وحدة الدراسات الأفريقية

قمتا باريس: تحركات فرنسية مصرية لدعم الاقتصادين السوداني والإفريقي

استضافت باريس، يومي الاثنين والثلاثاء 17 و18 مايو 2021، قادة أفارقة وأوروبيين إلى جانب ممثلين عن مؤسسات مالية دولية، لحضور “مؤتمر دعم السودان”، و”قمة تمويل الاقتصادات الإفريقية”. وتأتي استضافة باريس لهذين الحدثين الهامّين للقارة الإفريقية في إطار محاولة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” لتعزيز العلاقات بين فرنسا وإفريقيا، واستعادة فرنسا لدورها ونفوذها في القارة، ومكانتها الدولية بوصفها فاعلًا بارزًا، إضافة إلى دعمها لعملية الانتقال الديمقراطي في السودان، علاوة على سعيها لربط تفاعلات المنطقة واستقرارها بالأمن الأوروبي، تخوفًا من حدوث موجات من اللاجئين والمهاجرين وتدفقهم نحو أوروبا وما قد تحمله من تنامي موجات الإرهاب في القارة العجوز. أولًا- دعم المرحلة الانتقالية في…

هايدي الشافعي
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

استضافت باريس، يومي الاثنين والثلاثاء 17 و18 مايو 2021، قادة أفارقة وأوروبيين إلى جانب ممثلين عن مؤسسات مالية دولية، لحضور “مؤتمر دعم السودان”، و”قمة تمويل الاقتصادات الإفريقية”. وتأتي استضافة باريس لهذين الحدثين الهامّين للقارة الإفريقية في إطار محاولة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” لتعزيز العلاقات بين فرنسا وإفريقيا، واستعادة فرنسا لدورها ونفوذها في القارة، ومكانتها الدولية بوصفها فاعلًا بارزًا، إضافة إلى دعمها لعملية الانتقال الديمقراطي في السودان، علاوة على سعيها لربط تفاعلات المنطقة واستقرارها بالأمن الأوروبي، تخوفًا من حدوث موجات من اللاجئين والمهاجرين وتدفقهم نحو أوروبا وما قد تحمله من تنامي موجات الإرهاب في القارة العجوز.

أولًا- دعم المرحلة الانتقالية في السودان:

بعد رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب نهاية عام 2020، تخلّص السودان من تصنيف كان يعوق بشكل كبير تنميته الاقتصادية، ويكبل الاستثمارات الأجنبية في البلاد، وسعت فرنسا لأن تكون البوابة التي يعبر من خلالها السودان إلى المجتمع الدولي، من خلال عقد مؤتمر “دعم السودان” يوم الاثنين 17 مايو، على هامش “قمة تمويل الاقتصادات الإفريقية” التي عُقدت في اليوم التالي.

وجاء المؤتمر في 3 جلسات، الأولى حول “السودان الجديد” والثانية تستعرض “الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها حكومة السودان”، فيما ناقشت الجلسة الثالثة “الفرص الاستثمارية المتاحة في قطاعات البنية التحتية والزراعة، والطاقة والتعدين وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات”.

وتهدف الحكومة السودانية من مؤتمر باريس بشكل أساسي إلى العودة للاندماج في المجتمع الدولي، وتخفيف عبء الديون عليها الذي تجاوز 60 مليار دولار، بالإضافة إلى جذب استثمارات خارجية للسودان في مجالات الطاقة والتعدين والبنية التحتية والزراعة والاتصالات، وهي الأهداف التي تحققت بشكل جزئي بنهاية المؤتمر.

1- مكاسب سودانية متعددة:

تعددت المكاسب التي خرج بها السودان خلال مؤتمر وقمة باريس، وكان أبرزها:

  • تعهدات بإعفاء ديون ثنائية للسودان:

تَحَصّل السودان على تعهدات وإعفاءات من ديون ثنائية بمليارات الدولار، خلال اليوم الأول لمؤتمر دعم السودان الذي انعقد يوم الاثنين 17 مايو بالعاصمة الفرنسية باريس. حيث أعلنت فرنسا عزمها إلغاء كافة ديونها الثنائية على السودان والمقدرة بنحو 5 مليارات دولار، وهي من أكبر الديون على السودان بنادي باريس، كما أعلنت النرويج أيضًا عن إلغاء ديونها على السودان البالغة 4.5 مليارات دولار، بالإضافة إلى التعهد بإلغاء ديون كل من ألمانيا وإيطاليا بقيمة 1.5 مليار دولار، فضلًا عن تأكيد المملكة العربية السعودية على المضي قدمًا في اتخاذ الخطوات اللازمة لإلغاء ديون السودان والمقدرة بنحو 5 مليارات دولار. كما أعلنت مصر مشاركتها في المبادرة الدولية لتسوية مديونية السودان من خلال استخدام حصة مصر لدى صندوق النقد الدولي لمواجهة الديون المشكوك بتحصيلها، وأبدت كل من الولايات المتحدة الأمريكية‬ والسويد‬ وإيطاليا‬ استعدادها لتقديم منح لتغطية النواقص في متأخرات الديون والمقدرة بنحو 13 مليار دولار بما فيها الفوائد والغرامات الجزائية.

ويحتاج السودان إلى التخلص من ديونه الخارجية التي تعد عقبة كبيرة أمام إنعاش اقتصاده الذي يعاني من أزمات كبيرة، وتشير التقديرات إلى أن الدين الخارجي للسودان يزيد على 60 مليار دولار، الجزء الأكبر منه يتمثل في متأخرات وفوائد، والتي تراكمت نتيجة عدم قدرة السودان خلال السنوات الماضية على الانتظام في سداد الأقساط والفوائد السنوية المستحقة، بينما لا يمثل أصل الدين سوى 18 مليار دولار.

  • استثمارات في الصحة والطاقة:

فيما يتعلق بهدف السودان المرتبط بجذب الاستثمارات الأجنبية للسودان الزاخر بالموارد، فقد شهدت القمة عرضًا لمجموعة مكونة من 18 مشروعًا استثماريًا من قبل الحكومة السودانية قوبلت بالترحيب من المشاركين، كما خصص البنك الدولي 2 مليار دولار للسودان للاستثمار في برامج الصحة والطاقة خلال الأشهر العشرة المقبلة، كما قدم بنك الاستيراد والتمويل الإفريقي 700 مليون دولار لتمويل مشاريع الطاقة والاتصالات في السودان.

  • مبادرة الهيبيك وإعادة جدولة ديون السودان:

إلى جانب ذلك، قدمت فرنسا قرضًا تجسيريًا بقيمة 1.5 مليار دولار لتسديد متأخرات السودان لصندوق النقد الدولي، وفي وقت سابق قام السودان بتسوية متأخراته مع البنك الدولي بقرض تجسيري من الولايات المتحدة بحوالي 1 مليار دولار، كما سدد دينه لدى بنك التنمية الإفريقي بقرض تجسيري آخر من بريطانيا والسويد وأيرلندا بمقدار 413 مليون دولار. وبذلك يكون السودان قد تخلّص من 3 مليارات دولار من متأخرات ديونه للمؤسسات الدولية بما يسمح له بالاستفادة من مبادرة “هيبيك”، التي من المتوقع أن يدخلها في يونيو 2021.

بعد تنفيذ السودان مجموعةَ الإصلاحات الاقتصادية التي أوصى بها صندوق النقد الدولي، وسداد الدول الكبرى لجزء من متأخرات ديون السودان السيادية (والتي لا يمكن التنازل عنها) للمؤسسات المالية العالمية المتمثلة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي، عن طريق القروض التجسيرية (التي تعد بمثابة إعادة جدولة لديون السودان)؛ يستطيع السودان الوصول للدائنين الذين يمكنهم إعفاء أو تخفيف المديونية في إطار مبادرة صندوق النقد الدولي للبلدان الفقيرة المثقلة بالديون والمعروفة باسم “HIPC– هيبك”، ومن ثم الوصول لنقطة اتخاذ القرار  (Decision Point)، التي يكون متاحًا عندها للسودان الوصول للتمويل والمساعدات الضرورية للقيام بعملية التنمية، وذلك من خلال الحصول على القروض المُيسرة من مختلف المؤسسات والصناديق المالية الدولية، بما فيها صندوق النقد والبنك الدوليين وبنك التنمية الإفريقي.

علاوة على ذلك، بعد مدة أقصاها سنة يمكن للسودان الوصول لنقطة الانتهاء (Completion Point) بعد التأكد من التزام الحكومة بالبرنامج الإصلاحي وفق رؤية الصندوق، وفي هذه المرحلة يبدأ السودان التفاوض حول الإعفاء الكلي أو الجزئي من فوائد الدين ومتأخراته، والتي تتعدى 80% من إجمالي الدين الخارجي للسودان.

  • عودة السودان للمجتمع الدولي:

بالإضافة إلى المكاسب الاقتصادية، تضمنت قمة باريس مكاسب أخرى غير اقتصادية، أبرزها دعم العملية الانتقالية الديمقراطية في السودان، وعودة اندماج السودان في المجتمع الدولي، بعد رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب ديسمبر 2020، والتي تسببت في ابتعاد السودان ما يقرب من 30 عامًا عن الساحة الدولية، وفرض قيود عليه ساهمت في تدهور أوضاعه الاقتصادية، بالإضافة إلى كسب تأييد دولي لخطوات الإصلاح التي تقوم بها حكومة السودان بشقيها المدني والعسكري على السواء.

2- تحديات المستقبل للاقتصاد السوداني:

بالرغم من الآمال الكبيرة المنعقدة على نتائج مؤتمر باريس، في إنعاش الاقتصاد السوداني، وما تحصل عليه السودان من تعهدات، وبرامج الإصلاح الاقتصادية والتشريعية التي اتّبعتها حكومة السودان استجابة لتوصيات صندوق النقد ولتشجيع الاستثمارات الخارجية، لا يزال أمام السودان عدد من التحديات للاستفادة من هذه النتائج، أبرزها التزام الدول بتعهداتها، حيث سبق أن وعد السودان في عام 2019 بمنح ومساعدات سخية من دول كبرى ولم تصل بالكامل في المواعيد المحددة، مما زاد الوضع الاقتصادي سوءًا.

ومن جهة أخرى، يعاني الاقتصاد السوداني من تشوهات واختلالات، إلى جانب الوضع المعيشي المتدهور جراء ارتفاع التضخم الذي سجل 363% لشهر أبريل 2021، بزيادة 300% عن حجم التضخم في أبريل 2020، وبهذا المعدل يصبح التضخم في السودان ثاني أسوأ معدل في العالم بعد فنزويلا، على الرغم من تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي قالت الحكومة إنها تستهدف خفضه، إلى جانب تدهور سعر الصرف منذ قرار الحكومة بتحريره في فبراير 2021، ليتخطى سعر صرف الدولار الواحد 400 جنيه سوداني في السوق الرسمية، بالإضافة لارتفاع أسعار السلع الأساسية، وعدم توافر السيولة، في ظل النقص الحاد في البنيات التحتية ومدخلات الطاقة، فضلًا عن تداعيات فيروس كورونا والفيضانات على الاقتصاد السوداني، الأمر الذي يمثل تحديًا كبيرًا أمام الاستفادة من المبادرات الدولية لدعم السودان.

ثانيًا- قمة تمويل الاقتصادات الإفريقية:

في محاولة لإيجاد حلول مبتكرة للأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تواجهها العديد من الاقتصادات الإفريقية، والتي ازدادت سوءًا بعد تفشي جائحة كورونا، التي أثرت سلبًا على جهود الدول الإفريقية في تحقيق التنمية المنشودة، فضلًا عن أعباء الديون التي تُثقل كاهل الدول الإفريقية، وفي إطار سعي فرنسا لإعادة صياغة مشاركتها في القارة الإفريقية؛ فقد شهدت باريس يوم الثلاثاء 18 مايو انعقاد “قمة تمويل الاقتصادات الإفريقية”، بحضور حوالي 30 رئيسًا إفريقيًا وأوروبيًا، من بينهم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي الذي يتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الإفريقي، بالإضافة إلى رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فكي، ورئيس بنك التنمية الإفريقي، فضلًا عن مشاركة مجموعة العشرين (G20) ومجموعة السبع الكبار (G7) والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى مشاركة رؤساء مؤسسات مالية عالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات تمويل دولية أخرى.

1- جدول أعمال مزدحم:

سعت القمة التي انقسمت إلى جلستين؛ الأولى بشأن التمويل الخارجي والديون، والثانية بشأن تطوير القطاع الخاص والإصلاحات والبنية التحتية، إلى دفع عجلة الاقتصاد الإفريقي ومساعدته على مواجهة التداعيات السلبية لانتشار فيروس كورونا، ومناقشة سبل جذب أكبر قدر من التدفقات الاستثمارية للدول الإفريقية بمشاركة القطاع الخاص والدول الأوروبية ومؤسسات التمويل الدولية، والدعوة لإسقاط الديون أو تخفيفها على الدول الإفريقية، وتوفير لقاحات مكافحة جائحة كورونا للدول الإفريقية، إلى جانب مناقشة قضايا الأمن والإرهاب التي تهدد الدول الإفريقية، خاصة في منطقة الساحل. كما شهدت القمة أيضًا مناقشة التحديات التي تواجه إفريقيا لتوفير اللقاحات وتمويلها، فضلًا عن مناقشة قضية الهجرة غير الشرعية وضرورة مواجهتها عن طريق التنمية الاقتصادية.

ويُذكر أن فكرة هذا المؤتمر الذي عُقد تحت عنوان “قمة تمويل الاقتصادات الإفريقية” نشأت عقب تقرير صدر عن صندوق النقد الدولي أفاد بأنّ إفريقيا معرّضة لخطر حدوث عجز في التمويل قدره 290 مليار دولار بحلول عام 2023، كما شهدت القارة الإفريقية العام الماضي أول ركود لها منذ نصف قرن بنحو 2.1 بالمائة، نتيجة انتشار فيروس كورونا، فضلًا عما توقّعه بنك التنمية الإفريقي من أن 39 مليون شخص قد يقعون في براثن الفقر هذا العام، مع تعرض العديد من البلدان الإفريقية لخطر ضائقة الديون بسبب الوباء.

وفي أبريل الماضي كان قد تقرر زيادة الاحتياطيات (حقوق السحب الخاصة) في صندوق النقد الدولي بمقدار 650 مليار دولار، وتمديد تجميد خدمة الديون لمساعدة البلدان النامية على التعامل مع الوباء. وعلى الرغم من ذلك لن تستفيد القارة الإفريقية سوى بتخصيص 34 مليار دولار فقط، بينما من المتوقع أن يتم تخصيص حوالي 230 مليار دولار أمريكي لدول مجموعة السبع والصين، ما دعا ماكرون للسعي من خلال المؤتمر لإقناع الدول الغنية بإعادة توجيه حقوق السحب الخاصة في صندوق النقد الدولي بحيث تزيد المخصصات لإفريقيا إلى 100 مليار دولار، إلى جانب إعرابه عن الحاجة إلى مساعدة إفريقيا في تسريع حملتها للتلقيح ضد فيروس كورونا. وأن المجتمع الدولي يجب أن يهدف إلى تلقيح 40٪ من سكان إفريقيا ضد (كوفيد-19) بحلول نهاية عام 2021.

2- آمال كبيرة ومكاسب متواضعة:

تمثلت أبرز نتائج القمة في اتفاق الدول المشاركة على ضرورة تخصيص حزمة من المساعدات المالية لخلق المحفزات الاقتصادية التي تحتاجها دول القارة الإفريقية، إلى جانب التوافق بشأن العمل باتجاه إقناع الدول الغنية بإعادة تخصيص 100 مليار دولار من احتياطيات حقوق السحب الخاصة لدى صندوق النقد الدولي بحلول أكتوبر القادم إلى الدول الإفريقية. من ناحية أخرى، أوضح البيان الختامي للقمة أهمية بلورة رؤية مشتركة لدعم القارة الإفريقية خلال جائحة كورونا، مع الإسراع في إنتاج التقنيات الطبية المرتبطة بالجائحة مثل اللقاحات والتحاليل والعمل على توزيعها العادل في القارة.

وتم التوافق خلال القمة على أهمية بلورة رؤية مشتركة لدعم القارة الإفريقية خلال جائحة (كورونا)، بما يشمل موارد من القطاع الخاص ومبادرات لتعظيم التمويل الميسر المتاح للقارة من خلال المؤسسات الإنمائية الدولية والمانحين على المستوى الثنائي، مع الإسراع بإنتاج التقنيات الطبية المرتبطة بالجائحة مثل اللقاحات والتحاليل والعمل على توزيعها العادل في القارة، ومناقشة الإصلاحات الاقتصادية الداعمة للنمو المستدام للدول الإفريقية، ومن ضمنها تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتمويل مناخ الاستثمار والإدارة الضريبية ودعم ريادة الأعمال.

وتبدو كل هذه المكاسب متواضعة، بالنظر إلى الآمال التي علّقها كثير من الأفارقة على إسقاط ديون القارة أو جزء منها، في ظل وضع اقتصادي متأزم فرضته ظروف انتشار فيروس كورونا، خاصة وأن الدين العام لإفريقيا جنوب الصحراء من المتوقع أن يصل إلى نحو 800 مليار دولار في عام 2022، بما يعادل 42% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة وفقًا لتوقعات صندوق النقد الدولي، وهو رقم بالرغم من كبره إلا أنه لا يمثل 0.25% من الدين العالمي الذي يصل إلى نحو 300 تريليون دولار، في الوقت الذي يصل فيه الدين العام للولايات المتحدة وحدها 129% من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي فديون إفريقيا صفقة ليست بالكبيرة بالنسبة للمجتمع الدولي، لكنها تقف عائقًا أمام تنمية الدول الإفريقية، التي تحتاج إلى تمويل ضخم لبناء صناعة حقيقية، لكنها تواجه صعوبة في اللجوء إلى الديون الخارجية، نتيجة تكلفتها المرتفعة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يثير قلق البلدان الإفريقية هو القضية الملحة المتعلقة بالحصول على اللقاحات وعدالة توزيعها، حيث إن حجم الدعم المُوجه إلى القارة يقل كثيرًا عن احتياجاتها الفعلي، على نحو يسهم في تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المُترتبة على الجائحة، مما اضطر كثيرًا من الدول الإفريقية إلى تأخير الجرعة الثانية لأسابيع، نتيجة عدم كفاية المتاح من اللقاحات، مما يبرز أهمية التنازل عن حقوق الملكية الفكرية لتمكين الدول الإفريقية من تصنيع اللقاحات محليًا، كبديل لتوفير الكميات المطلوبة، حيث لن يكون التعافي العالمي من الوباء ممكنًا دون المساواة في الحصول على اللقاح لجميع البلدان، لكن هذا سيعتمد أيضًا على ما إذا كان يمكن للدول الغنية مشاركة التكنولوجيا وما إذا كان بإمكان الشركات المحلية الحصول على تمويل كافٍ لتولي مهمة إنتاج ملايين الجرعات.

وفي هذا السياق، يُذكر أن “ماكرون” سبق وأن دعا الدول الغربية لتقديم 13 مليون جرعة من اللقاحات المضادة لـ(كوفيد-19) إلى الدول الإفريقية، خلال اجتماع مجموعة الدول السبع في فبراير 2021، فعدم العدالة في توزيع اللقاحات سينعكس على مصلحة الفرنسيين والأوروبيين، وفقًا لماكرون لكون هناك أكثر من 10 ملايين مواطن لديهم عائلات على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط.

ثالثًا- مشاركة مصرية قوية:

لم يكن من الممكن أن يمر حدث بمثل هذه الأهمية دون أن تستثمره القياده السياسية المصرية ممثلة في الرئيس “عبدالفتاح السيسي” أفضل استثمار ممكن، فإلى جانب عرضه هموم وآمال القارة الإفريقية وحرصه على دعم السودان إقليميًا ودوليًا، عقد الرئيس المصري “عبدالفتاح السيسي” ونظيره الفرنسي “إيمانويل ماكرون” قمة مصغرة بقصر الإليزيه، بحضور الملك عبدالله الثاني ملك الأردن عبر تقنية الفيديو كونفرانس، دعا خلالها الرئيس “عبدالفتاح السيسي” المجتمع الدولي إلى تكثيف جهوده لحث إسرائيل على وقف التصعيد في الضفة الغربية وقطاع غزة، لإتاحة الفرصة أمام استعادة الهدوء، وتقديم أوجه الدعم المختلفة للشعب الفلسطيني. وأوضح الرئيس “السيسي” أنه لا سبيل للخروج من دائرة العنف المزمن المفرغة إلا بإيجاد حل جذري عادل وشامل يُفضي إلى إقامة دولة فلسطينية يعيش ويتمتع بداخلها الشعب الفلسطيني بكامل حقوقه المشروعة كسائر شعوب العالم، كما أعلن عن تقديم مصر ٥٠٠ مليون دولار، لصالح إعادة إعمار قطاع غزة، نتيجة الأحداث الأخيرة، مع قيام الشركات المصرية المتخصصة بالاشتراك في تنفيذ عملية إعادة الإعمار.

أما قضية سد النهضة التي تُعد حيوية بالنسبة للجانبين المصري والسوداني، فكانت حاضرة خلال اللقاء الثنائي بين الرئيس “عبدالفتاح السيسي” ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق “عبدالفتاح البرهان”، كما استحوذت قضية السد على جزء من مناقشات الرئيس “عبدالفتاح السيسي” مع “ماكرون”، وضمن اللقاءات الثنائية مع القادة الأفارقة، أكد خلالها الرئيس “السيسي” على موقف مصر من ضرورة عقد اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، ورفضها لأي إجراءات أحادية يمكن أن تؤثر سلبًا على أمن المنطقة.

وقد جاءت المشاركة المصرية البارزة في فعاليات قمتي باريس على خلفية العلاقات الوثيقة بين القاهرة وباريس، والدور المصري البارز في دعم السودان، والتوافق في معظم القضايا والملفات الإقليمية بدءًا من مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء الإفريقية، والموقف من الملف الليبي، إلى جانب تقارب وجهات النظر حول التصعيد الأخير في الأراضي الفلسطينية المحتلة.باختصار، فإنه مع عودة الاهتمام الفرنسي بالقارة الإفريقية، وتعدد القضايا التي طرحتها قمة باريس؛ فإن آمالًا إفريقية وسودانية قد تجددت بشأن دعم دولي لاقتصادات الدول الإفريقية التي تعاني من تداعيات تفشي فيروس كورونا، وتحتاج لخطة “مارشال” لإنقاذها وإعادة إعمارها. ومع النتائج المبشرة والوعود التي حملتها القمة للعديد من الاقتصادات الإفريقية، وعلى وجه الخصوص الاقتصاد السوداني؛ فإنها لا تزال في إطار الوعود إلى أن تتحقق، وستظل قضية التوزيع العادل للقاحات حاضرة بقوة في كل المحافل الدولية التي تكون إفريقيا طرفًا فيها، حتى يدرك المجتمع الدولي بأكمله ما أدركته فرنسا من أنه لا أحد ينجو وحيدًا.

هايدي الشافعي
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية