خطة التنقيب الإسرائيلي عن الهيكل أسفل الأقصى لهدمه

مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

تزعم إسرائيل أنها تبحث وتنقب عن بقايا الهيكل الثاني الذي تم هدمه بواسطة الرومان لإعادة بناء الهيكل الثالث في ذات المكان الذي شيد فيه الملك سليمان الهيكل الأول كدار عبادة ثابتة بديلًا لدار العبادة المتنقلة التي رافقت بني إسرائيل في مرحلة التيه في سيناء، وعُرفت (بقُبة الزمان)، وكان يتولى كهانتها النبي هارون وباقي سبط (لاوي) من بني إسرائيل (يعقوب)، فما هي الحقائق وما هي الأكاذيب؟ نجّى الله بني إسرائيل من بطش فرعون، وعبروا الخليج أو النهر إلى سيناء، وأغرق الله جيش فرعون الذي تعقّبهم، في مثال مادي على قدرة الله اللا نهائية، ولم يشكر معظم بني إسرائيل تلك النعمة وما…

لواء دكتور/ محمد قشقوش
مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

تزعم إسرائيل أنها تبحث وتنقب عن بقايا الهيكل الثاني الذي تم هدمه بواسطة الرومان لإعادة بناء الهيكل الثالث في ذات المكان الذي شيد فيه الملك سليمان الهيكل الأول كدار عبادة ثابتة بديلًا لدار العبادة المتنقلة التي رافقت بني إسرائيل في مرحلة التيه في سيناء، وعُرفت (بقُبة الزمان)، وكان يتولى كهانتها النبي هارون وباقي سبط (لاوي) من بني إسرائيل (يعقوب)، فما هي الحقائق وما هي الأكاذيب؟

نجّى الله بني إسرائيل من بطش فرعون، وعبروا الخليج أو النهر إلى سيناء، وأغرق الله جيش فرعون الذي تعقّبهم، في مثال مادي على قدرة الله اللا نهائية، ولم يشكر معظم بني إسرائيل تلك النعمة وما تلاها من نِعم، بل عصوا نبيهم سيدنا موسى وأخاه سيدنا هارون، وزادوا في عصيان الله باشترطهم ألا يؤمنوا حتى يروا الله جهرًا فعاقبهم الله، وكان من ضمن العقاب أن يتيهوا في أرض سيناء لمدة أربعين عامًا قبل دخول الأرض المقدسة (هضبة التيه في جنوب وسط سيناء وحول منابع وادي العريش/ النهر العظيم كما في التوراة).

تنزلت الأسفار الخمسة الأولى من التوراة في حياة سيدنا موسى قبل وفاته في التيه حيث سبقه هارون، وهي: (التكوين، الخروج، التثنية، الملوك، العَدد)، أما الأسفار التسعة والثلاثون المتبقية فقد كتبها التلاميذ والتابعون.

في سفر العَدد تم عَدّ كل سبط من الأسباط (الأبناء الاثنا عشر، كلٌّ على حدة) لتكوين الجيش، إلا سبط لاوي ومنه موسى وهارون فكان سبط عبادة وكهانة وله المسئولية الكاملة عن دار العبادة (قبة الزمان) في إقامتها عند الثبات وطيها وحملها عند الترحال. وهي عبارة عن خيمة كبيرة ذات دعامات خشبية خاصة بمقاسات محددة مذكورة في التوراة بدقة وتفصيل، حيث كان يتلقى موسى عند بابها كلام ربه من خلال الغيم (كان إجمالي عَدد بني إسرائيل في تلك المرحلة قرابة نصف مليون على الأرجح).

دخل بنو إسرائيل بعد التيه إلى الأرض المقدسة تحت قيادة “يوشع بن نون” وهو فتى موسى في قصة الخضر، وتم حَط الرحال لقبة الزمان في أورشليم (القدس القديمة) في مكان يُعتبر قريبًا من مكان المسجد الأقصى وقتها ومن مسجد قبة الصخرة (المثمن الشكل ذي القبة الذهبية) الذي لم يكن قد بُني بعد، وبُني لاحقًا بعد الفتح الإسلامي، حيث يخلط الكثيرون بينه وبين المسجد الأقصى. وظلت قبة الزمان هكذا على حالتها الأولى حتى مملكة داود، إلى أن جاء ابنه الملك سليمان فخاف عليها من التقادم والتهالك، فبنى حولها (هيكلًا) من الحوائط السميكة وفوقها قبة مذهبة لتُرى من بعيد بانعكاس الشمس عليها. ولأنّ سليمان كان مغرمًا بالخيل (كما حكى القرآن) فقد اتخذ من المبنى السفلي المجاور لبيت المقدس ويفصل بينه وبين الهيكل، اتخذ منه مكانًا لإيواء خيله (إسطبل)، حيث اتخذت بعض الجماعات اليهودية المتطرفة من ذلك اسمًا لها وهو (فرسان الهيكل). مما يجزم بفصل الهيكل عن المسجد الأقصى.

بوفاة سليمان المدعومة بآيات الله وقدرته، ضعفت المملكة وتجزأت ثم ابتعدت عن المنهج الإلهي فحق عليهم وعد العقاب الأول (597-586 قبل الميلاد) بالاجتياح البابلي بقيادة (نبوخذ نصر) فقتلوا وأسروا ودمروا الهيكل “فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ” (كما نَصْ القرآن) وسرقوا مقدساته وأهمها التابوت الذي يحوي الألواح وعصا موسى وبردة عبادة هارون، والذي أعاده الله بقدرته لاحقًا برهانًا على اختيار الله لطالوط (شاؤول في التوراة) ملكًا لهم حيث كانوا يرفضونه، كَنص القرآن: “إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ”.

بانتصار الفرس على بابل بقيادة ملكهم (قورش) الذي يقدسه بنو إسرائيل، حيث خيرهم بين العودة إلى أورشليم أو البقاء في فارس، فبقي البعض وذهب البعض، الذين أعادوا بناء الهيكل الذي أُطلق عليه (الهيكل الثاني)، ليبقى تساؤل: ما هي حقيقة العلاقة الحالية بين إسرائيل وإيران (وريثة فارس) ونحن نرى معظم كبار القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيلين من جذور فارسية/إيرانية؟ فهل هي علاقة عداء كما يبدو ظاهرها؟ أم أن باطنها يحمل غير ذلك؟ مجرد سؤال ذي إجابات مفتوحة.

في عصر المسيح -عليه السلام- كآخر أنباء ورُسل بني إسرائيل من آل عِمران، عَلِم في بلدته الناصرة أن حرمات بيت الله (الهيكل الثاني) في أورشليم يتم انتهاكها، بعد أن ضعفت عقيدة موسى وكادت أن تزول، فتوجه إلى أورشليم وتعرّف من انعكاس الشمس على قبة الهيكل الذهبية فقصدها مباشرة، وهناك كانت المفاجأة، حيث يروي الحواريون أن تلك كانت المرة الأولى التي يخرج فيها المسيح بشدة عن طباعه الهادئة الوقورة السمحة المسالمة، ليستخدم لسانه ويده وربما قدمه، لإخراج من وما في بيت العبادة من ماشية وأغنام ودواجن وكل شيء دنس بيت الله وقدسيته وحوله إلى سوق مستباح.

وهنا صعد المسيح -عليه السلام- إلى صخرة مرتفعة ومشرفة على الهيكل، وخطب في بني إسرائيل خطبة هامة يُحيي بها عقيدة موسى عليه السلام، وينقذها من الاندثار والتشتت، ويذكّرهم بمنهج الله وتقديس بيته.

وهنا تهمنا الجغرافيا كما التاريخ، حيث مكان صخرة خطبة المسيح عليه السلام هو مكان مسجد قبة الصخرة الذي بُني لاحقًا بعد الإسلام قريبًا من مكان الهيكل، ويبعد عن مكان المسجد الأقصى الذي بني قبل الإسلام بزمن بعيد. كما يُعتقد أن تلك الصخرة كانت بدء معراج النبي محمد، عليه الصلاة والسلام.

انقسم اليهود بعد كلمة المسيح -عليه السلام- إلى فريقين؛ الفريق الأصغر يؤيده، أما الأكبر من الحاخامات الذين غرتهم الدنيا واستباحوا الهيكل فازداد عداؤهم للمسيح الذي بدأ منذ مولده المُعْجِز، رغم أنهم يعرفون بقدومه وبقدوم محمد صلى الله عليه وسلم من بعده، لأن الله ينبئ أنبياءه بما هو آتٍ، لأن المسيح سوف يسلبهم وضعهم الديني والدنيوي، فوشوا به لدى الرومان المحتلين بتهمة الكذب وادعاء النبوة وتقسيم الشعب، فقُدّم للمحاكمة وحُكِم عليه بالصلب ليخلوا لهم المجال، وقد استمر نزاعهم مع أقليتهم المؤمنة فاستعدوا عليهم الرومان الذين قاموا بمحاربتهم وهدم وتدمير هيكلهم الثاني، وذلك عام 70 ميلادية وبعد المسيح بـ37 عامًا (عمر المسيح عليه السلام 33 عامًا منها 3 سنوات في الدعوة).

بعد المسيح عليه السلام بقرابة ستة قرون أتى الإسلام وانتشر من الجزيرة العربية إلى بقاع شتى، ومنها القدس، وحافظ على ما بها من مقدسات دينية مسيحية لعل أهمها كنائس المهد (الميلاد) والقيامة السيدة مريم، ولعلنا نذكر رفض عمر بن الخطاب أمير المؤمنين الصلاة داخل الكنيسة عندما حل وقتها وصلى خارجها حتى لا يقلده الآخرون، عندما ذهب لاستلام مفاتيح القدس من البطريرك الأكبر بها بناء على طلب الأخير، كما أعطى (العهد العمري) للأمن والسلام. وأيضًا حافظ الإسلام على التراث الذي ذكره القرآن عن بيت المقدس الموجود قبل الإسلام بزمان ومبارك حوله (وتعرفه أجيال قريش قبل البعثة النبوية)، ولم يكن هناك أثر للهيكل الثاني اليهودي وإلا لحافظ عليه الإسلام كما حافظ على باقي دور العبادة للديانات السماوية.

توالت أحداث التاريخ على فلسطين والقدس بالحروب الصليبية وهزيمتهم، ثم الدولة العثمانية وهزيمتها في الحرب العالمية الأولى 1914-1918، ليحل محلها الحلفاء المنتصرون في شكل انتداب (استعمار مقنع)، وكانت فلسطين من نصيب بريطانيا وكذلك مصر والسودان والأردن والعراق، وكان ذلك أفضل غطاء للهجرات اليهودية العادية والمسلحة تنفيذًا لقرارات مؤتمر بازل ووعد بيلفور، والتي أخلت بالتوازن بين الفلسطينيين العرب والفلسطينيين اليهود ومن هاجروا ومنحوا الجنسية الفلسطينية، واشتكى الانتداب البريطاني بأنه لم يعد يستطيع السيطرة، ويقترح على الأمم المتحدة الوليدة 1945 أن تُقسم فسلطين إلى دولتين فيما بينهما على أن تبقى القدس موحدة تحت الانتداب، وهو ما كان بقرار التقسيم للأمم المتحدة رقم 181 في نوفمبر 1947 ليكون للعرب 44% ولليهود 56% تقريبًا. وبعد مضي تلك السنين وحتى الآن يمتلك الفلسطينيون حوالي 17%، وتحت الاحتلال!

تولّى الأردن إدارة القدس بعد الانتداب وحتى سقوطها واحتلالها عام 1967، ومنذ هذا التاريخ وحتى الآن 2021 (54) عامًا لم يتوقف التنقيب للبحث عن الهيكل في المكان الخطأ أسفل المسجد الأقصى بهدف إسقاطه، فكيف مع كل تكنولوجيا الجيولوجيا والتصوير والبصمة الحرارية وصدى الصوت (إيكو) في كل هذه المدة الزمنية لم يتم العثور على أسوار ضخمة قياسًا بالجزء الموجود منها (حائط المبكى/البراق)!

إن العالم والمنظمات الدولية المعنية بالحضارة الإنسانية تبحث وتخلد مباني وآثارًا بسيطة تعتبرها من التراث الإنساني، فما بالنا بأماكن لها قدسيتها في الديانات السماوية، كما لا تحرم تلك الجهات اليهود من البحث عن هيكلهم بشرط وضوح الهدف والنوايا، والتي تبدو مُستهدِفة إسقاط وهدم المسجد الأقصى.

حمى الله المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله.

لواء دكتور/ محمد قشقوش
مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب