وحدة التسلح

المسار التالي: حسابات الأطراف الليبية إزاء فتح الطريق الساحلي

أعاد فتح الطريق الساحلي الليبي بين شرقي البلاد وغربها بعد إغلاق دام نحو عامين على خلفية معركة طرابلس (أبريل 2020 – أكتوبر 2021) أجواء التفاؤل مرة أخرى لمسار مرحلة الانتقال السياسي، التي تخيم عليها أجواء الإحباط بسبب التعثر في الملفات السياسية. وفي واقع الأمر، يصعب الفصل بين الملفين السياسي والأمني من منظور تبادل التأثيرات فيما بينها، فحلحلة الملفات الأمنية ينعكس بالتبعية على السياسة والعكس. كما لا يمكن استبعاد دور العامل الخارجي في هذا الصدد، بالنظر إلى أن عملية فتح الطريق سبقها قيام وفدين عسكريين من الجانبين بزيارة إلى موسكو. كذلك، يجب الوضع في الاعتبار أن نجاح عملية فتح الطريق يعد…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

أعاد فتح الطريق الساحلي الليبي بين شرقي البلاد وغربها بعد إغلاق دام نحو عامين على خلفية معركة طرابلس (أبريل 2020 – أكتوبر 2021) أجواء التفاؤل مرة أخرى لمسار مرحلة الانتقال السياسي، التي تخيم عليها أجواء الإحباط بسبب التعثر في الملفات السياسية. وفي واقع الأمر، يصعب الفصل بين الملفين السياسي والأمني من منظور تبادل التأثيرات فيما بينها، فحلحلة الملفات الأمنية ينعكس بالتبعية على السياسة والعكس. كما لا يمكن استبعاد دور العامل الخارجي في هذا الصدد، بالنظر إلى أن عملية فتح الطريق سبقها قيام وفدين عسكريين من الجانبين بزيارة إلى موسكو. كذلك، يجب الوضع في الاعتبار أن نجاح عملية فتح الطريق يعد اختبارًا لدور اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية التالية لتلك الخطوة، وللخطوات اللاحقة ذات الصلة، كملف إجلاء المرتزقة وفق ما تم الإعلان عنه.

أولًا: حسابات الأطراف

في هذا السياق، من المتصور أن هناك متغيرات في الحسابات السياسية متعددة الأطراف، تكشف عن أبعاد وسيناريوهات المسار التالي، وهو ما يمكن تناوله في النقاط التالية:

1. حسابات القيادة العامة: لا يمكن رد خطوة القيادة العامة في التجاوب مع مطلب فتح الطريق الساحلي لمجرد تلبية مطلب الدعم المالي من الحكومة لتلبية التزامات القيادة المالية، وهناك بعض التقارير المحلية التي أشارت إلى أن تجاوب القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر مع تلك الخطوة يأتي في سياق توجه استباقي للدعاية لحملته الانتخابية المرتقبة لترشحه على منصب الرئاسة، خاصة وأن تلك الخطوة تأتي في أعقاب تقارب بين المشير حفتر والمستشار عقيلة صالح بعد لقاء مشترك جمع بينهما (16 يوليو المنقضي) تناول المسألة المالية الخاصة بالقيادة العامة، وأيضًا مسألة الانتخابات، تلاها توجه وفد برلماني إلى إيطاليا في محاولة للوصول إلى حلحلة معضلة القاعدة الدستورية، وفي خلفية تلك الجولة البرلمانية التفاهمات التي جمعت بين القائد العام ورئيس البرلمان. 

ورغم وجاهة هذه التفسيرات، إلا أنه لا يمكن الاكتفاء بها، فمن الصعب تراجع القيادة العامة عن الربط بين ملفي الطريق الساحلي وإخراج المرتزقة، حتى لا تضع مصداقيتها على المحك، ومن جانب آخر من المؤكد أن تلك الخطوة لم تنفذ قبيل التوصل إلى تفاهمات بشأن ملف المرتزقة، خاصة وأن عدم اتخاذ خطوة ملموسة في هذا الملف يفقد عملية فتح الطريق قدرًا كبيرًا من جدواها، من منظور التهديدات المحتملة التي قد تدفع الأطراف مرة أخرى إلى إغلاق الطريق والعودة إلى الانقسام مرة أخرى. الأمر الآخر هو أن المشاورات التي أجراها في روسيا وفد القيادة العامة برئاسة الفريق خيري التميمي (مدير مكتب المشير حفتر وعضو لجنة 5+5) تعكس جانبًا من تحركات متعددة الأطراف بشأن ملف المرتزقة أولًا، مع العلم بأن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس كان قد أعلن على هامش مؤتمر برلين أن تفاهمات مع كلٍّ من موسكو وأنقرة بشأن الخروج المتزامن والمتوازي للمرتزقة الأجانب، توازت مع تصريحات أمريكية متكررة في الأمر ذاته، لكن كان اللافت تضمنها التأكيد على عدم استثناء أي طرف من العملية والإشارة لتركيا أكثر من مرة صراحة، وليس ضمنيًا كما كان يحدث من قبل.

2. حسابات أطراف غرب ليبيا: هناك مؤشرات كاشفة في سياق هذا التطور، من بينها على سبيل المثال لا الحصر أن الوفد العسكري من الغرب لم يمثل بمجموعة (5+5) وإنما رئيس أركان غرب ليبيا الفريق محمد الحداد، وهو مؤشر كاشف عن أن تمثيل الفريق خيري التميمي كان على الأرجح تمثيلًا شخصيًا للمشير خليفة حفتر. وعليه، من المتصور أن حلحلة هذا الجانب بالتعاون مع موسكو تم في سياق تمثيل القوى العسكرية من الجانبين، وليس من جانب اللجنة المشتركة، لكن أُحليت مخرجات التفاهمات التي تمت في موسكو إلى اللجنة العسكرية المشتركة في إطار التنفيذ بناء على صلاحياتها في ذلك بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وصلاحياتها أيضًا الخاصة بملف المرتزقة الأجانب. وعليه، فإن دور اللجنة هو إطار مكمل وليس الدور الرئيسي والحصري.

وبالتبعية فإن هذا المؤشر يعكس تباين مواقف الأطراف المسلحة في غرب ليبيا، بالإضافة إلى المواقف السياسية، فقد أظهر موقف رئاسة أركان غرب ليبيا الاستعداد للتجاوب مع القيادة العامة حال اتخاذ خطوات متماثلة في الملفات الأمنية، وأن رئاسة الأركان بدورها لا تصطف في خندق واحد مع الفصائل المسلحة في الغرب، بل على العكس من ذلك تسعى -في الوقت ذاته- إلى تقويض هذه الظواهر، لكنها كذلك لا تزال رهن الموقف السياسي المثير للجدل بشأن التواجد العسكري الأجنبي المتمثل في الوجود التركي، وهو موقف فرضه عليها منطق أن حكومة الوحدة الوطنية ورثت هذا الواقع من سالفتها حكومة الوفاق، وربما تخشى حكومة الوحدة من التداعيات المحتملة لاتخاذها موقفًا متشددًا تجاه تركيا، خاصة في ظل موقف الإخوان المسلمين الذي يعبر عنه رئيس مجلس الدولة خالد المشري الذي يصر على التفرقة بين وجود المرتزقة ووجود قوات أجنبية باتفاق مسبق مع سلطة معترف بها (في إشارة للوفاق) على حد قوله في أعقاب تنفيذ عملية فتح الطريق الساحلي. بالإضافة إلى المخاوف من اتجاه الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا التي قد تقدم على الخطوة ذاتها. ومن جانب آخر، يبدو أن هناك استدراكًا من طرفي الاتفاق لهذه التداعيات، لذا تتبنى الأطراف السير في ملف المرتزقة كخطوة أولى، من منظور تلك التشابكات، لذا توجه الفريق التميمي إلى بحث هذا الملف مع وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش التي تتبنى موقفًا أكثر وضوحًا داخل الحكومة لإنهاء ملف المرتزقة والوجود الأجنبي، كما أنها قناة الاتصال الرئيسية بين الأطراف الخارجية المنخرطة في الملف بالإضافة إلى البعثة الأممية.

3. حسابات الأطراف الخارجية: رحبت أغلب القوى الخارجية المشاركة في مؤتمر برلين بعملية فتح الطريق الساحلي، ومن أبرزها الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، بالإضافة إلى القوى الأوروبية، فضلًا عن الأطراف العربية، وفي مقدمتها مصر التي تتبنى دفع هذه الملفات والبناء عليها بشكل إيجابي في إطار استكمال ترتيبات عملية الانتقال السياسي. لكن أظهرت هذه التفاعلات أبعادًا أخرى في الملف تتعلق بمنظور أغلب القوى للملف الليبي. فعلى سبيل المثال، قام وزير الخارجية الإيطالي بزيارة إلى ليبيا التقى خلالها رئيس المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة ورئيس المجلس الأعلى للدولة، كما التقى بالمشير خليفة حفتر؛ إلا أن التقارير التي تناولت الزيارة كشفت عن أن الترحيب الإيطالي مبني على مصالح اقتصادية إيطالية.

