وحدة الدراسات العربية والإقليمية

تونس.. فساد راسخ وتحدٍ قادم

يمثل الفساد في تونس تحديًا كبيرًا أمام الرئيس قيس سعيد، خاصة وأنه يمثل تهديدًا للدولة من حيث مواردها وكذلك أمنها. وكذا، تمثل استعادة الأموال المنهوبة وضبط الأوضاع وإحكام سيطرة الدولة على مواردها وحدودها عبئًا كبيرًا في ظل التحديات الكثيرة الراهنة التي سيتعين مواجهتها بالتوازي، وإذا نجح الرئيس قيس سعيد في مواجهتها، سيمثل ذلك عنصرًا داعمًا قويًا لشعبيته خلال الفترة القادمة، وعليه يتم التطرق هنا إلى حجم الفساد وطبيعته وبعض رموزه والإجراءات التي تم اتخذها من الرئاسة التونسية لتحجيمه.  فساد راسخ شهدت تونس في العقد السابق للثورة جراء الفساد خسارة تمثل نحو 2% من ناتجها المحلى الإجمالي سنويًا، علاوة على البيروقراطية…

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

يمثل الفساد في تونس تحديًا كبيرًا أمام الرئيس قيس سعيد، خاصة وأنه يمثل تهديدًا للدولة من حيث مواردها وكذلك أمنها. وكذا، تمثل استعادة الأموال المنهوبة وضبط الأوضاع وإحكام سيطرة الدولة على مواردها وحدودها عبئًا كبيرًا في ظل التحديات الكثيرة الراهنة التي سيتعين مواجهتها بالتوازي، وإذا نجح الرئيس قيس سعيد في مواجهتها، سيمثل ذلك عنصرًا داعمًا قويًا لشعبيته خلال الفترة القادمة، وعليه يتم التطرق هنا إلى حجم الفساد وطبيعته وبعض رموزه والإجراءات التي تم اتخذها من الرئاسة التونسية لتحجيمه. 

فساد راسخ

شهدت تونس في العقد السابق للثورة جراء الفساد خسارة تمثل نحو 2% من ناتجها المحلى الإجمالي سنويًا، علاوة على البيروقراطية المعقدة واللوائح التنظيمية شديدة التعقيد والتي كلفت الشركات 13% من عائداتها. وتمثل منظومة الفساد بها شبكة يشترك فيها بعض مسؤولي الدولة ورجال المصارف والأعمال تربطهم ببعضهم البعض، حيث تمارس هذه الشبكة السيطرة على موارد الدولة منها القروض المصرفية والتراخيص، فضلًا عن التهريب غير الشرعي وغير القانوني للأسلحة والمخدرات والاتجار بالبشر، إضافة إلى المهمشين في جنوب تونس الذين يعتمدون على تهريب الوقود والمواد الغذائية.

ويأتي على رأس شبكة الفساد في تونس في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي الزوجة الثانية للرئيس السابق ليلى الطرابلسي، ووفقًا لتقرير للبنك الدولي فإن 662 مؤسسة تملكها عائلة بن على تمت مصادرتها في محاولة لمكافحة الفساد داخل الدولة، حيث كانت تسيطر على العديد من الشركات التونسية، بما في ذلك الطائرات، ووكالات السيارات، وخدمات الإنترنت، ومحطات التلفزة والإذاعة، والمحلات الكبيرة للبيع بالتجزئة.

وخلال تشكيل اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق بعد الثورة للتحقيق في الفساد في عهد بن على، وجدت العديد من مليارات الدولارات المتخفية في شركات وهمية ومصارف أجنبية والتي تعود إلى عائلة الطرابلسي والمقربين منها.

لا يقتصر الأمر على نهب أموال الدولة والسيطرة عليها، بل يتجاوز ذلك إلى تهديد الأمن بشكل مباشر، حيث يوفر الفاسدون الفرص لمهربي الأسلحة والمخدرات والإتجار بالبشر لإدخالها إلى الدولة، كما أن الرقابة المتهاونة على الحدود نتيجة الرشاوى تسهل غسل الأموال وتساعد على تفشى الإرهاب والدليل على ذلك مشاركة العديد من التونسيين في التنظيمات الإرهابية وتحركهم عبر الحدود الليبية التونسية وذلك نتيجة فساد موظفو الجمارك الذين يعملون مع المهربين.

وهناك كذلك العديد من الشركات الأجنبية التي تستغل الأراضي التونسية، بجانب تواطؤ بين شركات النفط الأجنبية والحكومة التونسية وهو ما أثار احتجاجات عديدة في منطقة جنوب شرق تونس، وهو ما عُرف آنذاك باحتجاجات الكامور في أبريل 2017. 

وتتعدد ملفات الفساد في مختلف القطاعات في تونس وتتمثل طبيعة القضايا التي يتم إحالتها إلى القضاء وفقا لتقرير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عام 2018 في شبهات في عملية توريد سيارات منسوبة لشركة خاصة لبيع السيارات، إذ إن هناك تواطؤًا للغرفة النقابية لأصحاب التاكسي الفردي مع مورد سيارات والتخلي عن حقوق منظوريها في ضمان عيوب خفية بالسيارات الموردة. بالإضافة إلى اقتناء معدات وتجهيزات جديدة خاصة بشحن البضائع ونقلها وتنظيف الطائرات تبين بعد استلامها أنها مستعملة ومعيبة، واعتماد شهادات علمية ومدرسية مدلسه للمشاركة في مناظرة انتداب سائقي حافلات بالشركة الجهوية للنقل بالقصرين خلال 2015. وتدليس شهادات علمية من قبل بعض الأعوان بديوان الطيران المدني والمطارات للانتفاع بامتيازات مهنية ومالية وترقيات دون وجه حق.

وفى قطاع الفلاحة شبهة فساد في إسناد منحة الحليب المجفف بالمجتمع المهني المشترك للحوم الحمراء والألبان، وقبول وتخزين حبوب تحتوي على حشرة السوس الحي بمجموعة من خزانات ديوان الحبوب، بالإضافة إلى عمليات ربط غير قانونية لمجموعة من المواطنين بشبكة توزيع المياه دون قيامهم بإنهاء المعاليم المستوجبة.

وفى قطاع الأمن هناك ما يقدر بـ 200 ألف دينار محجوزة داخل منزل مدير إقليم حرس وطني. وفى قطاع الصحة استغلال مسؤول لنفوذه من أجل انتداب موظفة بإدارة التدقيق الداخلي حيث كانت تباشر العمل في مكتب مراقب حسابات الشركة. بالإضافة إلى الاستيلاء على عقارات فلاحية دولية من قبل أطراف بتواطؤ من أعوان إدارة أملاك الدولة والشؤون العقارية مقابل منافع وعطايا.

مؤشرات الفساد 2020

تصنف تونس ضمن المرتبة 69 من 180 دولة بنسبة 44 % خلال عام 2020، وفقاً لمؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية العالمية. ووفقا للنشرة الأسبوعية الصادرة عن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس مايو 2021 تشير الإحصائيات إلى أن القطاعات الأكثر عرضة للفساد في تونس هي قطاع الأمن وقد بلغ 69% في 2020 مقارنة بـ 58.2% في 2019 ويليه الديوانة حيث بلغت 53.2% في 2020 مقابل 49.6 % في 2019 ثم الإدارات العمومية بلغت 40.2% في 2020 والذى انخفض مقارنة بـ 40.5% في  2019  وأخيرًا قطاع الصحة أيضًا الذي شهد انخفاضًا في مستوى الفساد  وبلغ 39.8 % في 2020 مقارنة بـ 41.9% في 2019 وبلغ الفساد في الجمارك نحو 53.2% في 2019، ويوضح الشكل التالي نسب هذه القطاعات:

وفقًا لمؤشر مدركات الفساد في تونس ديسمبر 2020 الصادر عن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد يعاني 28.5% من التونسيين من الفساد في 2020 مقابل 29.7 % في 2019، وتتمثل في رشاوى للشرطة بنسبة 61.3% أو دفع مقابل الخدمات في الإدارات بنسبة 29.2%. ويمثل ترتيب القطاعات في الفساد الإدارات العامة 89.3% وقطاع الصحة 88.6% والأحزاب السياسية 87.8% وقطاع الأمن 87.4% والجمارك 87.3% وجميع القطاعات الأخرى أكثر من 70%. وفى استطلاع رأى لدراسة أجرتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس في 2020 يرى نحو 87.2% من المواطنين ارتفاع الفساد بينما يرى 3.1 % أن معدل الفساد أنخفض.

إجراءات لمجابهة الفساد 

في سياق عملية الفساد التي تغلغلت في مؤسسات الدولة التونسية، تشير التقديرات ووفقًا لتصريحات الرئيس قيس سعيد أن 460 شخصًا نهبوا أموال تونس بمقدار 13.5 مليار دينار تونسي (4.8 مليار دولار) تم سرقتها بالإضافة إلى فساد الانتخابات من حيث التمويلات الأجنبية التي حصلت عليها حركة النهضة في 2019 تقدر بنحو 285 ألف دولار.

وعليه وضمن التدابير الطارئة التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو 2021 لاستعادة الدولة في تونس ولتصحيح مسار الثورة، تولى الرئيس سعيد مهمة وصلاحيات النائب العام لمواجهة منظومة الفساد وتفكيكها، واستعادة جهات التحقيق القضائية لأدوارها. ومن ثم كان إعلان محسن الدالي المتحدث الرسمي باسم القطب القضائي الاقتصادي والمالي في تونس فتح تحقيق بشأن ثلاثة أحزاب وكيانات تونسية “حزبي حركة النهضة وقلب تونس وجمعية عيش تونسي”. من حيث فتح التحقيق في ملف التمويلات الأجنبية للحملات الانتخابية الأخيرة والتهم المتورطة بها جمعية عيش تونسي والتي تتعلق بتمويلات مجهولة المصدر والتي سارت في ذات الاتجاه السياسي الانتخابي، كونها جمعية تحولت من ممارسة العمل الخيري والثقافي إلى النشاط بالحقل السياسي والترشح للانتخابات التشريعية والرئاسية.

وقد نشطت جمعية عيش تونسي في المجال الثقافي والعمل الاجتماعي فدعمت ونظمت العديد من المهرجانات والفعاليات الفنية والثقافية قبل أن تدخل إلى مجالات تنظيم التظاهرات الاجتماعية لتكون مدخلها إلى المجال العام قبل ظهورها بعد ذلك في وسائل الإعلام والفضاءات الاجتماعية بمظهر الحزب السياسي.

ويرأس هذه الجمعية “ألفة التراس” وهي تحمل الجنسية التونسية والفرنسية وقد سبق وأن ترشحت للانتخابات الرئاسية، وهي زوجة رجل الأعمال الفرنسي الشهير قيوم رامبورغ وهو من أبرز ممولي حركة ماكرون الرئاسية وهي فرع من جمعية رامبورغ الفرنسية المعروفة. وتستفيد الجمعية من التمويلات الأجنبية التي ترد إلى حساباتها البنكية من الجمعية الفرنسية الأم، ومن رجال أعمال أجانب، وذلك في إطار معرفة مراقبي الحسابات بالبنك المركزي وفى ظل الصمت والدعم المشبوه لبعض الجهات والكيانات السياسية. بالإضافة إلى قضايا أخرى ستكون محل نظر في الفترة القادمة، من حيث تستر وزيرة العدل السابقة حسناء بن سليمان على المجرمين وتعطيل الملحقات وشكاوى هيئة الدفاع. 

وتأتي تحركات الرئيس قيس سعيد مع مساندة الاتحاد العام للشغل والذي دعا إلى التدقيق الشامل للمالية العمومية وديون الدولة، كما دعا لجنة التحاليل المالية بالبنك المركزي إلى الكشف عن التحويلات المالية للأحزاب والجمعيات، وعرضها على القضاء. أيضًا سيتم فتح التحقيق مع نبيل بافون رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وسهام بن سدرين رئيسة لجنة الحقيقة والكرامة.

وقد بدأ القضاء التونسي فتح التحقيق ضد الرئيس الأسبق لهيئة مكافحة الفساد شوقي الطيب في قضية تضارب المصالح الخاصة برئيس الوزراء الأسبق إلياس الفخفاخ والصفقة العمومية مع الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات. وفتح بحث تحقيقي في الشكاية التي تقدمت بها العضوة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة ابتهال عبد اللطيف ضد كل رئيس لجنة التحكيم والمصالحة بهيئة الحقيقة والكرامة والنائب خالد الكريشي والوزير الأسبق لأملاك الدولة والشؤون العقارية مبروك كورشيد والمحامية سماح الخماسي، في شبهات تلاعب في ملف مصالحة وعقد اتفاقية تحكيم استفاد منها رجل الأعمال الأزهر سطا.ختاما؛ يمكن للدولة في تونس بالتوازي مع فتح التحقيقات مع رموز الفساد المختلفة، العمل على تنشيط مبادرة تونس الرقمية من حيث الرقمنة للقطاعين العام والخاص بما يتواكب مع التطورات العالمية، كما أنها سوف تقلل من تدخل العنصر البشرى في القطاعات المختلفة وتقديم الخدمات للمواطنين، ومن ثم تكون أولى خطوات مكافحة الفساد.

نقلا عن إصدار تونس .. تصحيح المسار “خريف النهضة “
رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية