وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

رأس المال الاجتماعي المظلم: جماعة الإخوان نموذجًا

تلعب الروابط الاجتماعية دورًا هامًا في بناء شبكات ثقة وتعزيز القيم المشتركة داخل المجتمع، غير أنها قد تحمل عددًا من التداعيات السلبية حال توظيفها من قبل التنظيمات الإرهابية، إذ تمثل قيمة مضافة لهذه التنظيمات عبر زيادة الترابط والتشابك بين أعضائها، فضلًا عن توفير مساحة من الأمان وحرية الحركة. أدركت جماعة “الإخوان” فعالية هذه الروابط من أجل بناء كيانها التنظيمي. ولذلك اتخذت عددًا من الخطوات لتفعيل العلاقات والروابط الاجتماعية بين عناصرها لربط العضو اجتماعيًا وتنظيميًا بها عبر دمجه في الأسر الأيديولوجية أو البيولوجية. وارتباطًا بهذا الطرح أصبح لرأس المال الاجتماعي جوانب سلبية ومظلمة نجحت جماعة “الإخوان” في توظيفها والاستثمار فيها. الإخوان…

تقى النجار
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

تلعب الروابط الاجتماعية دورًا هامًا في بناء شبكات ثقة وتعزيز القيم المشتركة داخل المجتمع، غير أنها قد تحمل عددًا من التداعيات السلبية حال توظيفها من قبل التنظيمات الإرهابية، إذ تمثل قيمة مضافة لهذه التنظيمات عبر زيادة الترابط والتشابك بين أعضائها، فضلًا عن توفير مساحة من الأمان وحرية الحركة.

أدركت جماعة “الإخوان” فعالية هذه الروابط من أجل بناء كيانها التنظيمي. ولذلك اتخذت عددًا من الخطوات لتفعيل العلاقات والروابط الاجتماعية بين عناصرها لربط العضو اجتماعيًا وتنظيميًا بها عبر دمجه في الأسر الأيديولوجية أو البيولوجية. وارتباطًا بهذا الطرح أصبح لرأس المال الاجتماعي جوانب سلبية ومظلمة نجحت جماعة “الإخوان” في توظيفها والاستثمار فيها.

الإخوان بين الأُسر الأيديولوجية والبيولوجية

لجأت جماعة “الإخوان” إلى أداتين أساسيتين لتشكيل روابطها الاجتماعية، ويمكن استعراضهما على النحو التالي:

الأسر الأيديولوجية: سعى “حسن البنا” منذ تأسيسه جماعة “الإخوان” إلى وضع الإطار الإداري والهيكل السياسي لها، عبر تدشينه نظام “الأسر” لإحكام السيطرة على الجماعة من جهة، وترسيخ المنهج الأيديولوجي والتنظيمي لعناصرها من جهة أخرى. وتتكون الأسرة لدى تنظيم الإخوان من 5 إلى 10 أفراد، وتترابط كل مجموعة من “الأسر” لتكون “شعبة”، وتجتمع كل مجموعة من “الشُّعَب” لتكوّن “منطقة”، إلى آخر التشكيلات الإخوانية، على أن يتولى إدارة “الأسرة” شخص يسمى “النقيب” وهو المسئول عن الإعداد الأيديولوجي والتربوي والثقافي لأفراد الأسرة، بجانب مسئوليته عن تقييم الأعضاء وتحديد مستواهم من أجل تصعيدهم من مرحلة إلى أخرى.

الأسر البيولوجية: أدرك “حسن البنا” أهمية علاقات النسب لتعريز الروابط بين عناصر التنظيم، إذ كانت المصاهرة من أهم آليات بناء الجماعة، فضلًا عن كونها عاملًا هامًا في زيادة تماسكها وتعضيد نفوذها. فبدأ “البنا” بنفسه وتزوج من “الصولي”، التي تُعد من كبرى العائلات في الإسماعلية، ثم تعزز هذا التوجه خلال فترة الستينيات نتيجة وجود عدد من أعضائها في السجون، مما أتاح لهم فرصه التعارف وإقامة علاقات النسب بينهم، إلى أن استمر إلى وقتنا هذا. وعند الحديث عن ظاهرة التزاوج الإخواني لا يُمكن غض الطرف عن الدور الذي يلعبه قسم “الأخوات” في هذا الصدد، إذ يُعد من أهم أدواره تعزيز ودعم شبكة الجماعة الاجتماعية.

وبالتالي، يمكن القول إن جماعة “الإخوان” استخدمت الروابط الاجتماعية من أجل تحقيق أهدافها، إذ إنها أطلقت تسمية “الأسر” على خلايا التنظيم لإضفاء البعد الإنساني والاجتماعي عليها، حيث وظّفت –من جانب- تلك الكيانات من أجل نشر أيديولوجيتها المتطرفة. ومن جانب آخر، استغلت الدور الطبيعي للأسر البيولوجية من أجل جعلها النواة الفعلية للجماعة.

دوافع متعددة

هناك جُملة من الدوافع التي تفُسر ذلك التوجه من قبل جماعة “الإخوان”، ويمكن تناولها على النحو التالي:

سهولة التجنيد: تلعب الروابط الاجتماعية المشتركة دورًا كبيرًا في تسهيل عملية التجنيد، ولا سيما مع وجود تشابه في الخلفيات الاجتماعية والنسق القيمي والمعرفي للأفراد. كما تعطي العلاقات الوطيدة بين الأفراد فرصة للتعرف على السمات الشخصية ونقاط الضعف والقوة بها، مما يُمثل مدخًلا هامًا في عملية الاستقطاب والتجنيد.

زيادة التماسك: تؤدي العلاقة الاجتماعية المتشابكة وتوسيع صلات القرابة إلى زيادة تماسك الجماعة وصعوبة اختراقها، ولا سيما في ضوء وجود رصيد مشترك من الثقة والهوية الجماعية بينهم، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز الشعور بالمسئولية لدى كل فرد من أفرادها، فضلًا عن توسيع مساحات الأمان وحرية الحركة.

صعوبة الاختراق: تقلل الروابط الاجتماعية وعلاقات النسب والمصاهرة من تعاون الأفراد مع الأجهزة الأمنية نتيجة لوجود إرث اجتماعي ونفسي مشترك من ناحية، ووجود عاطفة تحول دون إلحاق الضرر بالأقارب والأصدقاء من جهة أخرى. ومن ثم يمثل رأس المال الاجتماعي داخل التنظيمات الإرهابية تحديًا لأجهزة الأمن والاستخبارات نتيجة لصعوبة اختراقها.

تكوين مجتمعات مغلقة: تسعى الجماعة إلى تكوين مجتمعات مغلقة لعناصرها، عبر جعل الجميع داخل التنظيم مرتبطين ومتشابكين بفعل تأسيس نسق اجتماعي يوحدهم، الأمر الذي من شأنه تكوين مجتمعات شبيهة بالجيتو، يشعر أعضاؤها بأنهم مختلفون عن باقي أفراد المجتمع، ويخشون من الذوبان فيه، فضلًا عن شعورهم بالتميز والنقاء الفكري والعقائدي المتوهم.

دلالات أساسية

بناءً على ما تقدم، هناك جُملة من الدلالات يمكن استعراضها على النحو التالي:

أولًا: يساعد تكوين منظور واسع للظاهرة الإرهابية على الفهم الشامل للطبيعة المعقدة لنشاط التنظيمات الإرهابية، ولا سيما جماعة الإخوان، فبالرغم من أهمية العوامل الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية في فهم الظاهرة الإرهابية فلا يمكن فصل البعد الاجتماعي عن الأبعاد الثلاثة الأخرى، خاصه مع قيام العوامل الاجتماعية بدور بارز في عملية التجنيد وتعزيز الانتماء للجماعة، إذ يُعد الكيان الاجتماعي هو القاعدة الأساسية للبناء التنظيمي.

ثانيًا: وظفت جماعة “الإخوان” رأس المال الاجتماعي لإنشاء كيانات موازية خاصة بها تسعى لتكون بديلًا للدولة والمجتمع بالنسبة لأفرادها، وذلك عبر تدشين تنظيم هرمي يعتمد على القناعات الأيديولوجية وشبكة من الروابط الاجتماعية. وقد امتدت تلك الاستراتيجية إلى أوروبا، مما خلق تهديدًا للدول الأوروبية نتيجة لرفض تلك المجتمعات الموازية لفكرة “الاندماج” داخل المجتمع الأوروبي.

ثالثًا: على الرغم من أن جماعة “الإخوان” استغلت العلاقات الاجتماعية لتعزيز نفوذها، غير أن إساءة توظيفها لتلك العلاقات داخلها ساهم في إحداث خلل تنظيمي داخلي، إذ تم إسناد المناصب القيادية بها لأهل الثقة ممن تربطهم علاقات عائلية بالقيادات، فكان من أهم محددات دخول مكتب الإرشاد علاقات النسب والصداقة الشخصية. بعبارة أخرى، يمكن القول إن العلاقات الاجتماعية كانت مدخلًا رئيسيًا للترقي داخلها، مما أسفر عن حدوث انشقاقات اعتراضًا على هذا النهج.

رابعًا: نتج عن المجتمعات المغلقة التي دشنتها الجماعة والتي قامت على مفهومي “الحاكمية” و”الجاهلية” تفشي حالة “العزلة الشعورية” بين أعضائها، وذلك لقناعتهم بأنهم وحدهم من يمثلون الدين، فهم طبقًا لرؤيتهم الذاتية أفضل من باقي المجتمع؛ الأمر الذي ترتب عليه انفصالهم الشعوري الكامل عن المجتمع المصري، وهو ما يفسر احتفاء عناصر الجماعة بأي فاجعة تصيب المصريين، وحسرتهم حال قيام الدولة المصرية بتحقيق نجاحات وإنجازات.

خامسًا: يمثل الدور المتطرف للأسرة البيولوجية داخل جماعة الإخوان عائقًا أمام برامج إزالة التطرف، فعلى الرغم من وجود دراسات تربوية تشير إلى أن الأسر يمكن أن تشكل عاملًا وقائيًا ضد الميول المتطرفة لأبنائهم، تجادل دراسات أخرى حول دور الأسر في تعزيز التطرف لدى أبنائهم إذا كانوا يتبنون أيديولوجيا متطرفة. 

وبالتالي، تنصرف تداعيات هذا الدور المحوري الذي تلعبه الأسر في حياة الأبناء بصفه عامة، وداخل جماعة “الإخوان” بصفة خاصة، إلى عجز تلك البرامج عن تحقيق أهدافها، وذلك نتيجة لصعوبة نزع عقيدة التطرف التي تم غرسها من قبل الأسرة من ناحية، بجانب احتمالية سعيها إلى عرقلة مشاركة أبنائها من ناحية أخرى.

سادسًا: يوفر رأس المال الاجتماعي لجماعة “الإخوان” منظومة متكاملة لإعادة إنتاج الإرهاب وتوريث منظومتها الفكرية من جيل لآخر. ويعد أبرز النماذج في هذا الصدد “عبدالفتاح إسماعيل” وعائلته، إذ حُكم عليه بالإعدام في قضية “تنظيم 65″، غير أن أبناءه وأحفاده أكملوا مسيرته في التطرف، إذ أسس ابنه “نجيب إسماعيل” خلية تكفيرية، وبايعت ابنته “أمل إسماعيل” تنظيم “داعش”، وانضم حفيده “سهيل الماحي” لحركة “حسم” الإرهابية. مجمل القول، عملت جماعة “الإخوان” على توظيف الروابط الاجتماعية وعلاقات النسب والمصاهرة من أجل تعزيز نفوذها، حيث تشعبت العلاقات داخل الجماعة وانعكس ذلك على تغلغلها داخل المجتمع، الأمر الذي يؤكد على ضرورة التركيز على الأبعاد الاجتماعية في فهم وتحليل نشاط التنظيمات الإرهابية بصفة عامه، وجماعة “الإخوان” بصفة خاصة.

تقى النجار
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة