الإقتصاد

الاستثمار الصناعي: جهود الدولة لتوفير الأراضي للمشروعات الصناعية

تبذل الدولة جهودًا حثيثة لدعم القطاع الصناعي بالبلاد، بهدف تخفيف الضغط عن ميزان المدفوعات من خلال سياسات استبدال الواردات، وزيادة التدفق الأجنبي بالبلاد من خلال التوجه نحو التصدير. وحيث إن بداية أي مشروع بالبلاد يعتمد بالأساس على الحصول على الأرض اللازمة لذلك المشروع والتي تعد المرحلة الأولى والأصعب على الإطلاق، فقد بذلت الدولة جهودًا حثيثة خلال الفترة الماضية لمحاولة علاج المشكلات المتأصلة بتلك العملية، بهدف تسهيل عملية الوصول إلى الأراضي الصناعية.  التحديات يواجه المستثمر الصناعي عدة تحديات عند بداية تأسيس نشاطه، أولها وأصعبها على الإطلاق هو الحصول على الأرض المناسبة لبدء مشروعه. وتتراوح المشكلات في الحصول على تلك الأراضي بداية…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تبذل الدولة جهودًا حثيثة لدعم القطاع الصناعي بالبلاد، بهدف تخفيف الضغط عن ميزان المدفوعات من خلال سياسات استبدال الواردات، وزيادة التدفق الأجنبي بالبلاد من خلال التوجه نحو التصدير. وحيث إن بداية أي مشروع بالبلاد يعتمد بالأساس على الحصول على الأرض اللازمة لذلك المشروع والتي تعد المرحلة الأولى والأصعب على الإطلاق، فقد بذلت الدولة جهودًا حثيثة خلال الفترة الماضية لمحاولة علاج المشكلات المتأصلة بتلك العملية، بهدف تسهيل عملية الوصول إلى الأراضي الصناعية. 

التحديات

يواجه المستثمر الصناعي عدة تحديات عند بداية تأسيس نشاطه، أولها وأصعبها على الإطلاق هو الحصول على الأرض المناسبة لبدء مشروعه. وتتراوح المشكلات في الحصول على تلك الأراضي بداية من غياب الشفافية والموضوعية في عملية التخصيص والتسعير الخاصة بالأراضي الصناعية بالبلاد، وطريقة الحصول عليها، وهي تعتبر التحدي الأول. أما التحدي الثاني فهو يتمثل في عدم وجود قاعدة بيانات محدثة ومتكاملة عن الأراضي الصناعية المتاحة بكل محافظة، وحتى في حال توافرها فإن إجراءات التخصيص بين الجهات، والزمن المستغرق لذلك التخصيص، يختلف بين محافظات مصر، هذا فضلًا عن أنه في بعض الأوقات يتم تغيير الهدف المخصص فلا تخدم تلك الأراضي بعد تخصيصها. 

ليست تلك هي التحديات الوحيدة التي تواجه منظومة تخصيص الأراضي، حيث يوجد تحدٍّ آخر هو ضعف القدرة الحالية لهيئة المساحة على الرفع المساحي للأراضي، والتي تعد أحد المتطلبات الأساسية لعملية تسجيل الأراضي الصناعية. هذا إلى جانب ضعف توافر الموارد المالية لهيئة التنمية الصناعية لترفيق الأراضي الصناعية المعروضة للتخصيص وارتفاع تكلفة الترفيق، وهو ما يعيق قدرة هيئة التنمية الصناعية على عرض أراضٍ لصغار المستثمرين تتناسب مع الطلب على ذلك النوع من الأراضي. وتسببت تلك العوامل -على سبيل المثال- في تأجيل هيئة التنمية الصناعية طرح 60 مليون متر مربع من الأراضي حتى عام 2020 لحين توافر الموارد المالية اللازمة لعملية الترفيق، وهو ما تسبب في وجود نقص في الأراضي الصناعية المطروحة للمشروعات الصغيرة (500 م2). تحدٍّ آخر يواجه عملية تخصيص الأراضي وهو عدم تفعيل بعض بنود قانون رقم 15 لعام 2017، حيث إن هيئة المجتمعات العمرانية لا تزال تطلب خطاب ضمان بنكي كشرط أساسي للمستثمر للحصول على أرض في المنطقة الصناعية في المناطق التابعة لوزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وفي بعض الأحيان يتم المبالغة في قيمة خطاب الضمان على الرغم من أن القانون رقم 15 لسنة 2017 قد ألغى ذلك الخطاب، إلا أن ذلك المستند لا يزال يتم طلبه.

جهود الدولة

أولت الدولة اهتمامًا بحل المشاكل التي تعيق الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، وقدرة القطاع الصناعي على النمو، وحيث إن الخطوة الأولى لحل أي مشكلة هي المعرفة بتلك المشكلات وتحديدها بدقة، فقد تم تشكيل مجلس تنسيقي تابع لمجلس الوزراء يضم عددًا كبيرًا من الشركاء أصحاب المصلحة لدراسة معوقات المناطق الصناعية. وتم التعاقد مع مكتب استشاري (شركة ميجاكوم للاستشارات) وتوكيل مهمة دراسة المعوقات التي تواجه المناطق الصناعية واقتراح حلول لها، هذا إلى جانب عقد جلسات تشاور مع المستثمرين للتعرف على مشاكلهم وبحث آرائهم والحلول المقترحة من ناحيتهم. وقد خلصت تلك الاجتماعات والدراسات إلى أن تكون عملية تخصيص الأراضي كحق انتفاع للمستثمرين لمدة عشر سنوات، وفي حال إثبات الجدية يتم تمليك الأراضي للجادين من المستثمرين. أما عن توافر معلومات عن الأراضي الصناعية للمستثمرين فقد أطلقت الهيئة العامة للاستثمار خريطة الأراضي الصناعية على الموقع الإلكتروني الخاص بها والتي تم تقسيمها وفقًا لنوع المشروعات المطلوب إقامتها في كل منطقة، لكن طريقة استخدام ذلك الموقع غير معروفة بعد للكثير من المستثمرين.

أما عن تكاليف الحصول على الأراضي الصناعية فقد وافق مجلس الوزراء في يونيو 2019، على الاقتراح المقدم من المجلس التنسيقي للمناطق الصناعية، والخاص بتقسيط ثمن الأراضي الصناعية للمستثمرين بنسبة فائدة 7% سنويًا، وهو سعر فائدة أقل من الفائدة المقررة من البنك المركزي المصري، على أن يسري ذلك القرار لمدة ثلاث سنوات لتشجيع جذب المزيد من الاستثمارات للقطاع الصناعي، والتوسع في إقامة مجمعات صناعية جديدة، بما يضمن توفير فرص عمل للشباب. من جانب آخر، وقّع جهاز تنمية التجارة الداخلية 8 عقود شراكة مع مجموعة من المستثمرين والمطورين التجاريين بنظام الشراكة، وذلك بهدف إقامة مناطق تجارية ولوجستية في عدد من المحافظات مثل “الشرقية، والمنوفية، والغربية، والبحيرة، والأقصر، وقنا، والفيوم، ومدينة العبور الجديدة”. ومن المنتظر أن تساهم تلك الخطوة في جذب استثمارات بقيمة 23 مليار جنيه، وتوفر نحو 200 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، هذا فضلًا عن إقامة مراكز تجارية حضارية تستوعب كافة احتياجات المواطنين وبأسعار مناسبة.

إجراءات إضافية

لكن ورغم كل تلك الجهود، لا يزال هناك العديد من التحديات التي تخص ملكية الأراضي الصناعية والولاية عليها والتي تستوجب إصدار قرار من السيد رئيس الوزراء بخصوص تبعية الولاية على الأراضي والبنية الأساسية والمرافق لهيئة المجتمعات العمرانية، وترك عملية التخصيص والإدارة لهيئة التنمية الصناعية، وتحديد الأدوار المختلفة للهيئة العامة للتنمية الصناعية وهيئة المجتمعات العمرانية. أمر آخر يجب النظر إليه هو حسم الخلاف التشريعي حول تبعية الأراضي الصناعية بموجب قانون هيئة التنمية الصناعية، وإصدار تشريع جديد إذا تطلب الأمر، ويجب أن يتضمن ذلك التشريع تحديد الجهة المسئولة عن الأراضي والولاية عليها ومسئولية الترفيق والتخصيص النهائي للمستفيد، خاصة وأنه يوجد العديد من التشريعات التي تخص الأراضي بالدولة، وهو الأمر الذي يتسبب في ارتباك للمستثمرين، ومن ثم فهناك ضرورة لاستبدال تلك التشريعات العديدة الخاصة بالأراضي بقانون موحد ومبسط لإدارة أراضي الدولة. وتكتمل تلك المنظومة التشريعية بإنشاء نظام معلومات متكامل ومحدث عن الأراضي الصناعية من خلال تحديث الخريطة الصناعية التي تم إطلاقها من جانب الهيئة العامة للاستثمار، لكن وجود ذلك النظام المعلوماتي دون معرفة المستثمرين به أمر غير مجدٍ، ومن ثم فإن الإعلان عن ذلك المشروع “بنك الأراضي” ليكون بمثابة قاعدة بيانات بكل المعلومات المتاحة حول توافر الأراضي الصناعية وأسعارها ومدى تطور البنية التحتية الأساسية بها.

أما عن مشكلة التمويل التي تواجه هيئة التنمية الصناعية والتي سبق الإشارة إليها، فهي تتطلب زيادة مخصصات الهيئة من الأراضي لطرحها على المستثمرين وفقًا لآليات موضوعية وشفافة، لكن ذلك التوفير يحتاج إلى تيسير في إجراءات الحصول عليها من خلال إنشاء أسواق عامة ومجمعات تجارية كبرى، وسلاسل المتاجر الكبيرة التي تعد ضرورة لتسويق المنتج الصناعي المحلي ووصوله إلى المستهلك بأسعار تنافسية، وهو ما سيساعد في نمو الطلب على الإنتاج الصناعي المحلي. ولعلاج ضعف قدرة الهيئة العامة للمساحة على مسح الأراضي الصناعية، فإنه من الضروري أن يتم إنشاء مكاتب اعتماد خاصة بإجراء الرفع المساحي لتيسير إجراءات التسهيل (أسوة بقانون الترخيص وقانون الاستثمار)، وإتاحة إمكانية استخدام التكنولوجيا الحديثة للتصوير الجغرافي “drone”، ويمكن لأي جهة تحظى بموافقة أمنية لاستخدام تلك التقنية بالقيام بتلك المهمة. أما عن مشكلة خطاب الضمان التي تم إلغاؤها بالقانون رقم 15 لعام 2017، فمن الضروري أن يتم تفعيل تنفيذ القانون، وإلغاء ذلك الخطاب لإثبات جدية المستثمر الراغب في الحصول على أراضٍ للغرض الصناعي.

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة