وحدة الدراسات الاقتصادية

صندوق مصر السيادي وأهداف التنمية المستدامة

بالرغم من تزايد الاهتمام بصناديق الثروة السيادية في السنوات الأخيرة إلا أنها موجودة منذ عقود، حيث تم إنشاء أول صندوق من نوعه وهو “هيئة الاستثمار الكويتية” عام 1953 لاستثمار عائدات النفط وذلك لصالح الأجيال القادمة. ومع مرور الوقت حذت العديد من الحكومات حذو دولة الكويت، وأنشأت مجموعة متنوعة من الأدوات المالية لإدارة الأصول المالية المملوكة للدولة، وتأتي أموال تلك الصناديق من الفوائض التجارية للبلدان، ومن فوائض الميزانية، وعوائد الاستثمار، ورسوم تأجير الأراضي، ومصادر أخرى. هذا وقد تسارع نمو صناديق الثروة السيادية بعد عام 2002، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى ارتفاع أسعار البترول، وتزايد فوائض الحساب الجاري، ومؤخرًا ارتفاع أسعار السلع…

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية

بالرغم من تزايد الاهتمام بصناديق الثروة السيادية في السنوات الأخيرة إلا أنها موجودة منذ عقود، حيث تم إنشاء أول صندوق من نوعه وهو “هيئة الاستثمار الكويتية” عام 1953 لاستثمار عائدات النفط وذلك لصالح الأجيال القادمة. ومع مرور الوقت حذت العديد من الحكومات حذو دولة الكويت، وأنشأت مجموعة متنوعة من الأدوات المالية لإدارة الأصول المالية المملوكة للدولة، وتأتي أموال تلك الصناديق من الفوائض التجارية للبلدان، ومن فوائض الميزانية، وعوائد الاستثمار، ورسوم تأجير الأراضي، ومصادر أخرى. هذا وقد تسارع نمو صناديق الثروة السيادية بعد عام 2002، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى ارتفاع أسعار البترول، وتزايد فوائض الحساب الجاري، ومؤخرًا ارتفاع أسعار السلع بجميع أنواعها.

ويُعد صندوق مصر السيادي من أحدث هده الصناديق، وتم إنشاؤه بهدف المساهمة في التنمية الاقتصادية المستدامة من خلال إدارة أموال الدولة وأصولها، وتحقيق الاستغلال الأمثل لها وفق أفضل المعايير والقواعد الدولية لتعظيم قيمتها لصالح الأجيال القادمة.

أولًا: نشأة صندوق مصر السيادي

تأسس الصندوق السيادي بموجب القانون رقم 177 لسنة 2018، وصدر نظامه الأساسي في فبراير بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 500 لسنة 2019، وذلك بهدف جذب الاستثمارات الخاصة إلى مصر، وتشجيع الاستثمار المشترك في الأصول المملوكة للدولة لتعظيم قيمتها، والمساهمة في نمو الاقتصاد المصري، وبناءً عليه يحقّ لصندوق مصر السيادي التعاون والمشاركة مع الصناديق النظيرة العربية والأجنبية والمؤسسات المالية المختلفة.

وتشمل أصول الصندوق المحولة إليه، وفق أحكام هذا القانون، الأراضي غير المستغلة والأصول المعمارية (المباني)، وبشكل خاص تلك التي لم يتم استغلالها بالشكل الأمثل خلال العقود الماضية، والتي تمثل أحد المصادر الرئيسية للصندوق، كما تشمل موارد الصندوق: (1) رأس مال الصندوق الذي يمثل 5 مليارات جنيه مصري. (2) عوائد استثمار أمواله واستغلال أصوله. (3) قروض وتسهيلات يحصل عليها، وعائدات إصدار سندات وأدوات مالية أخرى. و(4) الموارد الأخرى التي يوافق عليها مجلس الإدارة كل حالة على حدة، ويصدر قرار من رئيس مجلس الوزراء بقبولها.

وفي يونيو 2020، أعلن البرلمان المصري رسميًا الموافقة المبدئية على تعديل بعض أحكام القانون رقم 177 لسنة 2018، وتهدف هذه التعديلات إلى رفع كفاءة وفعالية أداء الصندوق لدعم الاقتصاد القومي، إلا أنه لم يتم التصديق على هذه التعديلات بعد، يتضمن التعديل المقترح للقانون توسيع مظلة الإعفاء الضريبي لتشمل إعفاء الصناديق التي يساهم فيها الصندوق السيادي المصري بأكثر من 50٪ من رأس مالها من دفع ضريبة القيمة المضافة، ويهدف هذا القرار إلى جذب واستهداف مجموعة مختارة من المستثمرين مثل جهاز أبوظبي للاستثمار من خلال شركاتها الفرعية المملوكة بالكامل، وتحفيز صناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد من أجل زيادة التزاماتها أو مخصصاتها. وأضاف مشروع القانون أيضًا اختصاصًا لمجلس إدارة الصندوق للسماح لبيوت الخبرة الدولية بتقييم الأصول، في إطار رؤية مصر 2030 للتنمية.

كما كان من بين التعديلات المقترحة إضافة مادة تهدف إلى تغيير اسم الصندوق من “الصندوق المصري” إلى “الصندوق السيادي المصري للاستثمار والتنمية”، بحيث يعبر اسم الصندوق عن الغرض من إنشائه وطبيعة عمله، بالإضافة إلى تقنين اللجوء إلى التنسيق المعلن بين الجهات المختصة، وعلى وجه الخصوص الجهات المالكة للأصول في حال رغبة الصندوق في ضمها، وتعني هذه التعديلات المقترحة أن مصر أصبحت أكثر تحديدًا في تحقيق مهمة الصندوق، حيث أعلن بوضوح في سبتمبر 2020 أن الصندوق يهدف إلى الاستثمار دون الضغط على ميزانية الدولة.

ووفقًا لصندوق مصر السيادي فإن الصندوق يُدار بشكل مستقل من قبل كبار المسئولين التنفيذيين من القطاع الخاص، وهم مكلفون باختيار الأصول العامة بالتعاون مع مختلف أجهزة الدولة، وتطويرها مع المستثمرين المحليين والأجانب والشركاء الماليين من أجل تعظيم قيمتها وزيادة دور القطاع الخاص في الاقتصاد وخلق فرص عمل للشباب المصري.

ثانيًا: الصناديق الفرعية للصندوق السيادي المصري

تتم إدارة فرص الاستثمار في صندوق مصر السيادي من خلال الصناديق الفرعية القطاعية أو الخاصة بالشركاء، مع هياكل قانونية تخص كل صندوق، وعمليات الاستثمار طبقًا لاختصاصات كل صندوق فرعي، ومن هذه الصناديق الفرعية:

  • صندوق مصر الفرعي للخدمات المالية والتحول الرقمي: الغرض من الصندوق هو الاستثمار في مجال الخدمات المالية غير المصرفية، والتحول الرقمي، والشمول المالي، والتكنولوجيا المالية، بما في ذلك خدمات التأمين، ووساطة التأمين، والتمويل العقاري، والتأجير التمويلي، والتخصيم التجاري، والتمويل الأصغر، وإدارة المحافظ، والاستثمارات المالية والتوريق وإنشاء الصناديق المتخصصة في مجال التمويل.
  • الصندوق المصري الفرعي للمرافق والبنية التحتية: الغرض من الصندوق هو الاستثمار في المرافق والبنية التحتية وفقًا لمعايير وقواعد عالمية المستوى، من خلال التعاون والمشاركة مع الصناديق الزميلة من جميع أنحاء العالم.
  • صندوق مصر الفرعي للخدمات الصحية والصناعات الدوائية: الغرض من الصندوق هو الاستثمار في مجال الخدمات الصحية والصناعات الدوائية التي تلتزم بالمعايير العالمية.
  • صندوق مصر الفرعي للسياحة والاستثمار العقاري وتنمية الآثار: الغرض من الصندوق هو الاستثمار في السياحة والعقارات وتطوير الآثار والمباني ذات الطابع المعماري المميز، وفق أفضل المعايير والقواعد العالمية.

ثالثًا: دور صندوق مصر السيادي في تمويل المشروعات الاستثمارية

تأمل السلطات المختصة أن يلعب صندوق الثروة السيادية في مصر دورًا هامًا في تعزيز استثمارات القطاع الخاص في السوق المصرية، كما يتطلع الصندوق السيادي المصري إلى الأصول العقارية المحتملة، بما في ذلك المباني المملوكة للحكومة في وسط القاهرة والتي سيتم إخلاؤها بمجرد الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة، وهناك خيارات أخرى في مجالات التعدين والبتروكيماويات وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعمل الحكومة المصرية على خطة متكاملة للاستفادة من كافة مواردها بشكل جدير بالمتابعة، ففي سبتمبر الماضي صدر قرار الرئيس عبدالفتاح السيسي رقم 459 لسنة 2020، والذي تضمن إزالة المنفعة العامة من الممتلكات العامة للدولة الواردة في المادة الثانية من هذا القرار، واشتملت المادة الثانية من القرار على نقل ملكية العقارات، والتي يتم توضيحها لاحقًا وفقًا للخرائط والإحداثيات المرفقة لصالح صندوق مصر.

هذا وقد تلقّى الصندوق سبعة عروض من مستثمرين لشراكات محتملة في مجال الرعاية الصحية والأدوية ومشاريع التصنيع الزراعي ويعمل الصندوق أيضًا على حشد اهتمام المستثمرين في الخليج، ويجري حاليًا محادثات مع عُمان للتعاون، كما تم إطلاق منصة استثمار مشتركة بين الصندوق السيادي المصري والإمارات العربية المتحدة ممثلة في شركة أبوظبي التنموية القابضة بقيمة 20 مليار دولار، وتهدف المنصة إلى تنفيذ مشاريع حيوية في مجالات ذات جدوى اقتصادية واجتماعية كبيرة لكلا البلدين، خاصة في مجال الخدمات اللوجستية، والخدمات المالية، والبنية التحتية، وكذلك الصناعات التحويلية، والطاقة التقليدية والمتجددة، والتكنولوجيا، والغذاء، والعقارات، والسياحة، والرعاية الصحية.

وفي مارس 2021، بدأ صندوق مصر السيادي خطواته نحو دعم استراتيجية التنمية المستدامة للدولة من خلال خلق قيمة من الأصول غير المستخدمة لدعم قطاع التعليم المصري، ووفقًا لذلك وقّع الصندوق مذكرة تفاهم لتطوير وتشغيل مدرستين قوميتين متميزتين غرب القاهرة، والتي سيتم بناؤها على مساحة تزيد على 30،000 متر مربع، وبسعة 2500 طالب لكل منهما. لذلك، يسعى الصندوق حاليًا إلى تحقيق أهداف متعددة في تعظيم الاستفادة من أصوله من خلال الاستثمار في التنمية، مع ملاحظة أن قطاع التعليم في مصر يُعتبر بالفعل قطاعًا جذابًا للمستثمرين المحليين والعالميين.

كما أعلن صندوق مصر السيادي أن مصر بدأت محادثات حول خطط لبيع الكهرباء لأوروبا وإفريقيا، واستخدام ميزتها كمنتج للطاقة المتجددة الرخيصة في محاولة لتصبح مركزًا إقليميًا للتصدير، من أجل استغلال الفائض المتاح من الكهرباء المصرية.

رابعًا: إنجازات الصندوق حتى الآن

في فبراير 2020، وقّع الصندوق السيادي المصري اتفاقية تعاون مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للاستثمار في شركاته المختلفة، حيث تم اختيار شركتين هما الشركة الوطنية لتعبئة المياه الطبيعية (صافي)، وشركة البترول الوطنية للاستثمار.

وفي مايو 2020، تم توقيع مذكرة تفاهم بين الصندوق السيادي المصري وشركة كونكورد لإدارة الاستثمار الدولي لتأسيس شركة مشتركة لإدارة صندوق متخصص في قطاع الرعاية الصحية. حجم الصندوق المستهدف هو 300 مليون دولار كمرحلة أولية، ويهدف إلى تعظيم القيمة طويلة الأجل للأصول من خلال الاستفادة من فرص الاستثمار المباشر في مصر.

وفي يونيو 2020، وقّع الصندوق عقد تطوير المناطق الأثرية بقلعة صلاح الدين الأيوبي بهدف إحياء المناطق الأثرية ورفع قيمتها التاريخية والاقتصادية.

وفي سبتمبر 2020، وقع الصندوق اتفاقية مع وزارة الكهرباء لتعظيم قيمة الاستفادة من المشاريع والأصول المملوكة للهيئات والشركات التابعة لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة لضخ الاستثمارات اللازمة لتطويرها وتأهيلها، سواء في مجال الطاقة التقليدية والمتجددة، كما ساهم الصندوق في توقيع اتفاقيات مع صادرات الكهرباء مع ليبيا والأردن، علاوة على ذلك تم توقيع اتفاقية أولية مع قبرص واليونان لمشروع الربط الكهربائي الأوروبي الإفريقي في عام 2019.

في أكتوبر 2020، قام الصندوق بالتعاون مع وزارة التموين والتجارة الداخلية المصرية بإنشاء مستودعات استراتيجية لتخزين الأدوية والمستلزمات الطبية، وكذلك زيادة المخزون الاستراتيجي من الإمدادات الغذائية، وفقًا للمناطق الأكثر فقرًا في مختلف المدن.

نوفمبر 2020، وقّعت الهيئة الاقتصادية لقناة السويس والصندوق السيادي المصري وأربع شركات خاصة عقد التأسيس للشركة الوطنية لصناعة السكك الحديدية التي تأسست وفقًا لقانون المناطق ذات الطبيعة الاقتصادية الخاصة.

في مارس 2021، وقّع الصندوق السيادي المصري الماضي اتفاقية مع مجموعة جيمس التعليمية لتطوير وإدارة مدرستين غرب القاهرة، مستفيدين من أصول الدولة المحولة إليه لتفعيل استراتيجيته الهادفة إلى تعظيم العائد من تلك الأصول.

وفي الشهر نفسه أيضًا بحصة أقلية تبلغ 10٪، استثمر الصندوق في استحواذ شركة أبوظبي التنموية القابضة على شركة أمون للأدوية.

وفي أبريل 2021، أعلن الصندوق السيادي المصري عن إطلاق كتيب شروط استغلال مجمع التحرير، بهدف تطوير المجمع بالشراكة مع القطاع الخاص المحلي والدولي، بعد نقل الوزارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة.

أيضًا أعلن صندوق مصر السيادي والمجموعة المالية هيرميس عن تنفيذهما اتفاقيات للاستحواذ على 76٪ من رأس مال بنك الاستثمار العربي.

وبالرغم من أن صندوق مصر السيادي لا يزال صندوقًا ناشئًا، إلا أن الدولة تعمل على زيادة استثماراته، لكي يساهم في المستقبل في دعم الدولة في سد عجز الموازنة العامة، ومن ثم قد يعزز نصيب الفرد من ثروة الدولة من خلال المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي الوطني، بالإضافة إلى إمكانية إعطاء الأولوية لاستخدام صندوق مصر السيادي في إنشاء أدوات مالية محلية بديلة لتمويل أهداف التنمية المستدامة.

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية