وحدة الدراسات الأمريكية

حدود التأثير: التيار التقدمي والسياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية

ساعدت التطورات الأخيرة جراء التصعيد المتنامي بين الإسرائيليين والفلسطينيين على إبراز الصدع الذي تشهده الساحة السياسية الأمريكية، والذي يرجع في جزء منه إلى الدور المتزايد للتيار التقدمي. إذ يحمل التيار التقدمي نبرة مغايرة عن نبرة واشنطن المعتادة في دعمها لإسرائيل، ما مثّل –وفق بعض التحليلات– عنصرًا للضغط على موقف الإدارة الأمريكية وتحركاتها تجاه التصعيد العدواني الإسرائيلي الذي جرى مؤخرًا. الأمر الذي يُثير تساؤلات بشأن حدود تأثير هذا التيار على إعادة توجيه السياسة الأمريكية تجاه القضية الفسلطينية. التيار التقدمي.. تزايد الزخم والتأثير بلورت البيئة التي أحاطت بالانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة بعض التوجهات اليسارية بين بعض رموز الحزب الديمقراطي ومؤيديه، فيما عرف…

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

ساعدت التطورات الأخيرة جراء التصعيد المتنامي بين الإسرائيليين والفلسطينيين على إبراز الصدع الذي تشهده الساحة السياسية الأمريكية، والذي يرجع في جزء منه إلى الدور المتزايد للتيار التقدمي. إذ يحمل التيار التقدمي نبرة مغايرة عن نبرة واشنطن المعتادة في دعمها لإسرائيل، ما مثّل –وفق بعض التحليلات– عنصرًا للضغط على موقف الإدارة الأمريكية وتحركاتها تجاه التصعيد العدواني الإسرائيلي الذي جرى مؤخرًا. الأمر الذي يُثير تساؤلات بشأن حدود تأثير هذا التيار على إعادة توجيه السياسة الأمريكية تجاه القضية الفسلطينية.

التيار التقدمي.. تزايد الزخم والتأثير

بلورت البيئة التي أحاطت بالانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة بعض التوجهات اليسارية بين بعض رموز الحزب الديمقراطي ومؤيديه، فيما عرف بالجناح التقدمي. يحمل الجناح التقدمي أجندة داخلية طموحة تضم عددًا من الملفات مثل: العدالة الضريبية، والرعاية الصحية الشاملة والمجانية، ودعم الفرص المتساوية للتعليم، والاهتمام بقضايا المناخ. 

أثناء الانتخابات التمهيدية، قرر المرشح التقدمي “بيرني ساندرز” رغم انسحابه خوض ما تبقى من محطات في الانتخابات التمهيدية مستهدفًا الوصول لأكبر شريحة ممكنة، بطريقة تسمح له بالتأثير على برنامج الحزب في مؤتمر الحزب الخاص بتعيين مرشحه رسميًا. وبالرغم من خروج “ساندرز” من المشهد الانتخابي كمرشح، إلا أنه تعهد بالعمل إلى جانب المرشح صاحب الحظ الأوفر آنذاك “جو بايدن”.

ومع اتجاه “ساندرز” للخروج رسميًا من حلبة المنافسة، اتجه “بايدن ” إلى تبني بعض رؤى الجناح التقدمي أملًا منه في الحصول على دعم القاعدة التقدمية. وفي هذا السياق، أعلن “بايدن” عن دعمه للعديد من نقاط المنصة التقدمية، بما في ذلك خطة “وارن” لتسهيل تقديم طلب الإفلاس، فضلًا عن تبني دعم إضافي لإعفاء ديون الطلاب وخفض متطلبات الرعاية الطبية.

وطوال مدة السباق الرئاسي، بدا ظاهريًا أن التباين الواضح بين الجناح التقدمي والتيار الوسطي أو المعتدل بالحزب الديمقراطي يكمن بشكل أساسي في ملفات السياسة الداخلية، إلا أن هامش التباين المتعلق بالسياسة الخارجية اتجه للظهور في نطاق ضيق، إذ دار نقاش بين “ساندرز” و”بايدن” في الانتخابات التمهيدية بولاية “أيوا” خلال شهر يناير 2020 حول سياسة واشنطن ودورها في الشرق الأوسط.

لدى التيار التقدمي حاليًا تجمع Caucus بالكونجرس يطلق عليه CPC، يضم حوالي 92 عضوًا تقدميًا ترأسهم “براميلا جيابال”، و91 عضوًا في مجلس النواب، وعضو واحد في مجلس الشيوخ (السيناتور “بيرني ساندرز”). ويمكن القول بشكل عام، إن التيار التقدمي استطاع الحصول على نفوذ متزايد داخل الكونجرس، لا سيما خلال انتخابات 2018 و2020. وفي محاولة للعب دور أكثر تأثيرًا، اعتمد التجمع التقدمي في الكونجرس خلال يناير الماضي قواعد جديدة تهدف إلى جعل الأعضاء يصوتون ككتلة.

أما عن السياسة الخارجية وفقًا لرؤية التيار التقدمي، فهي سياسة تقدمية تركز –إلى حد كبير– على تخفيض ميزانية الدفاع، وإنهاء التدخلات العسكرية، وإصلاح الاقتصاد العالمي، ومواجهة الاستبداد وشبكات الفساد في جميع أنحاء العالم. علاوة على ذلك، يمكن القول إن أفكار أقطاب التيار التقدمي في السياسة الخارجية تتسق بشكل ملحوظ مع تلك التي لدى تيار الوسط، فكلاهما يؤمن بسياسة خارجية مدفوعة بالقيم، عبر لعب واشنطن دورًا قياديًا عالميًا، مع الالتزام بالتحالفات، والتشديد على مكافحة الفساد والاستبداد. وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، فيمكن افتراض معارضة التيار التقدمي للتدخل العسكري في سوريا والعراق والرغبة في إنهاء الحرب في أفغانستان، ودعم الاتفاق النووي الإيراني، مع تبني موقف أكثر حزمًا تجاه السعودية وإنهاء الدعم الأمريكي للحرب في اليمن. 

أما عن إسرائيل، فيدعم التيار التقدمي بشكل عام حل الدولتين، ويرفض الإجراءات الأحادية بما فيها اتجاه إسرائيل لضم أجزاء من الضفة الغربية. كما ظهر تأثير الجناح التقدمي في أحد المؤتمرات التي جرت العام الماضي لمنظمة “إيباك”، إذ عبر مرشحون كبار في الحزب الديمقراطي عن عدم مشاركتهم في المؤتمر على غير المعتاد. وفي 30 يونيو الماضي، قامت مجموعة من النواب التقدميين بتوجيه رسالة إلى وزير الخارجية السابق “مايك بومبيو” مطالبين فيها بعدم الاعتراف بالأراضي الفلسطينية التي تنوي إسرائيل ضمها، ووضع مشروطية على المعونات الأمريكية لإسرائيل في حالة الضم.

واستنادًا إلى ذلك، حذرت صحيفة “يسرائيل هيوم” في نوفمبر 2020، من أن ما أسمته “النواة المعادية لإسرائيل” في الحزب الديمقراطي قد تدفع “بايدن” إلى الانقلاب على سياسات الرئيس “ترامب” تجاه المنطقة. ولفتت إلى أنه على الرغم من أن “بايدن” معروف بصداقته لإسرائيل، إلا أنه قد يضطر للتراجع عن الكثير من السياسات المريحة للحكومة اليمينية الإسرائيلية.

الدفع في اتجاه جديد

على الرغم من أن حالة الاستقطاب في الداخل الأمريكي كانت قد اتسعت بسبب التداعيات السلبية لجائحة كورونا وحادثة مقتل “جورج فلويد”، إلا أن حالة الاستقطاب الجديدة التي تزامنت مع وصول الرئيس “بايدن” لسدة الحكم بدت مركبة، ويرجع السبب في ذلك لتراجع دور المعتدلين في المعسكرين (الديمقراطي والجمهوري) لصالح الأقل اعتدالًا، حيث يتصدر التقدميون المعسكر الديمقراطي، بينما يتصدر المحافظون المعسكر الجمهوري.

ونظرًا للدور الذي لعبه التقدميون في فوز “بايدن”، اتجه “بايدن” إلى تعزيز دورهم على الساحة السياسية. وبشكل عام، يمكن القول إن الجناح التقدمي بات أعلى صوتًا بشكل متزايد في انتقاد ما يرى أنه عدم تناسق صارخ في تطبيق القيم في السياسة الخارجية. وسيصبح هذا الأمر عنصر ضغط إضافيًا سيما في أعقاب التقارير التي أصدرتها “هيومن رايتس ووتش” في أبريل الماضي، والتي شنت خلالها جملة من الاتهامات ضد إسرائيل تتعلق باتباعها سياستي الاضطهاد والفصل العنصري ضد الفلسطينيين.

في 20 مارس الماضي، أرسل 12 عضوًا من مجلس النواب الأمريكي رسالة إلى وزير الخارجية “أنتوني بلينكن” طالبوا فيها الإدارة الجديدة بالالتزام بسياسة خارجية “تدعم حقوق الإنسان والكرامة للشعب الفلسطيني”. وصاغ الرسالة كل من العضوة الفلسطينية الأصل “رشيدة طليب” (ولاية ميشيجان)، والنائب “مارك بوكان” (ولاية ويسكونسن)، ووقع عليها النائب “جيم ماكجفرن” (ولاية ماساتشوستس)، والنائب “هانك جونسون” (ولاية جورجيا)، والنائب “أندريه كارسون” (ولاية إنديانا)، والعضوة الصومالية الأصل “إلهان عمر” (ولاية مينيسوتا)، والنائبة “ألكساندريا أوكاسيو – كورتيز” (ولاية نيويورك)، والنائبة “شيلي بينجري” (ولاية مين)، والنائبة “ماري نيومان” (ولاية إلينويز)، والنائبة “آيانا بريسلي” (ولاية ماساتشوستس)، والنائبة “بيتي ماكولوم” (ولاية مينيسوتا)، والنائب “رائول جريجالفا” (ولاية أريزونا).

كما قدمت النائبة “بيتي ماكولوم” مشروع قانون في 15 أبريل الماضي -برعاية مشتركة من قبل سبعة عشر ممثلًا- لضمان عدم استخدام التمويل الأمريكي لإساءة معاملة إسرائيل للأطفال الفلسطينيين في نظامها القضائي العسكري، والتهجير القسري للفلسطينيين من خلال هدم المنازل والإخلاء، والضم غير القانوني للأراضي الفلسطينية. 

وفي هذا السياق، يتضح أنه في حين تتعامل إدارة “بايدن” مع التطورات المتأزمة للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي باعتبارها تحديًا دبلوماسيًا، فإن الجناح التقدمي ينظر إليها على أنها قضية عدالة عرقية مؤلمة ومتشابكة بشدة مع سياسات الولايات المتحدة. بالنسبة لهذا التيار وبعض النشطاء المنتمين له، هناك تشابه بين الحقوق الفلسطينية والصراع المستمر منذ عقود في الشرق الأوسط من جانب، ووحشية الشرطة وظروف المهاجرين على الحدود من جانب آخر. إذ ينشر بعض النشطاء الذين يناضلون من أجل العدالة العرقية الآن رسائل دعم للقضية الفلسطينية باستخدام هاشتاج #PalestinianLivesMatter.

ورفضًا للسلوك العدواني الإسرائيلي، دعا “ساندرز” واشنطن إلى “إدانة عنف المتطرفين الإسرائيليين المتحالفين مع الحكومة”. كما انتقدت شخصيات ديمقراطية بارزة في الكونجرس سياسات “بايدن”، حيال التطورات الأخيرة. ووصفت بعض التحليلات الأمر بظهور هوة خلاف جديدة بخصوص القضية الفلسطينية، بين البيت الأبيض والكونجرس خلال جلسة لمجلس النواب التي عقدت في 13 مايو الجاري. إذ اعتبرت النائبة “رشيدة طليب” أن هناك تجاهلًا واضحًا للفلسطينيين في تصريحات وزيري الخارجية والدفاع، وقادة الحزب الديمقراطي. وأضافت أن “رسالة الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، ستجعل “نتنياهو” يواصل جعل السلام مستحيلًا، وسيتمادى في هدم المنازل وتوسيع سياسات الاستيطان”.

ومن جانبها، اعتبرت النائبة “إلهان عمر” أن “الغارات الجوية الإسرائيلية التي تقتل المدنيين في قطاع غزة هي عمل إرهابي”. كما طالبت النائبة الديمقراطية “ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز” الإدارة الأمريكية بـ”اتخاذ موقف مسئول” حيال ما يجري، مؤكدة أن واشنطن تتحمل المسئولية عن تلك الأحداث، مستنكرة تأكيد إدارة “بايدن” على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها دون الحديث عن حق الفلسطينيين في البقاء.

وفي السياق ذاته، قالت العضوة “آيانا بريسلي” إنها معتادة على أعمال العنف بالولايات المتحدة لأنها من أصحاب البشرة السوداء”، مضيفة: “لقد اعتُبرنا مذنبين بسبب مظهرنا، يُقال للفلسطينيين نفس الشيء مثل السود في الولايات المتحدة. لذلك لا بد من غضبة متساوية ضد عنف الدولة بإسرائيل وأمريكا”. أما العضوة الديمقراطية “كوري بوش” فقد أعلنت عن رفضها استخدام أموال أمريكا في دعم احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية.

وعلى الجانب الآخر، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” قيام ما يقرب من 150 منظمة ليبرالية بارزة بإصدار بيان مشترك دعا إلى “التضامن مع السكان الفلسطينيين” وإدانة “عنف الدولة الإسرائيلية”. موضحة أن التوقيع على البيان قد تم ليس فقط من قبل مجموعات تركز على قضايا الشرق الأوسط، ولكن من قبل مجموعات متخصصة في قضايا مثل تغير المناخ والهجرة والنسوية والعدالة العرقية، الأمر الذي اعتبرته دليلًا على أن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني قد انتقل إلى ما هو أبعد من السياسة الخارجية بالنسبة للتيارات الليبرالية.

وارتباطًا بذلك، قال “بن رودس”، النائب السابق لمستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس “باراك أوباما”، إنها “حقيقة أنه لم يكن هناك مثل هذا النوع من الضغط علنيًّا من اليسار بشأن القضايا المتعلقة بإسرائيل خلال سنوات أوباما”، مضيفًا: “هناك الآن نطاق أوسع بكثير من الآراء في الحزب”، معتبرًا أنه “سيكون من الصعب التمسك بالخط القديم المتمثل في الدعم غير المشكوك فيه كأساس لسياسات الحكومة الإسرائيلية”.

حدود التأثير

تعتبر بعض التحليلات أن التباينات بين الجناح التقدمي والجناح الوسطي أو المعتدل تتسع في السياسة الداخلية وتضيق في السياسة الخارجية، لذا اعتبرت أنه باستطاعة أي رئيس ديمقراطي استيعاب التيارين بسهولة دون صدام. فقد يستوعب الرئيس الوسطي الأصوات التقدمية من خلال تبني بعض أولوياتهم، كمكافحة الفساد وقضايا المناخ. وبالمثل يمكن للرئيس التقدمي أن يتخذ نهجًا براجماتيًا لاستخدام القوة ضد الإرهابيين.

ولكن بالنظر إلى التطورات الأخيرة يتضح أن تصدر التيار التقدمي أو اتساع الاتجاهات الليبرالية الديمقراطية أضاف متغيرًا جديدًا للمعادلة، وفرض ضغوطًا إضافية على الإدارة الأمريكية في استجابتها لبعض المتغيرات الجديدة. إلا أنه يمكن القول بشكل عام، إنه من غير المرجح أن يغير اليسار السياسة الخارجية التقليدية للديمقراطية حول إسرائيل، لكنه سيواصل الضغط على “بايدن”، ويمكن في هذا السياق توضيح عدد من الأمور:

  •  ترى بعض التحليلات أنه ليس من الضروري أن يقوم التيار التقدمي بفرض ضغوط كبيرة على الإدارة الأمريكية بشأن القضية الفلسطينية، لأن “بايدن” دافع عن قضاياهم الرئيسية في مجالات مثل الاقتصاد والمناخ. ولكن حتى وإن صح هذا الافتراض، ستظل مسألة تطبيق المعايير العالمية لحقوق الإنسان والقانون الدولي على الفلسطينيين، مسألة ذات اهتمام كبير بالنسبة لهذا التيار. وهو ما اتضح في دعوة الإدارة إلى استخدام المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل كوسيلة لتحقيق تلك الغاية.
  • على الرغم من استناد التيار التقدمي إلى القيم، إلا أن أقطابه تبنوا في بعض الأحيان مواقف براجماتية. فقد عارض “ساندرز” حرب الخليج وحرب العراق، بالإضافة إلى العديد من التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، ومع ذلك فقد صوت لصالح قانون تحرير العراق لعام 1998 ووصف “صدام حسين” بأنه “ديكتاتور وحشي يجب الإطاحة به”. كما صوت أيضًا لصالح تفويض لاستخدام القوة العسكرية عام 2001، ولم يعارض التدخل في ليبيا في مراحله الأولى عام 2011.
  •  التحركات الأخيرة من الجناح التقدمي سواء بعقد اجتماعات أو بالضغط على الإدارة الأمريكية لتبني موقف أكثر صرامة مع إسرائيل، تواجه بحملات مناهضة، إذ قام كل من الحزب الجمهوري و”إيباك” برد فعل سريع تجاه التحركات التي يُجريها التيار التقدمي، إذ حذرا من أي تراجع في الالتزام الأمريكي بدعم إسرائيل. ووفقًا لما نشرته “نيويورك تايمز”، فقد عمل “إيباك” خلف الكواليس لمنع النواب من التوقيع على العريضة ذات الموقف المعارض لإسرائيل والداعم للموقف الفلسطيني.
  • وارتباطًا بذلك، ففي أعقاب قيام النائبة “بيتي ماكولوم” بتقديم مشروع قانون في 15 أبريل الماضي -برعاية مشتركة من قبل سبعة عشر ممثلًا- لضمان عدم إسادة استخدام التمويل الأمريكي لإسرائيل، قدم عضو الكونجرس “تيد دويتش” رسالة في 22 أبريل الماضي، وقعها أكثر من 300 ممثل، يجادل فيها ضد “تقليص التمويل أو إضافة شروط على المساعدة الأمنية”. 
  • وفي السياق ذاته، يبرز نموذج آخر يبلور حالة الاحتدام، فقد واجهت رئيسة الحزب الديمقراطي لولاية نيفادا في أعقاب إصدارها بيانًا أوضحت فيه أن واشنطن “تغاضت لفترة طويلة عن الظلم والعنف الذي ترتكبه الحكومة الإسرائيلية، التي يسيطر عليها اليمين المتطرف”، حملة انتقادات حادة من العديد من أعضاء وفد الكونجرس في ولاية نيفادا، كما استقال أمين صندوق الولاية من منصبه رفضًا للبيان، واتهمت مجموعة يهودية رئيسة الحزب باستخدام لغة “تحريضية” و”منحازة”.
  • وعلى الجانب الآخر، يتضح أن الساحة الأمريكية تعاني من حالة استقطاب كبيرة كنتيجة لتراجع دور المعتدلين في المعسكرين (الديمقراطي والجمهوري) لصالح الأقل اعتدالًا، حيث يتصدر التقدميون المعسكر الديمقراطي، بينما يتصدر المحافظون المعسكر الجمهوري. وعليه، تدرك الإدارة الأمريكية ضرورة احتواء المعسكر الآخر عبر تبني مواقف أكثر اعتدالًا وأقل ثورية لسببين: يرتبط الأول بمواجهة التكتلات التي يبنيها “ترامب” –وبالأخص التي تضم الإنجيليين الأصوليين- لإعادة نفسه في المشهد من جديد، ويتصل الثاني بضمان استمرار الأغلبية الديمقراطية بالكونجرس خلال انتخابات التجديد النصفي العام المقبل.
  • وعلى هذا النحو، لم تستجب إدارة “بايدن” للنداء الذي قدمه التقدميون بشأن تعزيز القيم في سياستها تجاه إسرائيل وعملية صنع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل –على النقيض- وافقت على بيع أسلحة دقيقة التوجيه بقيمة 735 مليون دولار إلى إسرائيل. كما لفت موقع NPR إلى إجابة “بايدن” عن سؤال حول الضغط الناشئ من اليسار لاتخاذ نهج أكثر تصادمًا مع إسرائيل: “ليس هناك تحول في التزامي، الالتزام بأمن إسرائيل”.

مجمل القول، يتضح أن التيار التقدمي لا يزال في طريقه لاكتساب مزيد من الزخم والنفوذ على الساحة الأمريكية، الأمر الذي سيساهم في اتساع حالة الاستقطاب الموجودة بالفعل، والتي سيعمقها في المقابل اتجاه “ترامب” إلى حفز المحافظين سياسيًا ودينيًا، وسعيه المستمر لتلميع صورته. وعليه، يتضح أن حدود تأثير التيار التقدمي ستتأثر بعوامل مناهضة ستجهض بعض تحركاته حينًا أو تفرض عليه التكيف وفق صيغة أكثر مرونة حينًا أخرى. 

وارتباطًا بذلك، يبدو أن التغيير في سياسة واشنطن تجاه القضية الفلسطينية سيتم في حدود ضيقة. ويمكن الاستناد في هذا الأمر إلى الإطار الذي وضعته الإدارة الأمريكية في تعاملها مع القضية الفسلطينية، إذ عبرت عن رغبتها في إعادة فتح القنصلية الأمريكية في مدينة القدس الشرقية، وفتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية لدى واشنطن، واستئناف المساعدات للـ”أونروا”، لكنها لم تبدِ أية إشارة أو حتى مجرد نية لمراجعة قرارات مصيرية، وفي مقدمتها الاعتراف بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل، أو نقل السفارة الأمريكية.

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية