وحدة الدراسات الأفريقية

توجّه جديد: الولايات المتحدة تعيد النظر في استراتيجيتها تجاه القرن الإفريقي

منذ وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن لسدة الحكم، تسعى الإدارة الأمريكية الجديدة إلى صياغة تصورات حول منطقة القرن الإفريقي من الناحيتين الجيواستراتيجية والأمنية بمفهوم جديد، ربما يتجاوز ما تبنته الإدارات الأمريكية في أوقات سابقة. وفي خطوة أولى تعكس اهتمام الديمقراطيين في الإدارة الأمريكية الجديدة، تم تعيين “جيفري فيلتمان” مبعوثًا خاصًا للقرن الإفريقي، كترتيب مهم يتماشى مع الإجراءات التي تحاول من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية تعزيز حضورها في تلك المنطقة بعد التغييرات التي طرأت في المنطقة، وطالت دولًا مثل السودان وإثيوبيا، وهو الأمر الذي يتطلب مزيدًا من التواجد الأمريكي في ظل المتغيرات الحالية والمستقبلية في المنطقة.  وقد شهدت منطقة الخليج وكينيا…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

منذ وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن لسدة الحكم، تسعى الإدارة الأمريكية الجديدة إلى صياغة تصورات حول منطقة القرن الإفريقي من الناحيتين الجيواستراتيجية والأمنية بمفهوم جديد، ربما يتجاوز ما تبنته الإدارات الأمريكية في أوقات سابقة.

وفي خطوة أولى تعكس اهتمام الديمقراطيين في الإدارة الأمريكية الجديدة، تم تعيين “جيفري فيلتمان” مبعوثًا خاصًا للقرن الإفريقي، كترتيب مهم يتماشى مع الإجراءات التي تحاول من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية تعزيز حضورها في تلك المنطقة بعد التغييرات التي طرأت في المنطقة، وطالت دولًا مثل السودان وإثيوبيا، وهو الأمر الذي يتطلب مزيدًا من التواجد الأمريكي في ظل المتغيرات الحالية والمستقبلية في المنطقة. 

وقد شهدت منطقة الخليج وكينيا جولة جديدة من المساعي الأمريكية التي يقودها المبعوث الأمريكي جيفري فيلتمان، وهي الزيارة الثانية له للمنطقة في أقل من شهر بعد زيارة سابقة شملت مصر والسودان وإثيوبيا وإريتريا. ويؤكد تحرك المبعوث الأمريكي التزام واشنطن بقيادة الجهود الدبلوماسية المستدامة لمعالجة الأزمات السياسية والأمنية في منطقة القرن الإفريقي. 

وسبق جولة فيلتمان الثانية نشاط إقليمي مكثف بذله السفير دونالد بوث، المبعوث الأمريكي للسودان بصحبة وفد فني ومساعدين مختصين بالشئون القانونية والإقليمية، والاتفاقات الثنائية بشأن المياه والأمن المائي ومسائل فنية أخرى، حيث زار وفده دولة الكونغو الديمقراطية بشأن أزمة سد النهضة، التي التقى فيها الرئيس الكونغولي فيلكس تشيسيكيدي الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي.

وبملاحظة النشاط الأمريكي الأخير في المنطقة، يمكن رصد ثلاثة اتجاهات للاستراتيجية الأمريكية في القرن الإفريقي والتي تتمثل في:

1. مواجهة أزمات داخلية وإقليمية ملحة:

لا شك أن التطورات الداخلية التي حدثت في كل من السودان وإثيوبيا، أربكت الإدارة الأمريكية، مثل الحشود العسكرية بين الدولتين بعد أن أحكم الجيش السوداني سيطرته على أراضيه في منطقتي الفشقة الكبرى والصغرى، وتفاقم أزمة سد النهضة بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا)، واستمرار الحرب في إقليم تيجراي والتدخل الإريتري فيها، فضلًا عن الأزمة الدستورية في الصومال التي تسببت في تأجيل الانتخابات، بالإضافة إلى الأزمة الحدودية بين كينيا والصومال وتداعياتها السلبية المتعددة. 

تلك الملفات دفعت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لمواجهة ما تمر به منطقة القرن الإفريقي من منعطف خطير وتداعيات كبيرة على دول المنطقة، وكذلك المصالح الأمريكية فيها. وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى المعالجة السريعة لأزمات المنطقة، ودعمها للجهود الرامية لتكون المنطقة أكثر استقرارًا، وذلك عبر فتح مسارات مباشرة للتفاعل سواء من خلال المبعوث الأمريكي الجديد أو من خلال السفراء الأمريكيين في العواصم المختلفة بدول المنطقة.

2. مجابهة التمدد الروسي الصيني:

في كلمته أمام الكونغرس الأمريكي أشار بوضوح قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) إلى ملامح الرؤية الأمريكية الشاملة للقارة الإفريقية، مؤكدًا على ضرورة مجابهة التمدد الروسي والصيني الآخذ في التصاعد. وقد دفع هذا التوجه المبعوث الأمريكي الجديد للقرن الإفريقي جيفري فيلتمان، للتعبير عن القلق الأمريكي من التهديدات المزدوجة من قبل روسيا والصين للمصالح الأمريكية في المنطقة البحر الأحمر وباب المندب. وتتخوف الإدارة الأمريكية من التأثير الصيني مستقبلًا، خاصة مع تنامي قدرات الصين على إعاقة الإمدادات اللوجستية للقاعدة الأمريكية في جيبوتي، فضلًا عن الموقف الأمريكي السلبي من محاولات روسيا الحصول على قاعدة بحرية مستدامة في السودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر.

وأمام هذه المهددات تعتمد رؤية الإدارة الأمريكية تجاه إفريقيا بشكل عام ومنطقة القرن الإفريقي بشكل خاص على تعزيز العلاقات التجارية في ظل ما تمثله المنطقة من سوق جديدة توفر فرص كبيرة للولايات المتحدة، وتعزز قدرة الشركات الأمريكية في خلق علاقات اقتصادية فعالة تواجه بها التمدد الصيني. وقد سبق وأن تمت مناقشة هذا التوجه الاقتصادي الجديد بين الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة، وذلك بغرض تعزيز الشراكة من أجل تحفيز النمو الاقتصادي، والسلام والأمن، بالإضافة إلى تأهيل مؤسسات الحكم الرشيد والتحول الديمقراطي والتنمية في هذه المنطقة. 

3. تعزيز التعاون مع الحلفاء الإقليميين:

تعمل الولايات المتحدة على استعادة الاستقرار في القرن الإفريقي من خلال السماح بدور فعال لدول الجوار بما في ذلك كينيا، وأيضًا دول الخليج (المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر) وهي الدول التي شملتها الزيارة الثانية للمبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي جيفري فيلتمان. وتتحرك الولايات المتحدة مع حلفائها وشركائها في المنطقة بهدف تصفير النزاعات التي يُخشَى أن تتفاقم لتهدد الاستقرار الإقليمي في نطاق جغرافي يتجاوز القرن الإفريقي ويشمل البحر الأحمر والمحيط الهندي.
وختامًا، يمكن القول إن السياسة الخارجية الأمريكية في الشهور المعدودة التي قضاها الرئيس جو بايدن في السلطة كشفت عن سعيها الحثيث لاستعادة دورها النشط في القرن الإفريقي بعد تراجع كبير شهدته سنوات رئاسة الرئيس السابق دونالد ترامب. ويأتي هذا التغير الواضح نتيجة عاملين أساسيين؛ أولهما الخبرة الشخصية الممتدة للرئيس بايدن في معالجة القضايا الخارجية سواء خلال سنوات عضويته بمجلس الشيوخ أو توليه منصب نائب الرئيس، أما العامل الثاني فيتعلق بالتدهور السريع في أوضاع القرن الإفريقي خاصة منذ اندلاع الحرب في إقليم تيجراي الإثيوبي. على هذا الأساس، ينتظر أن تشهد الفترة المقبلة دورًا أكثر نشاطًا للولايات المتحدة في القرن الإفريقي، وهو ما قد يساهم في التخفيف من حدة التوترات في الإقليم.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية