وحدة الدراسات الاقتصادية

تنمية قطاع الحرف والصناعات اليدوية في مصر

تعكس الحرف والصناعات اليدوية الميراث الثقافي والاجتماعي لأي أمة، كما أنها تعد نتاجًا لتفاعل الفرد مع بيئته المحيطة به، وبالتالي فهي تعبر عن الهوية الثقافية للأفراد وأصالتهم الوطنية. وبجانب ترسيخ الحرف والصناعات اليدوية للهوية الوطنية، فإن لها مردودًا اقتصاديًا واجتماعيًا على الفرد والمجتمع، فضلًا عن مساهمة قطاع الحرف اليدوية والتقليدية بنصيب ملحوظ من حجم التجارة العالمية. ومن هنا جاء اهتمام الدول بقطاع الحرف والصناعات اليدوية من خلال تسليط الضوء على القطاع وأهميته، بجانب وضع الخطط والاستراتيجيات التي تهدف إلى النهوض بالحرف والصناعات اليدوية. وكما باقي الدول، اهتمت الجهات المسئولة في مصر بوضع استراتيجية تهدف إلى تنمية الموارد البشرية، والاستثمار في…

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية

تعكس الحرف والصناعات اليدوية الميراث الثقافي والاجتماعي لأي أمة، كما أنها تعد نتاجًا لتفاعل الفرد مع بيئته المحيطة به، وبالتالي فهي تعبر عن الهوية الثقافية للأفراد وأصالتهم الوطنية. وبجانب ترسيخ الحرف والصناعات اليدوية للهوية الوطنية، فإن لها مردودًا اقتصاديًا واجتماعيًا على الفرد والمجتمع، فضلًا عن مساهمة قطاع الحرف اليدوية والتقليدية بنصيب ملحوظ من حجم التجارة العالمية. ومن هنا جاء اهتمام الدول بقطاع الحرف والصناعات اليدوية من خلال تسليط الضوء على القطاع وأهميته، بجانب وضع الخطط والاستراتيجيات التي تهدف إلى النهوض بالحرف والصناعات اليدوية.

وكما باقي الدول، اهتمت الجهات المسئولة في مصر بوضع استراتيجية تهدف إلى تنمية الموارد البشرية، والاستثمار في القطاع من خلال توفير الورش والمصانع، وتشجيع العاملين بتلك الحرف وإيجاد أسواق وإقامة المعارض لتسويق منتجاتهم، فضلًا عن تقديم مصر الدعم الكامل والرعاية للحرف التراثية والصناعات اليدوية، وذلك لحمايتها من الاندثار وتقديم تلك الصناعات للعالم كحرف تراثية وصناعات يدوية تميزت مصر بها على مر العصور.

أولًا: الأهمية الاقتصادية لقطاع الحرف والصناعات اليدوية

وفقًا للتعريف المبسط لكل من اليونسكو والأونكتاد ومنظمة التجارة العالمية، فإن الحرف اليدوية هي المنتجات التي يصنعها الحرفيون إما يدويًا بالكامل أو بمساعدة أدوات يدوية أو آلات بسيطة. وتشتهر مصر بتراثها المتجسد في العديد من الحرف اليدوية التقليدية المتنوعة ومنها الخيامية وفن التلي وصناعة السجاد المصري ونبات البردي والنقش على النحاس وصناعة الزجاج وصناعة الجلود.

وتكمن أهمية قطاع الحرف والصناعات اليدوية في استيعابها حجم عمالة كبير، وبالتالي تساهم في خفض معدلات البطالة، خاصة من بين الفئات التي تفضل العمل وفقًا لما يناسبها من توقيتات مختلفة، وهذا يعطي الفرصة لأي طالب عمل في المساهمة في النشاط الاقتصادي وتحقيق التنمية. ووفقًا لجهاز تنمية المشروعات فإن قطاع الحرف التراثية والإبداعية يتكون من 250 مجمعًا يضم 120 حرفة، أما حجم العمالة في القطاع فقد بلغ ما يقارب 3 ملايين عامل أغلبهم من النساء، وفيما يتعلق بحجم الاستثمارات في قطاع الحرف اليدوية في مصر فقد تخطى 20 مليار جنيه في عام 2019 وذلك وفقًا لغرفة الحرف اليدوية باتحاد الصناعات.

أيضًا للقطاع أهمية كبرى في تنمية حجم الصادرات وتحقيق المنافسة في الأسواق العالمية، ووفقًا للمركز المصري للدراسات الاقتصادية فقد انخفضت الصادرات من الصناعات اليدوية بنسبة 50٪ تقريبًا من 2013 إلى 2017 – من 431 مليون دولار إلى 269 مليون دولار. من ناحية أخرى، ارتفعت واردات الحرف اليدوية من 247 مليون دولار إلى 269 مليون دولار خلال الفترة المماثلة، ويمكن الاطلاع على تطور الميزان التجاري لقطاع الحرف اليدوية من خلال الشكل التالي:

شكل رقم (1): تطور الميزان التجاري لقطاع الحرف اليدوية خلال الفترة 2013-2017

القيمة: بالمليون دولار

يبين الشكل السابق التراجع في قيمة صادرات الحرف اليدوية خلال الفترة السابقة، إلا أنه بعد تنفيذ الاستراتيجية التي تهدف إلى النهوض بقطاع الحرف اليدوية نجد أنه خلال عام 2020 بلغ إجمالي صادرات الحرف اليدوية 208 ملايين دولار، وذلك وفقًا لهيئة الرقابة على الصادرات والواردات، مما يدل على التحسن في أداء القطاع وتسعى الدولة إلى مضاعفة حجم الصادرات من الصناعات اليدوية في السنوات القادمة.

ثانيًا: جهود الدولة لتنمية قطاع الحرف والصناعات اليدوية 

مر قطاع الحرف والصناعات اليدوية بعدة تطورات تبين اهتمام الهيئات المصرية المختصة بالقطاع، فوفقًا لدراسة بمجلة التنمية والسياسات الاقتصادية الصادرة عن المعهد العربي للتخطيط، فقد اتخذت الحكومة المصرية خطوات واضحة لتطوير القطاع بدأتها بتخصيص حي الأزهر ليكون بمثابة مقر ضم عددًا من المراكز للحرف والصناعات اليدوية وتوفير التدريب اللازم والتشجيع على الصناعة. كما كان لوزارة الثقافة والهيئة العامة لقصور الثقافة وقطاع الفنون التشكيلية وصندوق التنمية الثقافية ومركز تحديث الصناعة التابع لوزارة التجارة والصناعة بالحرف اليدوية دور نشط في النهوض بالقطاع في المحافظات المختلفة.

وخلال الفترة من 2006-2015 دشن مركز تحديث الصناعة عدة برامج وغيرها من البرامج التي ساهمت في تنشيط الأسواق المحلية، وارتفاع العائد المحقق من صادرات قطاع الصناعات اليدوية.

أما الفترة من 2016-2019، فقد شهدت رواجًا من حيث عدد المبادرات التي تم إطلاقها، ومنها مبادرات رئيس الجمهورية وعدد من الجهات والهيئات المتخصصة، وكان منها مبادرة “صنايعية مصر” و”إبداع من مصر”، ومعرض “تراثنا” و”مشروعك”، وحملة “قومي يا مصر” التي هدفت إلى تشجيع الصناعة اليدوية.

أيضًا كان لقطاع الصناعات الحرفية والتراثية التابع لوزارة الصناعة والتجارة دور ملحوظ في تنشيط القطاع، ودعم البنك المركزي المصري المشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة. ومن ناحية أخرى تم تعديل قانون الاستثمار وصدور قانون الهيئة العامة للتنمية الصناعية بشأن الصناعة المحلية، وأصدر رئيس الجمهورية قرارين جمهوريين متعلقين بتمويل المشاريع متناهية الصغر وإنشاء غرفة صناعة الحرف اليدوية، وأيضًا تم إنشاء المجلس التصديري للصناعات اليدوية.

ووفقًا لجهاز تنمية المشروعات، فإن الجهاز تبنى مؤخرًا استراتيجية تقوم على التعاون مع المجلس التصديرى للصناعات اليدوية وغرفة صناعة الحرف اليدوية، والتي تهدف إلى تنمية قطاع الصناعات اليدوية من خلال دعم المشروعات الحرفية وأصحابها وتوفير التمويل اللازم.

ثالثًا: التحديات التي تواجه قطاع الحرف والصناعات اليدوية في مصر

يأتي عدم وجود جهة واحدة منوطة بوضع الاستراتيجيات وتطوير وتنمية قطاع الحرف والصناعات اليدوية في مصر في مقدمة التحديات التي تواجه القطاع، وبالتالي تأتي التوصيات بتخصيص هيئة واحدة مسئولة عن عملية تنمية وتطوير القطاع ووضع السياسات، وهو الأمر الذي سيسهل من عملية توفير المعلومات المتعلقة بالحجم الحقيق للسوق، وبالتالي وضع الخطط المطلوبة لتطويره وإزالة أوجه القصور فيه، فضلًا عن جذب العاملين بشكل غير رسمي للدخول فيه. ينبغي أيضًا دراسة متطلبات الأسواق الخارجية حتى تستطيع الصناعة اليدوية المصرية منافسة الصناعات اليدوية على المستوى الدولي وبشكل خاص الصناعات اليدوية الهندية والصينية التي تتميز بأنها أعلى جودةً وأقل سعرًا من الصناعة اليدوية المصرية، وعدم تطوير المدارس الفنية والمهنية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الأيدي العاملة المدربة، وبالتالي اندثار بعض الحرف اليدوية، وأخيرًا ضعف التمويل المقدم للصناعات اليدوية.

ووفقًا لخطة الدولة في دعم الحرف اليدوية بتوجيهات رئاسية، فإنه هناك جهودًا حثيثة تعمل على تذليل العقبات وإزالة التحديات للنهوض بالصناعة اليدوية المصرية ضمن خطة الدولة بالارتقاء بالصناعات المتوسطة والصغيرة، وذلك بهدف توفير فرص عمل وسد احتياجات السوق المحلي من تلك الصناعات والمساهمة بحصة منافسة في السوق الخارجي لتحقيق نمو في حجم صادرات القطاع، وهو ما وجدناه من تحسن في صادرات الحرف اليدوية خلال عام 2020، وما زالت الدولة تسير بخطى ثابتة نحو تحسين وضع القطاع خلال السنوات القادمة.

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية