مدخل
لقد تميزت سيناء عبر تاريخها بوجود شبكة واسعة من المواقع الأثرية التي تمتد من شمالها إلى جنوبها، وتتنوع بين المواقع المصرية منذ عصر الأسرات، ومراكز الطرق التاريخية، ومناطق التعدين القديمة، والمواقع الساحلية، والمراكز ذات الأهمية الدينية والتاريخية.
وعندما احتلت إسرائيل سيناء خلال الفترة الممتدة من عام 1967 حتى عام 1982 مثل هذا الاحتلال خطرًا كبيرًا وانتهاكًا لكل المعايير العلمية والقانونية المنظمة للتعامل وإدارة التراث الأثري والثقافي، فلم تقتصر آثار الاحتلال الإسرائيلي لسيناء على السيطرة العسكرية والإدارية والسياسية بل امتدت إلى المواقع الأثرية والمناظر الثقافية المرتبطة بها. وتكشف دراسة هذه المرحلة عن صور متعددة من التأثير، تفاوتت بين الاستخدام العسكري المباشر للمواقع، وزرع الألغام في المناطق المحيطة بها، وإقامة الطرق العسكرية والمنشآت الدفاعية وإقامة التجمعات الاستيطانية والمنشآت السياحية، وغير ذلك من الأنشطة التي هددت الموقع الأثري؛ أدت إلى اضطراب السياق الأثري الموجود فيه الأثر، وغيرت من علاقته ببيئته الطبيعية والتاريخية.[1] وهذا التغيير أحدث خللًا هائلًا في التراث الأثري لسيناء لا يُقاس فقط بما وقع داخل الموقع الأثري ذاته[2].
ومن هذا المنظور تتناول الدراسة آثار سيناء في الفترة 1967–1982 باعتبارها جزءًا من المشهد الأثري الذي تعرض لإعادة تشكيل بفعل الاستخدام العسكري والاستيطاني والسياحي. ويقصد بالمشهد الأثري هنا المواقع والمنشآت والطرق والمساحات التاريخية المرتبطة بها، وما يحيط بها من عناصر طبيعية وبشرية. وبذلك تنتقل الدراسة من مجرد حصر المواقع الأثرية إلى بحث العلاقة بين هذه المواقع وبين التحولات التي طرأت على الأرض أثناء الاحتلال.
ولا تهدف هذه الدراسة إلى إعادة تناول أعمال التنقيب والحفائر الإسرائيلية في سيناء، إذ يختلف ذلك عن دراسة الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية أثناء فترة الاحتلال. ولذلك يتركز البحث هنا على طبيعة الضرر ومداه، واستخدام المواقع الأثرية لأغراض عسكرية، وتأثير الألغام، وأعمال الهدم والتسوية وشق الطرق، وتغير وظيفة المواقع وسياقها.
الطرق والمنشآت العسكرية الإسرائيلية وإعادة تشكيل المشهد الأثري
لم يراع الاحتلال الإسرائيلي لسيناء أي قواعد أو ضوابط أو قوانين وهو يتعامل مع التراث الأثري في سيناء، فعقيدته الاحتلالية كانت تتمحور حول استخدام كل إمكانيات الأرض المصرية للبقاء فيها واستغلالها لكل أهدافه التي من أجلها احتل سيناء لذا لم يتوانَ عن استخدام كل وما وقع تحت يده في أنشطته العسكرية، فتشير كافة التقارير أن الجيش الإسرائيلي أقام معسكرًا عسكريًا عام 1967 فوق تل البرج، والذي يقع شمال سيناء، إلى الشرق من قناة السويس بالقرب من القنطرة شرق،[3] مستفيدًا من ارتفاع الموقع عن المنطقة المنخفضة المحيطة به، وتوضح تقارير الحفائر اللاحقة أن الموقع تعرض لتدخلات عسكرية حديثة واسعة، فقد أدى النشاط العسكري خلال الستينيات والسبعينيات إلى تغيير شكل التل وارتفاعه؛ إذ جرى دفع أجزاء من أطراف الموقع إلى الداخل بهدف إنشاء ارتفاع يوفر ميزة دفاعية، وهو ما أدى إلى كشف وتدمير أجزاء من أطراف التل الأثري. كما أُنشئت منشآت دفاعية حديثة داخل الموقع.[4]
بجانب موقع تل البرج، تعرض موقع تل حبوة في شمال سيناء، على الضفة الشرقية لقناة السويس، بالقرب من مدينة القنطرة شرق، لممارسات عسكرية إسرائيلية ضارة بالآثار المصرية في سيناء، وقد اكتسب الموقع أهمية كبيرة بالنسبة لإسرائيل بسبب موقعه القريب من قناة السويس ومنطقة المواجهة العسكرية، ويذكر عالم الآثار James K. Hoffmeier بصورة مباشرة “تل حبوة” الذي استُخدم معسكرًا عسكريًا خلال الاحتلال الإسرائيلي لسيناء من عام 1967 إلى عام 1979، يربط Hoffmeier بين هذا الاستخدام العسكري وبين عدم إمكانية وصول الباحثين الأثريين إلى الموقع خلال فترة الاحتلال وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة لأنها لا تتحدث عن وجود عسكري في منطقة تل حبوة فقط، بل تحدد تل حبوة نفسه باعتباره موقعًا عسكريًا خلال فترة الاحتلال، كما توضح الدراسة أن المسح الذي أجراه عالم الآثار الإسرائيلي Eliezer Oren في شمال سيناء خلال الفترة 1972–1982 لم يشمل تل حبوة، ويربط Hoffmeier ذلك باستخدام الموقع معسكرًا عسكريًا وعدم إتاحته للمسح الأثري، وبذلك أصبح النشاط العسكري أحد العوامل التي أثرت في إمكانية دراسة الموقع أثريًا خلال سنوات الاحتلال.[5]
شملت المنشآت العسكرية الإسرائيلية في سيناء خطوطًا دفاعية ومواقع تحصين ومناطق عسكرية مرتبطة بها. وتوضح تقارير عسكرية معاصرة أن إسرائيل أنشأت بعد حرب أكتوبر 1973 خطًا دفاعيًا في منطقة سيناء الخاضعة لها، تضمن عناصر هندسية دفاعية مختلفة، وكان تصميمه مرتبطًا بالدروس المستفادة من الحرب. ويكشف ذلك عن استمرار تحول أجزاء من مواقع سيناء الأثرية إلى مجال عسكري حتى خلال مرحلة التفاوض وإعادة الانتشار، ويقول النص الذي ذكرته مصادر وزارة الدفاع الإسرائيلية ” وقد أُنشئ خط دفاعي مماثل، مع تعديلات تتناسب مع ظروف الصحراء، في منطقة القوات الإسرائيلية المحدودة في سيناء، في مواجهة المنطقة العازلة التي كانت تديرها وحدات تابعة للأمم المتحدة.”[6]
ولا شك أن الاحتلال العسكري الإسرائيلي لسيناء بين عامي 1967-1982 كان يعول كثيرا على شبكة واسعة من الطرق لتمكنه من سرعة الحركة في مواجهة أي محاولة مصرية لاسترداد سيناء وإخراجه منها، فقام بإنشاء شبكة من الطرق وأدخل مسارات حديثة في بيئة كانت تحتوي في الأصل على طرق وممرات تاريخية أثرية موجودة منذ عصور سحقية؛ مما أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة منها كل ذلك ليسمح بحركة قواته ومعداته بين مناطق مختلفة من شبه الجزيرة، وقد ارتبطت هذه الطرق مباشرة بالتحصينات والمواقع الدفاعية المقام كثير منها في مناطق أثرية.
وتكشف المواقع الأثرية في شمال سيناء بصورة خاصة عن تداخل التاريخ القديم مع الاستخدامات الحديثة التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي للأرض، فقد كانت المنطقة منذ العصور المصرية القديمة جزءًا من طرق الحركة بين وادي النيل وبلاد الشام، واحتوت على مواقع ومنشآت ارتبطت بالطرق والمراكز العسكرية والاقتصادية. ولذلك فإن ما قام به الاحتلال بإعادة تنظيم المنطقة وأعادة استخدام بعض المحاور التاريخية داخل سياق عسكري وعمراني مختلف، انتهاك كبير في حق آثار سيناء ويقدم موقع تل الحير شمال غرب سيناء بالقرب من قرية جلبانة [7] مثالًا مهمًا على هذا النوع من المشهد؛ وكيف أساء الاحتلال الإسرائيلي التعامل معه.
لقد كانت الطرق القديمة الأثرية عبارة عن محاور ممتدة بين شرق الدلتا وشمال شبه الجزيرة وجزء من شبكة حركة قديمة تعود إلى عصور مختلفة. ولذلك فإن إنشاء الاحتلال الإسرائيلي طرق حديثة في المناطق ذات الكثافة الأثرية كان يعني إعادة تنظيم المجال حول خطوط حركة جديدة، مع ما يترتب على ذلك من تغير في إمكانية الوصول إلى المواقع الأثرية وفي علاقتها بالقرى والمراكز السكانية.
لقد قامت إسرائيل كذلك بشق عديد من الطرق ودمرت وأزالت بعض المواقع التي تتعارض مع مشروعاتها المواقع ومن أهم الأمثلة على ذلك موقع تل الكدوة بالقرب من سهل الطينة (Tell el-Kedwa) شمال سيناء والذي يرتبط بشبكة المواقع والمنشآت القديمة على الطريق التاريخي بين مصر وبلاد الشام. وقد أدرجته الدراسات الأثرية ضمن المواقع التي كانت مهددة بمشروعات قنوات الري والصرف، فقد قامت إسرائيل بتغيير هوية الموقع تمامًا من خلال أعمال الطرق والصرف الصحي.[8] الموقع الأثري EAMENA-0152919 – جنوب سيناء[9] والذي أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود أعمال شق طرق واستخدام للجرافات في محيطه. وتعرض الدراسة الموقع باعتباره مثالًا واضحًا على تأثير البنية الأساسية وأعمال التسوية في مواقع التراث.[10] كما قامت إسرائيل بتدمير بعض من بساتين وادي فيران ومنطقة جبل سيناء والتي أحد أهم مصادر الحياة للرهبان منذ العصر الروماني المتأخر.[11]
وتوضح وثائق المرحلة أن أعمال إنشاء الطرق والتحصينات استمرت خلال السنوات التالية لحرب أكتوبر 1973، ففي وثيقة دبلوماسية سرية منقولة من السفارة الأمريكية بالقاهرة إلي وزارة الخارجية الأمريكية مؤرخة في ديسمبر 1974 تشير إلى تقارير تؤكد عزم إسرائيل إنشاء طرق عسكرية في مناطق من سيناء يبلغ مجموعها عدة مئات من الكيلومترات، وربطت التقارير بين هذه الأعمال وبين اعتبارات استراتيجية وعسكرية. وأشارت الوثيقة إلى إنشاء طريق يصل منطقة رأس سدر بالمناطق الداخلية في إسرائيل، وإلى استمرار إنشاء التحصينات والطرق في سيناء.[12] وكان إنشاء هذا الطريق يعني تدمير مواقع أثرية ترتبط بالمحور الجغرافي ولاسيما نطاق وادي سدر جنوب غرب شبه جزيرة سيناء إلي الشرق من خليج السويس[13] ووادي غرندل جنوب غرب سيناء، على الساحل الغربي لخليج السويس[14] وأبو زنيمة جنوب رأس سدر على الساحل الغربي لخليج السويس[15] ومن ثم فإن إنشاء الطرق العسكرية خلال الاحتلال جاء داخل مجال غني بالمواقع التاريخية ومسارات الحركة القديمة.
وتوضح المصادر الخاصة بالمرحلة الانتقالية بعد حرب أكتوبر أن المفاوضات المصرية–الإسرائيلية تناولت بصورة مباشرة مصير الطرق والمنشآت التي أنشأتها إسرائيل في سيناء، وهو ما يعكس حجم البنية التحتية التي نشأت خلال سنوات الاحتلال[16].
كما أظهرت ترتيبات اتفاقية فض الاشتباك الثانية لعام 1975 كذلك أن الطرق أصبحت عنصرًا مهمًا في تنظيم الحركة بين مناطق وجود القوات المصرية ووجود القوات الإسرائيلية والمناطق العازلة بينهما. ونصت الترتيبات على تحديد قطاعات من الطرق للاستخدام المشترك، كما تضمنت أحكامًا خاصة بصيانة الطرق واستخدامها. وهذا يؤكد أن شبكة الطرق التي تشكلت خلال فترة الاحتلال أصبحت جزءًا من البنية المكانية التي تعاملت معها الاتفاقيات اللاحقة، ومن نص محضر الإجتماع (ثم انتقل كيسنجر إلى أم خشيب “Umm Khisheiba“، التي كانت جزءًا من طرق أثرية قديمة وبها بعض المواقع الأثرية واستخدمتها إسرائيل كقاعدة عسكرية، وكان اقتراح الرئيس السادات أن يحل الأمريكيون محل الإسرائيليين فيها. وأوضح المحضر أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في تولي أم خشيب – التي تقع في منطقة ممرات جدي بوسط سيناء – بنفسها بعد أن أجرت دراساتها وأدركت حجم المسئولية المرتبطة بالموقع.
لقد كان لهذه البنية العسكرية أثر مباشر في طبيعة المجال الذي توجد فيه المواقع الأثرية؛ فالطرق العسكرية لم تكن مجرد وسائل للنقل، بل أصبحت محاور جديدة للحركة عبر الصحراء، ومرتبطة بمناطق التحصينات والمواقع العسكرية، التي ارتبطت بالمواقع الأثرية ومحيطها الطبيعي، خصوصًا في المناطق التي كانت تعتمد تاريخيًا على مسارات صحراوية أو واحات أو طرق ساحلية، منذ العصور القديمة ومع إعادة استخدام بعض هذه المحاور خلال الاحتلال الإسرائيلي، واجهت الطبقات الأثرية التاريخية المختلفة للمشهد المكاني مخاطر كبيرة ولا شك أنه تم تدمير أجزاء كبيرة منها، بسبب أفعال الاحتلال الإسرائيلي الغاشم.[17]
زرع الاحتلال الإسرائيلي الألغام في البيئة الأثرية في سيناء
تمثل الألغام الأرضية أحد أهم السلوكيات الضارة بالآثار التي قامت بها إسرائيل أثناء احتلالها لسيناء وتؤكد الوثائق الدولية الخاصة بمشكلة الألغام في مصر التي ترجع إلى حروب التي جرت بين مصر وإسرائيل في أعوام 1956 و1967 و1973، وقد انعكس وجودها على التراث الأثري واستخدام الأرض وإعادة استغلال المناطق المتضررة.[18]
ويُعد تل الكدوة من الحالات التي ارتبطت بوجود حقل ألغام إسرائيلي في المنطقة المحيطة بالموقع؛ فقد عملت بعثة مصرية كندية في الموقع خلال موسمي 1995–1996 في ظروف وصفت بأنها شديدة الخطورة بسبب وجود حقل ألغام أقامته إسرائيل أثناء احتلالها لسيناء، وأحدثت هذه الألغام، وفق المصدر الذي تناول حالة الموقع، تدمير كبير بالموقع.[19]
وقد أدى استمرار وجود الألغام إلى تعقيد أعمال البحث الأثري بعد انتهاء الاحتلال؛ إذ أصبح الوصول إلى أجزاء من المواقع الأثرية والعمل فيها مرتبطًا بإجراءات السلامة وإزالة المخاطر الميدانية. ومن ثم مثلت الألغام أثرًا ممتدًا للاستخدام العسكري، تجاوز فترة الاحتلال نفسها إلى مرحلة استئناف العمل الأثري بعد الانسحاب.[20]
من أبرز النماذج الأخرى التي تكشف عن وضع الألغام وتأثيرها على مواقع الآثار موقع تل البرج Tell el-Borg وكان وجود ألغام في المناطق المحيطة بالتل أحد العوامل التي حدّت من إمكانية استكشاف الموقع أثريًا قبل بدء أعمال الحفائر المنظمة. ومن ثم يمثل تل البرج نموذجًا موثقًا لاجتماع ثلاثة عناصر في موقع أثري واحد: الأهمية العسكرية القديمة، والاستخدام العسكري الحديث أثناء الاحتلال الإسرائيلي، ووجود الألغام في البيئة المحيطة بالموقع، وهو من الانتهاكات الخطيرة التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي لسيناء.
لم تسلم منطقة سرابيط الخادم في جنوب سيناء من التعديات الإسرائيلية؛ حيث يشير الباحث Gavin McKay والذي خصص جزءًا من دراسته للاستفادة من تقنيات الاستشعار عن بعد في دراسة المناجم القديمة في سيناء، وأشار بصورة مباشرة إلى الظروف الميدانية التي واجهت الباحثين في منطقة سرابيط الخادم. ويذكر أن السير خارج المسارات المحددة في المنطقة المحيطة بالموقع يمكن أن يقود إلى أودية وسبخات تحتوي على ألغام زرعتها إسرائيل في المنطقة، ولذلك حذر من التحرك في المناطق الخارجية للمجمع الأثري دون خرائط مناسبة وأدلاء ذوي خبرة. وبالتالي فإن وجود الألغام في الأودية والسبخات المحيطة يعني أن جزءًا من المجال الأثري نفسه أصبح يحتاج إلى إجراءات أمان خاصة قبل إجراء المسح أو البحث الميداني. وهذا أمر مهم منهجيًا عند تقييم حالة الآثار في سيناء خلال فترة الاحتلال وما بعدها.[21]
لم تكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تدرك حرمة المواقع الأثرية فانتهكت كل محرماتها واستخدمتها في تحقيق أهدافها المتعددة وأهمها الاهداف العسكرية التي تمحورت حول تأمين المواقع العسكرية بكل ما هو ممكن ولو كان بزرع الألغام في المواقع الأثرية.
الاستيطان والسياحة الإسرائيلية وإعادة تشكيل المجال التاريخي والأثري
مثّل الاستيطان أحد أهم التحولات التي طرأت على المجال السيناوي خلال فترة الاحتلال. فقد بدأت إقامة التجمعات الإسرائيلية في سيناء خلال السنوات التي أعقبت عام 1967، ثم اتسعت بصورة أكبر خلال السبعينيات، وخصوصًا في شمال شرق سيناء، قبل إخلائها مع الانسحاب الإسرائيلي. وكانت مستعمرة ياميت أهم نموذج لهذا التحول العمراني؛ فقد أنشئت في شمال شرق سيناء على ساحل البحر المتوسط بين رفح والعريش، وبدأ تأسيسها خلال النصف الثاني من السبعينيات. وأصبحت مركزًا لإقليم استيطاني ضم عددًا من التجمعات الزراعية والسكنية الأخرى، ولذلك تجاوز تأثيرها حدود المدينة نفسها إلى المجال المحيط بها.[22]
ولم يقتصر إنشاء ياميت على إقامة تجمع سكاني، بل ارتبط بتخطيط عمراني متكامل شمل الطرق والبنية الأساسية والمرافق والخدمات العامة. وتؤكد الملفات الإدارية لوزارة البناء والإسكان الإسرائيلية المحفوظة في الأرشيف الإسرائيلي والمُرقمنة ضمن أرشيف جامعة نيويورك أن ملف «ياميت 1977–1978» يتناول صراحةً رصف الطرق وإنشاء البنية الأساسية، وتخطيط الطرق والبنية التحتية، وتخطيط المستوطنة وبناءها، كما يكشف ملف مستقل بعنوان «الطرق والأرصفة – الصيانة» عن استمرار الأعمال المتعلقة بالطرق والأرصفة في ياميت خلال الفترة 1978–1980. وبذلك تكشف الوثائق عن أن البنية الأساسية كانت جزءًا من عملية إنشاء المدينة وإدارتها اليومية، وليست مجرد أعمال خدمية لاحقة.[23]
وأدى هذا النمط العمراني إلى تغيير العلاقة بين المواقع التاريخية والمشهد السكاني المحيط بها. فالموقع الأثري الذي كان موجودًا ضمن فضاء صحراوي أو ساحلي واسع أصبح في بعض الحالات قريبًا من شبكة من الطرق والمباني والخدمات والمناطق الزراعية. وبذلك أصبح التراث الأثري جزءًا من بيئة عمرانية جديدة تختلف عن البيئة التي نشأت فيها هذه المواقع تاريخيًا.[24]
وقد ارتبطت السياحة خلال فترة الاحتلال بالتغيرات التي طرأت على طرق الوصول إلى سيناء ومناطقها الساحلية والتاريخية. وتوضح دراسة “ريبيكا شتاين” أن شمال سيناء فُتح أمام السياحة الإسرائيلية في أغسطس 1967، بينما بدأ النشاط السياحي بشكل واسع النطاق عام 1971 بعد استكمال الطريق بين إيلات وشرم الشيخ، كما استؤنفت رحلات الحافلات على الطريق خلال العام نفسه.[25]
وساعد تطوير الطرق على ربط المناطق الساحلية بمراكز الحركة الإسرائيلية، وهو ما جعل أجزاء من سيناء تتحول من مجال عسكري محدود الوصول إلى مجال يمكن استخدامه أيضًا للرحلات والأنشطة السياحية. وقد تداخلت في هذا السياق عناصر الطبيعة الصحراوية والشواطئ والمواقع التاريخية، فأصبحت سيناء تقدم للزائر باعتبارها فضاءً يجمع بين المناظر الطبيعية والأماكن ذات القيمة التاريخية. وتكشف دراسة شتاين عن العلاقة الوثيقة بين السياحة والوجود العسكري في الأراضي التي وقعت تحت السيطرة الإسرائيلية بعد حرب 1967؛ فالسائح كان يصل إلى مناطق لم تكن متاحة له قبل الحرب، بينما كانت عملية الوصول ذاتها مرتبطة بالبنية الأمنية والطرق التي أنشأتها السلطات العسكرية. ولذلك أصبحت السياحة جزءًا من التجربة المكانية التي تشكلت خلال الاحتلال.
وفي جنوب سيناء اكتسبت المناطق ذات الطبيعة الدينية والأثرية أهمية خاصة في النشاط السياحي، ولا سيما منطقة سانت كاترين والمناطق الجبلية المحيطة بها. وبذلك دخلت المواقع التاريخية والدينية في شبكة سياحية جديدة ارتبطت بطرق الوصول الحديثة وبالمرافق والخدمات التي تطورت خلال سنوات الاحتلال، وهو الأمر الذي أدى تدمير عدد غير قليل من المواقع.
وقد أدى ذلك إلى ظهور علاقة جديدة بين الموقع الأثري والزائر؛ فلم يعد الموقع يُنظر إليه فقط باعتباره شاهدًا تاريخيًا، وإنما أصبح كذلك عنصرًا داخل مسار سياحي أوسع. وتكمن أهمية هذه الظاهرة بالنسبة إلى دراسة آثار سيناء في أنها تكشف كيف أدى تغيير أنماط الحركة والوصول إلى إعادة تحديد الوظيفة الاجتماعية لبعض المواقع الأثرية بما يخدم المصالح اليهودية.
الخلاصة
تكشف دراسة آثار سيناء خلال الفترة من 1967 إلى 1982 أن المواقع الأثرية في سيناء كانت جزءًا من بيئة مكانية شهدت تحولات واسعة نتيجة استخدام الاحتلال العسكري والاستيطاني والسياحي الإسرائيلي، فقد أدى الوجود العسكري إلى إعادة تنظيم شبكة الطرق والمواقع الدفاعية ومساحات الحركة، بينما أدت الألغام ومخلفات الحرب إلى استمرار بعض آثار المرحلة العسكرية في المجال المكاني. وفي الوقت نفسه أدى إنشاء المستوطنات، وخاصة في شمال شرق سيناء، إلى إدخال أنماط عمرانية وسكانية جديدة إلى بيئات كانت تحتوي على مواقع تاريخية وأثرية.
قام الاحتلال الإسرائيلي بإنشاء طرق لربط أجزاء واسعة من سيناء بالنشاط السياحي، وخاصة بعد عام 1971، وأصبح الوصول إلى المواقع الطبيعية والتاريخية جزءًا من منظومة سياحية ارتبطت بالبنية التي تشكلت خلال سنوات الاحتلال. ومن ثم تداخلت الوظائف العسكرية والسياحية والعمرانية داخل المجال نفسه، وأصبح المشهد الأثري محاطًا بعناصر جديدة لم تكن جزءًا من بيئته التاريخية الأصلية. وتوضح حالة مستعمرة ياميت بصورة خاصة أن الاستيطان لم يكن مجرد ظاهرة سكانية محدودة، بل ارتبط بإنشاء شبكة من الطرق والمرافق والتجمعات التي أعادت تشكيل جزء من شمال شرق سيناء.
استخدم الاحتلال الإسرائيلي الألغام لحماية مواقعه العسكرية ونتج عن ذلك تدمير أجزاء من التراث الأثري في سيناء كما أن آثار هذه الألغام لم تنته بانتهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في سيناء، واستمرت كعائق في التعامل مع مناطق التراث الأثري في سيناء.
الفترة الزمنية التي بقيت فيها القوات الإسرائيلية على الأرض، أعادت خلالها تشكيل المشهد الأثري السيناوي تحت تأثير مجموعة متداخلة من العوامل: الاستخدام العسكري، وشبكة الطرق والمنشآت، والألغام ومخلفات الحرب، والاستيطان، والسياحة. وتظهر أهمية هذا المنظور في أنه لا يضع المواقع الأثرية داخل بيئتها التاريخية والمكانية.
قائمة الأشكال

قلعة تل البرج
شمال سيناء
عبد الحليم نور الدين، الآثار المستردة من سيناء، وزارة الثقافة، 1994

قلعة تل الحير
المرجع السابق نفسه

موقع تل الكدوة
المرجع السابق

موقع تل حبوة
نقلًا عن عبد الحليم نور الدين، المرجع السابق

الحصن المصري القديم بتل حبوة
نفس المرجع السابق
قائمة المراجع
المراجع العربية
- أحمد عبد القادر محمد عبد القادر، «المستعمرات الإسرائيلية في سيناء: مدينة ياميت 1975–1982 نموذجًا»، مجلة الدراسات التاريخية والحضارية المصرية، مج 8، ع 14، جامعة بني سويف، أبريل 2023.
- أحمد محمود وآخرون، «دور بعثات التعدين المصرية في سيناء خلال الدولة الوسطى والحديثة»، مجلة الاتحاد العام للآثاريين العرب، مج 24، ع 2، 2023.
- عبد الحليم نور الدين، الأثار المستردة من إسرائيل، وزارة الثقافة، 1994
- يسريّة عبد العزيز حسني، المدخل الشرقي لمصر: دراسة مواقع آثار شمال سيناء، الجزء الثاني: المواقع الأثرية، الطبعة الأولى، القاهرة: هلا للنشر والتوزيع، 2003.
المراجع الأجنبية
- Avi Perevolotsky, Orchard Agriculture in the High Mountain Region of Southern Sinai, Human Ecology, vol 9, No 3, 1981.
- Defernez, Catherine & Favry, Nathalie, Mission archéologique franco-égyptienne de Tell el-Herr, Institut français d’archéologie orientale (Ifao), Mission 19117, Tell el-Herr, Nord-Sinaï, Paris/Le Caire, IFAO, mission archéologique en cours depuis 1986.
- Eliezer D. Oren, “The North Sinai Survey 1972–1978,” in Ze’ev Meshel and Israel Finkelstein (eds.), Sinai: Archaeological and Historical Studies, Tel Aviv, Hakibbutz Hameuchad, 1980.
- Fatina Abreek-Zubiedat and Alona Nitzan-Shiftan, “Mediterraneanism in Conflict: Development and Settlement of Palestinian Refugees and Jewish Immigrants in Gaza and Yamit,” in Culture and Conflict in Palestine/Israel, Routledge, 2021.
- Gavin McKay, The Detection of Ancient Mines by NASA Space Shuttle Imaging Radar, PhD thesis, University of Edinburgh, 2003.
- Gerald R. Ford Presidential Library, National Security Adviser: Kissinger Reports on USSR, China, and Middle East Discussions, Box 4, August 21–September 1, 1975 – Sinai Disengagement Agreement – Vol. I (1), Memorandum of Conversation, August 22, 1975.
- Hesham M. Hussein and Sayed Abd el-Aleem, “Tell el-Kedwa (Qedua): Saite Fortresses on Egypt’s Eastern Frontier. The 2007 Season of SCA Fieldwork,” Delta Survey Workshop, Ministry of State for Antiquities and Egypt Exploration Society, Cairo, 22–23 March 2013.
- Israel State Archives, Settlements Returned to Egypt – Rural Building and Establishment of New Settlements Administration – Ugda, 1975–1978, archival file G-3467/3،
- James K. Hoffmeier, Israel in Egypt: The Evidence for the Authenticity of the Exodus Tradition, Oxford University Press, 1997.
- Jewish Telegraphic Agency, “Israeli Army Has Constructed Defense Lines Based on Lessons from the Yom Kippur War,” 9 August 1974.
- Petrie, W. M. Flinders, Researches in Sinai, London: John Murray, 1906
- Raz Kletter, “A Very General Archaeologist—Moshe Dayan and Israeli Archaeology,” The Journal of Hebrew Scriptures, Vol. 4, No. 5, 2003.
- Rebecca Stein, “Souvenirs of Conquest: Israeli Occupations as Tourist Events,” International Journal of Middle East Studies, Vol. 40, No. 4, November 2008.
- Sophie Tews, Letty ten Harkel & Ahmed Shams, “From the Coast to the High Mountains: A Remote Sensing Survey of Disturbances and Threats to the Archaeology and Heritage of South Sinai,” Journal of Maritime Archaeology, Vol. 17, 2022.
- United Nations Mine Action Service (UNMAS), Egypt: Landmine and Unexploded Ordnance Problem, 2009، “Scope of the Problem
[1] Hesham M. Hussein and Sayed Abd el-Aleem, “Tell el-Kedwa (Qedua): Saite Fortresses on Egypt’s Eastern Frontier. The 2007 Season of SCA Fieldwork,” Delta Survey Workshop, Ministry of State for Antiquities and Egypt Exploration Society, Cairo, 22–23 March 2013, p. 3؛ Raz Kletter, “A Very General Archaeologist—Moshe Dayan and Israeli Archaeology,” The Journal of Hebrew Scriptures, Vol. 4, No. 5, 2003, pp. 1–41.
[2] Eliezer D. Oren, “The North Sinai Survey 1972–1978,” in Ze’ev Meshel and Israel Finkelstein (eds.), Sinai: Archaeological and Historical Studies, Tel Aviv, Hakibbutz Hameuchad, 1980, pp. 101–158.
[3]James, Hoffmeier (ed.), Tell el-Borg I: Excavations in North Sinai, Eisenbrauns, 2014, p.3
[4] Ibid, p.62
[5] James K. Hoffmeier, Israel in Egypt: The Evidence for the Authenticity of the Exodus Tradition, Oxford University Press, 1997, p. 185.
[6] Jewish Telegraphic Agency, “Israeli Army Has Constructed Defense Lines Based on Lessons from the Yom Kippur War,” 9 August 1974.
[7] Catherine Defernez & Nathalie Favry, Tell el-Herr, Institut français d’archéologie orientale (IFAO), Mission archéologique franco-égyptienne de Tell el-Herr.
[8] Hesham M. Hussein & Sayed Abd el-Aleem, “Tell el-Kedwa (Qedua): Saite Fortresses on Egypt’s Eastern Frontier. The 2007 Season of SCA Fieldwork,” Delta Survey Workshop, Ministry of State for Antiquities & Egypt Exploration Society, Cairo, 22–23 March 2013, p.3
[9] الموقع EAMENA-0152919 يقع في المنطقة الساحلية من جنوب سيناء، وقد سجلته قاعدة Endangered Archaeology in the Middle East and North Africa (EAMENA) بوصفه موقعًا ذا وظيفة زراعية/رعوية
[10] Sophie Tews, Letty ten Harkel & Ahmed Shams, “From the Coast to the High Mountains: A Remote Sensing Survey of Disturbances and Threats to the Archaeology and Heritage of South Sinai,” Journal of Maritime Archaeology, Vol. 17, 2022, pp. 375–399،
[11] Avi Perevolotsky, Orchard Agriculture in the High Mountain Region of Southern Sinai, Human Ecology, vol 9, No 3, 1981, 31-357
[12] U.S. Department of State, Cairo Cable 10233, “Further Egyptian Complaints re Israeli Activities in Sinai,” December 1974، Foreign Relations of the United States digital archive.
[13] Baruch, U. & Bar-Yosef, O., “Upper Palaeolithic Assemblages from Wadi Sudr, Western Sinai,” Paléorient, vol. 12, no. 2, 1986, p.70
[14]Petrie, W. M. Flinders, Researches in Sinai, London: John Murray, 1906, p. 13
[15] أحمد محمود وآخرون، «دور بعثات التعدين المصرية في سيناء خلال الدولة الوسطى والحديثة»، مجلة الاتحاد العام للآثاريين العرب، مج 24، ع 2، 2023، ص 5–6.
[16] Gerald R. Ford Presidential Library, National Security Adviser: Kissinger Reports on USSR, China, and Middle East Discussions, Box 4, August 21–September 1, 1975 – Sinai Disengagement Agreement – Vol. I (1), Memorandum of Conversation, August 22, 1975, pp. 11–12
[17] Eliezer D. Oren, “The North Sinai Survey 1972–1978,” in Meshel and Finkelstein (eds.), Sinai: Archaeological and Historical Studies, 1980, pp. 101–158.
[18] United Nations Mine Action Service (UNMAS), Egypt: Landmine and Unexploded Ordnance Problem, 2009، “Scope of the Problem)
[19] يسرية عبد العزيز حسني، المدخل الشرقي لمصر، الجزء الثاني، القاهرة، 2003، ص.241
[20] المرجع نفسه.
[21] Gavin McKay, The Detection of Ancient Mines by NASA Space Shuttle Imaging Radar, PhD thesis, University of Edinburgh, 2003, Chapter 6, “Location of the Serabit El Khadim Mine Complex and Topographic Analysis,” p. 146
[22] أحمد عبد القادر محمد عبد القادر، «المستعمرات الإسرائيلية في سيناء: مدينة ياميت 1975–1982 نموذجًا»، مجلة الدراسات التاريخية والحضارية المصرية، مج 8، ع 14، جامعة بني سويف، أبريل 2023، ص 397–448
[23] Israel State Archives, Settlements Returned to Egypt – Rural Building and Establishment of New Settlements Administration – Ugda, 1975–1978, archival file G-3467/3،
[24] Fatina Abreek-Zubiedat and Alona Nitzan-Shiftan, “Mediterraneanism in Conflict: Development and Settlement of Palestinian Refugees and Jewish Immigrants in Gaza and Yamit,” in Culture and Conflict in Palestine/Israel, Routledge, 2021, p.987-1107
[25]Rebecca Stein, “Souvenirs of Conquest: Israeli Occupations as Tourist Events,” International Journal of Middle East Studies, Vol. 40, No. 4, November 2008, pp. 647–669.






























