شهدت الأيام التالية لقمة الناتو التي انعقدت في تركيا يومي 7 و8 يوليو 2026، حراكًا لافتًا فيما يتعلق بحسم مصير منظومة الدفاع الجوي الروسية لدى تركيا S-400، والذي ظل معلقًا لسنوات، متسببًا في خضوع أنقرة للعقوبات بموجب قانون مكافحة خصوم الولايات المتحدة (CAATSA) وعرقلة حصولها على المقاتلات الشبحية الأمريكية من الجيل الخامس F-35، فمن ثلاثة خيارات كانت مطروحة، وهي إما تفكيك المنظومة وتخزينها أو إعادتها إلى روسيا أو نقلها إلى دولة ثالثة، تم الاستقرار على الخيار الأخير باعتباره حلًا وسطًا ومقبولًا بالنسبة للولايات المتحدة وروسيا معًا، فواشنطن عارضت بقاء المنظومة داخل الأراضي التركية حتى لو لم تكن مفعلة، وموسكو رفضت استعادتها، بينما قبلت بيعها لطرف ثالث يُرجح أنه خليجي، وقد أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف استمرار المحادثات مع أنقرة بهذا الشأن، ورغم غياب تحديد تركي أو روسي لهوية الطرف المشتري، فإن التقارير تُرجح الإمارات وبدرجة أقل قطر، وهي خطوة عند إتمامها سوف تُساهم في رفع العقوبات الأمريكية عن تركيا وتمكينها من شراء مقاتلات F-35 بما يعنيه ذلك من إعادة توزيع لموازين القوى الجوية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط. وعليه، تناقش هذه الورقة الحسابات التركية والروسية والخليجية لإتمام الصفقة، وتأثيراتها بشأن إعادة تشكيل التوازنات العسكرية الإقليمية.
حسابات الأطراف
يرتبط الزخم الحادث في قضية نقل منظومة S-400 بحسابات الأطراف الثلاثة الرئيسيين الذين تدور الصفقة بينهم؛ تركيا وروسيا والدولة الخليجية التي ستحصل على المنظومة، وهو ما يتم توضيحه كالتالي:
• استغلال تركيا وجود ترامب في البيت الأبيض لإنجاز الصفقة: تتطلع أنقرة لسرعة إنجاز صفقة إعادة بيع منظومة S-400 لدولة ثالثة وإبرام صفقة للحصول على المقاتلات F-35، خلال الفترة المتبقية من رئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للاستفادة من العلاقات الشخصية الإيجابية بين ترامب وأردوغان التي تلعب دورًا دافعًا لإتمام هذه الصفقة والتصدي للمعارضة الإسرائيلية اليونانية لها، وقد بذلت الدول الثلاثة جهودًا لثني الإدارة الأمريكية عن اتخاذ هذه الخطوة لكونها ستقوض تفوقهما التكنولوجي وتغير التوازن العسكري الإقليمي. وفي هذا الإطار، سلط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الضوء على علاقات تركيا بالإسلاميين وتهديدات أردوغان المتكررة لبلاده باعتبارها مخاوف جدية، وتمارس جماعات الضغط التابعة لإسرائيل وأعضاء الكونجرس المقربين منها ضغوطًا لوقف أي عملية بيع مستقبلية لأنقرة، بما في ذلك قيادة النائبة الديمقراطية دينا تيتوس حملة جمع التوقيعات لرسالة تحث الكونجرس على منع أي بيع لطائرات مقاتلة من طراز إف-35 إلى تركيا، كما تجتمع شخصيات يونانية مع السفيرة الأمريكية في أثينا كيمبرلي آن غيلفويل لممارسة ضغوط على غرار الاجتماع مع رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب جيش التحرير الشعبي (إيلاس) أليكسيس تسيبراس، الذي طالب فيه بوقف بيع مزيد من المعدات العسكرية الأمريكية لتركيا.
غير أن ترامب يرفض الاستجابة للضغوط الإسرائيلية واليونانية حتى الآن، ويُفضل إعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية التركية المنفصلة في ظل انخراط واشنطن في مفاوضات أوسع مع أنقرة بشأن دور الأخيرة في الشرق الأوسط، وهو ما انعكس في إبداء غضبه من معارضة نتنياهو العلنية لبيع F-35 إلى تركيا؛ الأمر الذي يخلق قنوات مباشرة لتمرير المطالب والمصالح التركية تتجاوز البيروقراطية الأمريكية التقليدية، بينما من شأن وصول نظام مغاير إلى البيت الأبيض يأخذ في الاعتبار بشكل أكبر اعتراضات ومخاوف تل أبيب وأثينا أن يعرقل صفقة محتملة لبيع F-35 إلى تركيا، وهو وضع عانت منه الأخيرة خلال ولاية باراك أوباما الثانية (2014-2017) عندما رفضت بيع منظومة الدفاع الجوي باتريوت لأنقرة؛ الأمر الذي دفعها للحصول على المنظومة الروسية، وولاية جو بادين (2021-2025) التي شهدت فتورًا في العلاقات الثنائية وجمودًا في قضية العودة لبرنامج المقاتلات F-35.
ومع ذلك، فإن الطريق أمام الـ F-35 ليس فوريًا بمجرد التخلص من S-400، فوفقًا لقانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2020، سيتعين على تركيا تقديم ضمانات بعدم إعادة شراء النظام لاحقًا، وعدم شراء أنظمة دفاعية أخرى من شأنها تعريض طائرات F-35 للخطر، كما سيتعين على وزيري الدفاع والخارجية الأمريكيين تقديم شهادة خطية رسمية وموقعة معًا إلى الكونجرس يثبتان فيها بشكل قاطع وبالمستندات انتهاء حيازة تركيا للمنظومة الروسية تمامًا وتخليها عن السيطرة عليها، وسيُمنح الكونجرس فترة مراجعة مدتها 90 يومًا للمطالبة بتوضيحات بشأن تفاصيل عملية النقل، وأي اتفاقيات تتعلق باستلام دولة ثالثة للنظام، وتفاصيل ضمانات أنقرة بالالتزام بالقانون الأمريكي، وربما يفرض شروطًا إضافية على عملية بيع مقاتلات F-35 تطيل أمدها. وتضيف التعديلات المقترحة على قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027 شرطًا جديدًا يتعلق بإلزام وزارة الخارجية بالتصديق على أن تركيا لم تعد تدعم حماس أو توفر لها ملاذًا آمنًا في البلاد قبل الموافقة على أي صفقة بيع، غير أن هذا الإجراء الإداري يُمكن تنفيذه بضغط من ترامب.
وتجري تركيا تحركات داخل الكونجرس لتقليل المعارضة المحتملة؛ إذ التقى وفد برئاسة رئيس لجنة الدفاع الوطني بالبرلمان ووزير الدفاع السابق خلوصي أكار، برؤساء وأعضاء لجان القوات المسلحة والاستخبارات والشئون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، لتوضيح الترتيبات التي تم التوصل إليها بشأن نقل منظومة S-400 خارج البلاد، وعقب اللقاء صرح أكار بأن الخلاف مع واشنطن يقترب من الحل دون تقديم تفاصيل. ومع ذلك، فإن الخطوة المحتملة هي السماح لأنقرة بالعودة كمشترٍ وليس شريك تصنيع، فالأولى تتطلب قرارًا إداريًا أكثر سهولة من التعقيدات الفنية اللازمة لاستعادة وضعها الأصلي كشريك تصنيع من المستوى الثالث وإنتاج أجزاء من مكونات المقاتلة.
• حصول روسيا على تنازلات تركية: تنص اتفاقية بيع منظومة الدفاع الجوي S-400 لتركيا على عدم جواز بيعها إلى طرف ثالث إلا بموافقة روسيا؛ مما يمنح الأخيرة نفوذًا على مسار المفاوضات التي بدأت منذ عدة أشهر، وإلى جانب الاشتراطات الفنية التي قد تُضمنها روسيا في عقد إعادة البيع للإمارات للحفاظ على تكنولوجيتها في بيئة عسكرية تخضع لسيطرة واشنطن بالكامل، فإن وقوع القرار النهائي لعملية البيع في يد الكرملين يعني خضوعه لتفاهمات سياسية مع الجانب التركي، تتجاوز مجرد اشتراطات التشغيل الفنية، تسعى موسكو من خلالها للحصول على تنازلات من تركيا مقابل السماح بإعادة بيع النظام، وربما يتعلق الأمر بالمفاوضات الحالية بين شركتي بوتاش التركية وغازبروم الروسية بشأن تجديد وتمديد اتفاقيات توريد الغاز الطبيعي لما بعد 2026؛ إذ لا يزال الطرفان يتفاوضان حول الكميات المطلوبة والمدة المحتملة للتعاقدات. كما تكمن الفائدة المحتملة الأخرى في أن نقل النظام الروسي للإمارات أو قطر يُشكل اختراقًا لسوق السلاح الخليجي، فإدخال منظومة متطورة مثل S-400 لدولة خليجية حليفة لواشنطن يُعد مكسبًا تسويقيًا لصناعات موسكو العسكرية ويكسر الاحتكار الأمريكي والغربي لسوق الدفاع الجوي بعيد المدى في المنطقة، كما أنه يُدر عائدات مالية على روسيا من خلال إبرام عقود للصيانة وتحديث النظام وشراء الصواريخ والذخائر البديلة.
• دعم شبكة الدفاع الجوي الخليجية: رغم عدم الإفصاح رسميًا عن الدولة الخليجية التي قد تنتقل إليها المنظومة الروسية، فإن التقارير حصرت الاحتمالات في الإمارات وقطر، مع ترجيح أكبر للإمارات، في ظل سعي بعض دول الخليج إلى تنويع مصادر تسليحها بعد الاستهدافات الإيرانية الواسعة التي طالت بنيتها التحتية للطاقة والنقل والمياه والكهرباء، وما أثارته من تساؤلات بشأن كفاية الضمانات الأمنية الأمريكية، مع مراعاة استيفاء الاعتبارات السياسية والتشغيلية مع الشريك الأمريكي، فالحصول على منظومات روسية مثل S-400 وتشغيلها في بيئة الخليج سيخضع لضوابط أمريكية بلا شك، في ظل احتفاظ واشنطن بوجود عسكري كثيف في المنطقة من خلال قواعد وأصول وأفراد عسكريين موزعين في قاعدة الظفرة الجوية قرب “أبو ظبي”، وميناء جبل علي بدبي، وقاعدة العديد الجوية بقطر، ومقر القيادة المركزية الأمريكية في البحرين، إلى جانب منشآت وقواعد أخرى في الكويت والسعودية. من ثم، يمكن لنظام رادار روسي متمركز هناك أن يرصد ويتتبع الطائرات الشبحية العاملة حاليًا داخل أو بالقرب من الدولة المستضيفة له؛ مما يثير المخاوف نفسها التي أدت إلى استبعاد تركيا من برنامج F-35. وعليه، يُرجح أن تشغيل S-400 في أي دولة خليجية سيظل مرهونًا بقيود تشغيلية تفرضها الولايات المتحدة، مثل تحديد مناطق نشرها، وعزلها عن شبكات الدفاع الجوي والقيادة والسيطرة التي تديرها واشنطن في المنطقة، بما يحد من أي تأثير محتمل على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية.
وفي حال حصول الإمارات على المنظومة، فإن امتلاك بطاريتي S-400 ونحو 120 صاروخًا اعتراضيًا سيضيف طبقة جديدة للدفاع الجوي بعيد المدى؛ إذ تستطيع المنظومة اعتراض الطائرات وصواريخ كروز وبعض الصواريخ البالستية على مدى يصل إلى 250 كيلومترًا باستخدام صاروخ 48N6E3، وإلى 400 كيلومتر باستخدام صاروخ 40N6، وستتكامل هذه القدرات مع منظومات الدفاع التي تشغلها الإمارات حاليًا، وفي مقدمتها منظومات الدفاع الصاروخي البالستي الأمريكية “ثاد”، ومنظومات الدفاع الجوي متعددة المهام “باتريوت باك-3″، ومنظومة الدفاع الجوي الكورية الجنوبية “تشيونغونغ-2” من طراز “كيه إم-سام”، إضافة إلى حوالي 50 نظامًا من طراز “بانتسير-إس1” الروسي المخصصة للدفاع ضد الطائرات المسيرة والأهداف منخفضة الطيران.
غير أن المنظومة الروسية قد لا توفر حماية كاملة من الضربات الإيرانية كونها غير مخصصة للتصدي للمسيرات، وقد أثبتت عدم فاعليتها في مواجهة المسيرات الأوكرانية خلال الحرب مع روسيا، كما أن تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد لمنظومة S-400 تتراوح بين مليون و2 مليون دولار وهو ما يتجاوز كثيرًا تكلفة المسيرة الإيرانية التي تتراوح بين 20 ألفًا و50 ألف دولار فقط للواحدة، ومن ثم فإن ارتفاع تكلفة الاعتراض تجعل استخدام هذا الطراز غير مُجدٍ. كذلك، فإن انخفاض قدرة روسيا في الوقت الحالي على توفير قطع الغيار والصيانة نتيجة متطلبات الحرب الأوكرانية والقيود المفروضة على استيراد بعض المكونات التكنولوجية والتي أبطأت عملية الإنتاج، وهو ما ظهر في تأجيل تسليم الهند بطاريتين إضافيتين من S-400 كان من المفترض تسليمهما بالكامل بحلول أواخر عام 2023 ومطلع 2024 عدة مرات، ستجعل تعويض الفاقد من الصواريخ حال استخدامها عملية بطيئة.
علاوة على أن امتلاك منظومة دفاع جوي متقدمة ليس كافيًا في حد ذاته لدعم قدرات التصدي للتهديدات وإنما يتعلق الأمر بتشغيلها بشكل متكامل ضمن شبكة قيادة وسيطرة واحدة، وهو أمر قد لا يتحقق في الحالة الإماراتية تحديدًا، والخليجية عمومًا، في ظل اشتراطات تشغيلية أمريكية محتملة لضمان عدم تهديدها للتكنولوجيا الأمريكية العاملة في المنطقة. كذلك، ربما يفرض حصول الإمارات أو غيرها من الدول الخليجية على منظومة S-400 قيودًا على شرائها مستقبلًا بعض المنظومات الأمريكية، بما فيها مقاتلات F-35 التي سعت إلى اقتنائها سابقًا قبل إلغاء الإمارات للصفقة عام 2020 على خلفية مطالبات أمريكية عديدة بتقديم تنازلات بشأن التقنيات المدمجة في المقاتلة.
إعادة تشكيل التوازنات العسكرية الإقليمية
من شأن السماح لتركيا بشراء مقاتلات F-35 وتحقيق انفراجة على صعيد إنتاج المقاتلات المحلية “قآن” بعد الحصول على محركات F-110، ونقل نظام الدفاع الروسي S-400 لدولة خليجية، التأثير على ميزان القوة العسكرية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، وهو ما يُمكن توضحيه كالتالي:
• تقليص الفجوة في القدرات الجوية بين تركيا وإسرائيل: تُثير التطورات الدفاعية بين الولايات المتحدة وتركيا قلقًا بالغًا في إسرائيل، لما قد يترتب عليها من تأثير في مبدأ “التفوق العسكري النوعي” الذي تلتزم الولايات المتحدة بضمانه لإسرائيل بموجب قانون “مراقبة تصدير الأسلحة” الصادر عام 2008، غير أنه لا يُطبق على تركيا نظرًا لعضويتها في الناتو. وحتى الآن، تُعد إسرائيل الدولة الشرق أوسطية الوحيدة المشغلة لمقاتلات F-35؛ إذ تمتلك 48 مقاتلة من طراز F-35I Adir، وهي نسخة صُممت خصيصًا لها وتتمتع بحق تعديلها ودمج تقنيات ومنظومات محلية فيها، مع ارتفاع هذا العدد إلى 75 مقاتلة بعد استكمال الطلبيات المتبقية. وفي المقابل، فإن النسخة المطروحة للتصدير إلى دول المنطقة، بما في ذلك تركيا والسعودية، هي F-35A، وهي نسخة أقل تطورًا من F-35I ولا تتمتع بخصائصها التقنية نفسها. ومع ذلك، فإن امتلاك تركيا لهذا النوع من المقاتلات من شأنه تقليص الفجوة في قدرات القوات الجوية بين الجانبين، بما يهدد معادلة التفوق العسكري النوعي لإسرائيل التي تسعى إلى الحفاظ عليها في الشرق الأوسط.
كما تستشعر الإسرائيل القلق من إمكانية انخراط تركيا في سوق تصنيع المقاتلات الشبحية من الجيل الخامس، من خلال دخول المقاتلة المحلية قآن (KAAN) مرحلة الإنتاج التسلسلي، إذا ما حصلت على محركات الطائرات النفاثة من طراز جنرال إلكتريك F110؛ حيث أبلغت وزارة الخارجية الأمريكية الكونجرس في 24 يونيو 2026 باستعدادها لمنح ترخيص تصدير هذه المحركات لأنقرة، وقد انقضت المهلة القانونية المحددة بـ 15 يومًا والمخصصة لتصويت الكونجرس بأغلبية غرفتيه على قرار رسمي برفض الإخطار في 9 يوليو 2026؛ مما يعني إمكانية تحرك وزارة الخارجية في إصدار تراخيص التصدير، ورغم عدم الإعلان رسميًا عن إتمام الصفقة فإنها باتت قابلة للتنفيذ. وترى إسرائيل أن خطوة كهذه تقلص فجوة القدرات الجوية بين الجانبين، كونها تتيح لتركيا امتلاك مقاتلة برمجياتها وأنظمتها القتالية مطورة محليًا؛ مما يعني أن تشغيلها وتحديثها لن يظل مرتبطًا بالولايات المتحدة أو خاضعًا لسيطرتها التقنية، وفي الوقت نفسه، فإن عضوية تركيا في الناتو ستتيح دمج المقاتلة في شبكات القيادة والسيطرة وتبادل البيانات العسكرية الخاصة بالحلف دون الخضوع لقيود تشغيلية أمريكية.
• حرمان اليونان من تحقيق تفوق جوي في شرق المتوسط: من شأن رفع القيود الأمريكية على حصول تركيا على مقاتلات F-35 أن يحد من فرص تحقيق اليونان تفوقًا جويًا واضحًا في شرق المتوسط، خاصة في ظل استعداد أثينا لتسلّم الدفعة الأولى من صفقة شراء 20 مقاتلة F-35A بدءًا من عام 2028، ضمن اتفاق أبرم مع الولايات المتحدة عام 2024 بقيمة 3.5 مليار دولار، مع خيار لشراء 20 مقاتلة إضافية؛ إذ قد تحصل تركيا على دفعة أولى تشمل 6 مقاتلات كانت قد أُنتجت بالفعل لصالحها قبل استبعادها من برنامج F-35 عام 2019، وذلك ضمن خطة تركية سابقة لاقتناء 40 مقاتلة، بما يسهم في تقليص الفجوة الجوية بين الجانبين ويحد من فرص احتكار اليونان لقدرات الجيل الخامس في شرق المتوسط، كما يتيح أداة لموازنة التحركات العسكرية الثلاثية بين إسرائيل واليونان وقبرص لبناء بنية أمنية وعسكرية مشتركة تقييد حرية حركة أنقرة في شرق المتوسط.
• إثارة حساسيات سياسية بين إيران وروسيا: قد يثير نقل منظومة S-400 إلى إحدى دول الخليج في التوقيت الحالي حساسية لدى طهران، التي تُشغل منظومة S-300 وتسعى منذ سنوات للحصول على S-400 لسد الثغرات التي كشفتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة ضد دفاعاتها الجوية، وقد تنظر إيران إلى هذه الخطوة باعتبارها مؤشرًا على تقديم موسكو دعمًا سياسيًا وعسكريًا للدول الخليجية، رغم كونها أحد شركائها الاستراتيجيين، وهو ما قد يدفعها لمطالبة موسكو بالإسراع في إبرام صفقة للحصول على S-400. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يُحدث انتشار المنظومة في أي من دول الخليج تحولًا جوهريًا في مواجهة التهديدات الإيرانية؛ نظرًا لاعتماد طهران بصورة رئيسية على الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة، وصواريخ كروز المحلقة على ارتفاعات منخفضة، وهي تهديدات لا تُعد S-400 الخيار الأمثل للتعامل معها؛ إذ صُممت أساسًا لاعتراض الطائرات الشبحية والأهداف الجوية بعيدة المدى، بما يقلل من جدواها التشغيلية والاقتصادية في مواجهة النمط الحالي للقدرات الإيرانية.
ختامًا، يبدو أن القرار السياسي المتعلق بنقل منظومة S-400 خارج تركيا واختيار منطقة الخليج وجهة بديلة قد حسم بدرجة كبيرة، بينما تبقى التفصيلات الفنية المتعلقة بآليات تشغيل المنظومة، وحدود دمجها داخل شبكات الدفاع الجوي الخليجية، والقيود التشغيلية الأمريكية المرتبطة بمناطق نشرها واستخدامها، واشتراطات روسيا الهادفة لحماية تقنيات المنظومة، محل تفاوض بين الأطراف المعنية، وسيؤدي حسمها إلى توقيع عقد ثلاثي بين تركيا وروسيا والدولة الخليجية الذي ستنتقل إليها المنظومة، بما يزيل إحدى أبرز نقاط الخلاف في العلاقات التركية الأمريكية منذ عام 2019، لكنه سيظل يتطلب تحركًا سياسيًا تركيًا مع الإدارة الأمريكية لتجنب أي اعتراضات أو عراقيل قد يثيرها الكونجرس بشأن المضي قدمًا في صفقة مقاتلات F-35.