
الخطوات التالية المحتملة
يُتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة استكمال الخطوات الإجرائية المنصوص عليها في قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي، تمهيدًا لمرحلة لاحقة يُمكن أن تشهد خطوات سياسية أوسع، وهو ما يُمكن توضحيه كالتالي:
• استكمال الإجراءات الإدارية وعملية نزع السلاح: يُتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة استكمال التحقق من إنهاء الوجود الفعلي لحزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه؛ حيث يُرجح أن يجري جهاز المخابرات الوطني والقوات المسلحة التركية خلال أغسطس وسبتمبر عمليات للتحقق من إخلاء المعسكرات وتسليم الأسلحة، بالاعتماد على المعلومات الاستخباراتية والتفتيش الميداني وإحداثيات الأقمار الصناعية والصور العسكرية، على أن ترفع نتائج التحقق إلى أردوغان ومجلس الأمن القومي تمهيدًا لصدور القرار الذي يثبت استيفاء هذه الشروط ونشره في الجريدة الرسمية.
وتتركز عملية نزع السلاح بالأساس في شمال العراق؛ إذ حُددت خمس مناطق رئيسية لتجميعه، مع وجود مخازن موزعة على نحو 35 موقعًا تحت الأرض، وتشمل الترسانة التي يجري حصرها وتسليمها أسلحة مضادة للدروع مثل AT4 وLAW وKonkurs وMilan، وقذائف RPG-7، وبنادق M4 وM16 وAK-47، وقذائف هاون عيار 60 و82 ملم، ورشاشات DShK وPKM، وصواريخ دفاع جوي محمولة مثل SA-7 وStinger وIgla، وصواريخ كاتيوشا، وقنابل يدوية وقاذفات قنابل، إضافة إلى معدات الرؤية الليلية وأجهزة تحديد الأهداف بالليزر وطائرات مسيرة متفجرة وغيرها.
كما سيتم بحث سُبل استفادة العناصر التركية المنتمية لحزب العمال ومقيمة في العراق من القانون، فهناك نحو 3800 عنصر منتشرون في 18 معسكرًا، يُرجح أن يبقى نحو 900 منهم –بينهم قرابة 230 من القيادات– خارج نطاق القانون وخارج تركيا. كذلك، يوجد نحو 2500 شخص قطعوا صلاتهم بالتنظيم ويعيشون بصورة مدنية في أربيل والسليمانية ودهوك ومناطق أخرى، وهم من أبرز الفئات المرشحة للعودة إلى تركيا؛ حيث تتواصل الأجهزة الأمنية مع عائلاتهم لتنسيق عودتهم، على أن يخضع العائدون لاستجواب أولي ثم يُسلم كل شخص إلى السلطات المختصة في المنطقة التي صدرت فيها مذكرة توقيفه لاستكمال الإجراءات القانونية والاستفادة من أحكام القانون. كما يوجد نحو 1500 شخص آخرين غير مسلحين، لكن صدرت بحقهم أحكام نهائية في تركيا أو أُدينوا فيها ويقيمون في إقليم كردستان العراق، ومن ثم سيخضع وضعهم القانوني لآليات القانون بحسب طبيعة أحكامهم.
ويمتد نطاق القانون كذلك إلى أعضاء حزب العمال الكردستاني الموجودين في الدول الأوروبية؛ إذ تشير التقديرات إلى وجود نحو 8000 شخص موزعين في عدد من الدول الأوروبية، بينهم أشخاص خضعوا للمحاكمة أو صدرت بحقهم إدانات بسبب الانتماء إلى التنظيم، إلا أن استفادتهم من القانون ستظل مرتبطة بالوضع القانوني لكل شخص وبمدى انطباق شروط القانون عليه، ولا سيَّما طبيعة الجريمة والعقوبة ودور الشخص داخل الحزب. أما في سوريا فيأخذ المسار طابعًا مختلفًا نسبيًا؛ حيث تستهدف تركيا استكمال دمج العناصر المسلحة في مؤسسات الدولة السورية، بما يؤدي إلى إنهاء وجود الهيكل العسكري المستقل المرتبط بحزب العمال الكردستاني، مع إبعاد الكوادر غير السورية خارج البلاد.
• إجراء تعديل دستوري: إن الخطوات المتخذة على صعيد المعالجة الأمنية للقضية الكردية قد تفتح الباب أمام صفقة سياسية أوسع لتعديل الدستور، تحت غطاء استكمال معالجة القضية الكردية والانتقال بها إلى المسار الدستوري، بحيث تتضمن منح الأكراد قدرًا محسوبًا من الامتيازات الثقافية والاجتماعية مقابل دعم منح أردوغان ولاية رئاسية رابعة، إضافة إلى إمكانية تعديل المادة التي تشترط حصول المرشح على الأغلبية المطلقة من الأصوات الصحيحة (50% + 1) للفوز في الانتخابات الرئاسية، بحيث يُكتفى بحصوله على أعلى عدد من الأصوات الصحيحة، علاوة على إمكانية النص على تعيين نائبين للرئيس التركي أحدهم علوي والآخر كردي، وهو الأمر الذي أشار إليه أوجلان خلال اجتماعه مع وفد حزب المساواة الشعبية والديمقراطية يومي 20 يوليو و2 أغسطس، عندما اقترح جدول زمني يبدأ بالموافقة على القانون ثم كتابة دستور جديد فإجراء انتخابات، كما ألمح رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي للأمر نفسه في حديث مع صحيفة توركغون المقربة من حزبه، عندما شدد على ضرورة إعادة هيكلة الأحزاب والنظام الانتخابي.
وتدعم التوازنات السياسية الجديدة في البرلمان إمكانية تحقيق هذا السيناريو؛ إذ ضاقت الفجوة بين حزب المساواة الشعبية والديمقراطية وتحالف الشعب الحاكم، كما أظهر حزب الشعب الجمهوري بقيادة كمال كليتشدار أوغلو، ميلًا إلى التصويت لصالح عدد من السياسات الحكومية، بما قد يتيح توفير النصاب الدستوري اللازم لتمرير تعديلات دستورية وعرضها على الاستفتاء الشعبي، والمقدر بـ 360 صوتًا، فعلى سبيل المثال يوفر تصويت حزب العدالة والتنمية (277) وحزب الحركة القومية (46) وحزب المساواة الشعبية والديمقراطية (56) لصالح التعديل 379 صوتًا، فيما يؤدي تحالف حزب العدالة والتنمية (277) وحزب الحركة القومية (46) وحزب الشعب الجمهوري (44) إلى 367 صوتًا، كما يمكن، في أحد السيناريوهات، حشد ثلثي الأصوات اللازمة لإجراء انتخابات مبكرة وتعديل الدستور من خلال التصويت في الجمعية الوطنية الكبرى، دون الحاجة إلى الاستفتاء، عبر جمع أصوات حزب العدالة والتنمية (277) وحزب الحركة القومية (46) وحزب المساواة الشعبية والديمقراطية (56) وحزب الشعب الجمهوري (44)، بإجمالي 423 صوتًا.
• إخلاء سبيل بعض السياسيين الأكراد وإمكانية العودة للعمل السياسي: ستشهد الفترة المقبلة مراجعة أوضاع بعض السجناء السياسيين الأكراد بموجب القانون، ويُرجح أن يكون كل من صلاح الدين دميرطاش وفيجن يوكسيكداغ، الرئيسين المشاركين السابقين لحزب الشعوب الديمقراطية (حزب المساواة الشعبية والديمقراطية حاليًا) من أبرز المستفيدين من نظام تأجيل تنفيذ العقوبات، فقد صدر بحق دميرطاش في مايو 2024 حكم بإجمالي 42 عامًا من السجن في قضية أحداث كوباني، بينما حُكم على يوكسيكداغ في القضية نفسها بالسجن 30 سنة و3 أشهر، وهي عقوبات تتجاوز 15 عامًا، بما يضعهما ضمن الفئة التي يتيح القانون تأجيل تنفيذ العقوبة بحقها لمدة عشر سنوات.
ويشمل القانون كذلك عددًا من السياسيين الأكراد الذين صدرت بحقهم أحكام نهائية، أبرزهم سلجوق مزراقلي الرئيس الأسبق لبلدية ديار بكر، وبكير كايا الرئيس السابق لبلدية وان؛ إذ صدرت بحقهما أحكام نهائية بالسجن 9 سنوات و4 أشهر و15 يومًا، و8 سنوات و3 أشهر على الترتيب، وبما أن العقوبتين تقلان عن 15 عامًا، يمكن تأجيل تنفيذهما لمدة خمس سنوات، بما يتيح خروجهما من السجن. كما سيستفيد سياسيون آخرون مثل أحمد تورك الرئيس السابق لبلدية ماردين، وسباحت تونجل الرئيسة السابقة لحزب الشعوب الديمقراطية، وجولتان كيشاناك الرئيسة السابقة لبلدية ديار بكر، الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن 10 سنوات و12 سنة و12 سنة على الترتيب، وغيرهم، ونظرًا إلى أنهم يخضعون للمحاكمة دون احتجاز حاليًا، يُرجح أن تشملهم آلية تأجيل المحاكمة لمدة خمس سنوات.
أما بالنسبة لعودة المُخلى سبيلهم إلى العمل السياسي، فإن وضع صلاح الدين دميرطاش وفيجن يوكسيكداغ، الرئيسين المشاركين السابقين لحزب الشعوب الديمقراطي، يتوقف على كيفية تصنيف الأحكام الصادرة بحقهم بموجب القانون الجديد، فإذا اعتُبرت الأحكام غير نهائية، رغم تأييدها من الاستئناف بسبب استمرار نظرها أمام محكمة التمييز، فسيجري التعامل مع القضية باعتبارها لا تزال قيد المحاكمة، وفي هذه الحالة لن تنطبق عليهما مهلة الثلاث سنوات المقررة لإزالة الحرمان من الحقوق بالنسبة إلى المحكوم عليهم نهائيًا، وبالتالي، يمكن أن يعودا إلى ممارسة النشاط السياسي بعد الإفراج عنهما مباشرة، أما إذا اعتُبرت الأحكام نهائية وأصبحا في وضع المحكوم عليهما، فلن تكون العودة إلى العمل السياسي تلقائية، بل يتعين بعد مرور ثلاث سنوات من قرار التأجيل أن تطلب الهيئة المختصة إزالة الآثار المترتبة على الحرمان من الحقوق، ثم يصدر القرار النهائي من قاضي تنفيذ العقوبات. أما الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام نهائية، مثل سلجوق مزراقلي وبكير كايا، فإن العودة السياسية ليست تلقائية؛ إذ يتعين أولًا أن تطلب الهيئة المكلفة بتنفيذ القانون من قاضي تنفيذ العقوبات إزالة الآثار المترتبة على الحرمان من الحقوق بسبب الإدانة، ولا يمكن تقديم هذا الطلب إلا بعد مرور سنتين، ثم يظل القرار النهائي للقاضي.
بينما لن تستفيد الكوادر المؤسسة والقيادية لحزب العمال الكردستاني واتحاد العمال الكردستاني (KCK) من القانون، ومن أبرزهم مراد قره يلان وجميل بايك ودوران كالكان وصبري أوك، إضافة إلى بسه هوزات، الرئيسة المشاركة للمجلس التنفيذي لاتحاد العمال الكردستاني؛ إذ يستبعد القانون القيادات المؤسسة للكيانين، كما لن يستفيد نحو 800–900 شخص لا يزالون في السجون ممن ارتكبوا جرائم قبل 1 يونيو 2005 كانت تستوجب السجن المؤبد أو المؤبد المشدد.
• البحث عن تسوية لوضع عبد الله أوجلان: لم يتناول قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي الوضع القانوني لعبد الله أوجلان، رغم المطالبات المتكررة من حزب المساواة الشعبية والديمقراطية وحزب العمال الكردستاني ومجموعات كردية أخرى بمنحه “الحق في الأمل”، إلى جانب المبادرات التي طرحها رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي لمنحه وضعًا قانونيًا وسياسيًا أكثر مرونة، ومنها اقتراح إنشاء كيان، تحت مسمى “مكتب تنسيق عملية السلام والتسييس” أو أي مسمى آخر، لتولي إدارة العملية مع الأكراد برئاسة أوجلان. ومع ذلك، لا يُرجح أن تتجه تركيا في المرحلة المقبلة إلى إخلاء سبيله، بالنظر إلى رمزيته داخل المجتمع التركي، ومعارضة قطاعات واسعة من القوميين لفكرة ربط معالجة القضية الكردية بالإفراج عنه، فضلًا عن استمرار النظر إليه باعتباره المسئول عن العنف المرتبط بحزب العمال، وقد امتدت هذه التحفظات إلى حزب العدالة والتنمية نفسه، وحزب الشعب الجمهوري قبل انشقاقه.
وفي الوقت نفسه، فإن عدم تغيير الوضع القانوني لأوجلان قد يضعف ثقة الأكراد في مسار العملية، خاصة أنه لعب دورًا رئيسيًا في دفع حزب العمال نحو إنهاء الكفاح المسلح وحل نفسه، ولا يزال يتمتع بتأثير على المجموعات المرتبطة به وبالأخص الموجودة في العراق. ومن ثم، قد تلجأ تركيا إلى حل وسط يقوم على تخفيف القيود المفروضة عليه دون إنهاء عقوبته، سواء من خلال تحسين شروط احتجازه في سجن إيمرالي، أو نقله إلى منشأة أخرى تحت إشراف قضائي، مع توسيع إمكانية لقائه بعائلته ومحاميه والمسئولين المعنيين بالعملية، وربما السماح له بصورة محدودة بالتواصل مع صحفيين أو شخصيات من حزب المساواة الشعبية والديمقراطية بقرارات إدارية، دون منحه دورًا سياسيًا قياديًا رسميًا داخل حزب المساواة الشعبية والديمقراطية أو غيره.
• تخفيف القيود على المشاركة السياسية للأكراد: قد يدفع التقدم في مسار عملية “تركيا خالية من الإرهاب” نحو توسيع مساحة المشاركة السياسية لحزب المساواة الشعبية والديمقراطية، سواء من خلال منحه دورًا أكبر في المناقشات المتعلقة بتعديل الدستور، أو باعتباره الممثل السياسي الرئيسي للأكراد، والحد من الملاحقات القانونية بتهمة الإرهاب للسياسيين الأكراد، وبالأخص خلال فترات الانتخابات، ما من شأنه دفع جزء من الناخبين الأكراد إلى التصويت للحزب، إلا أن استمرار تراجع الثقة في الحكومة وفي مسار العملية قد يدفع قطاعات أخرى إلى التصويت لأحزاب بديلة أو الامتناع عن المشاركة في الانتخابات.
ختامًا، يمكن القول إن النتائج التي توصلت لها عملية “تركيا خالية من الإرهاب”، لاتزال أقل من وصفها بالمصالحة التركية الكردية بالمعنى الشامل، فرغم استخدام مسئولين رسميين، مثل أردوغان وبهتشلي، تعبيرات مثل “الأخوة” لوصف العلاقة بين الأكراد والأتراك، تظل الخطوات المتخذة لمعالجة القضية الكردية ذات طابع أمني بالأساس، ولا تتعامل معها باعتبارها قضية اجتماعية وسياسية تتطلب إجراءات لبناء الثقة والاعتراف بالانتهاكات السابقة والاعتذار عنها وتحقيق العدالة الانتقالية، وإعادة بناء التصورات المشتركة بين الأتراك والأكراد تجاه بعضهم البعض، كما أن العملية لا تخلو من حسابات سياسية وانتخابية، قد ترتبط بإمكانية التوصل إلى صفقة سياسية يحصل بموجبها أردوغان على فرصة للترشح لولاية رئاسية رابعة.





