وكذلك بالنسبة لروسيا، فهناك العديد من شركات الإنتاج والتنقيب عن الغاز والنفط، منها شركة “غاز بروم” التي استأنفت إنتاج النفط في مايو 2021، كما عقدت شركة “تاتنفت” للطاقة لقاءات مع مؤسسة النفط للعودة إلى التنقيب في ليبيا مرة أخرى. إضافة إلى ذلك فإن تركيا هي الأخرى تحركت في هذا الملف، سواء العقود المجمدة التي أبرمت من قبل مع النظام السابق، أو التعاقدات الجديدة، وعلى ما يبدو فإن مصلحة الأطراف أصبحت تتم على التخلص من أعباء الملف الأمني، حتى وإن كان بتكتيك “الخطوة خطوة”، لكن من المؤكد أن ردود الأفعال على الطريق الساحلي أعادت إلى الواجهة مرة أخرى هذا الملف، إضافة إلى أنه لا يمكن استبعاد تفاهم روسي–تركي غير معلن على الترتيبات الراهنة، في ضوء تحقيق المنافع المتبادلة، إضافة إلى أن التقارب بينهما في الملف الليبي مؤخرًا مدفوع بطبيعة الحال بعدم التوافق التركي–الأمريكي في ملفات أخرى. 

ثانيًا: المسارات المحتملة

من المتصور أن أي مسار محتمل في المستقبل القريب يتوقف على عدة عوامل للحيولة دون الارتداد إلى الخلف مرة أخرى، من بينها تنامي إجراءات بناء الثقة بين الأطراف حتى في ظل عامل تبادل المصالح السياسية المشتركة لاعتبارات موضوعية، حيث لا يمكن تنحية المشروعات السياسية الخاصة بالأطراف من المعادلة، وهناك متغير في الخطاب السياسي نحو لغة أكثر هدوءًا عما كانت عليه الأوضاع من قبل، ولا شك أن هذه المتغيرات والتطورات تنعكس بدورها على متغير خريطة التحالفات السياسية. وفي ظل التفاؤل بالمزيد من حالة التقارب، كاللقاء الذي يجري الحديث عنه بين المشير خليفة حفتر ورئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة، ربما سيذيب قدرًا كبيرًا من جبل الجليد المتراكم في المشهد الليبي. وسيعزز من ذلك التقارب مع أطراف أخرى حلحلة معضلات الموازنة المالية الخاصة بالحكومة من جانب البرلمان، بالإضافة إلى معضلة القاعدة الدستورية، خاصة في ظل الأنباء عن تقارب غير معلن بالفعل بين أغلب تلك الأطراف. أضف إلى ذلك التفاهمات الأولية بين مختلف القوى الخارجية صاحبة المصالح في ليبيا، والتي تسعى حاليًا إلى الانتقال لمرحلة قطف الثمار.

حدود سيناريو التقارب متعدد الأطراف

على الأرجح سيكون ملف الترتيبات الأمنية الخاصة بالانتخابات هو السيناريو العاجل على طاولة المباحثات بين الأطراف، خاصة وأنه يرتبط بالترتيبات الأمنية ومن بينها تشكيل لجنة أمنية مشتركة بين الشرق والغرب تشرف على هذه الترتيبات، يلي ذلك التفاهمات الخاصة بملف المرتزقة الأجانب، ومن المحتمل أن يحمل المستقبل القريب متغيرًا في هذا الملف، إذا ما تخلت تركيا عن سياسة الباب الدوار، خاصة وأنها تقايض على هذا الملف مع روسيا من جانب، ومن جانب آخر مع تواجدها العسكري في غرب ليبيا، وأخذت بالفعل في تعزيز هذا التواجد للمقايضة أيضًا مع ملف المرتزقة، بالإضافة إلى أن تبني الأمم المتحدة نشر بعثة للإشراف على عملية المرتزقة قد يدفع إيجابيًا في هذا السياق. لكن أيضًا يجب الوضع في الاعتبار أن تركيا لا تريد التخلي عن حلفائها، ولا سيما جماعة الإخوان التي تسعى إلى ضمان حصة وازنة لها في المشهد المقبل، خاصة في ظل ترنح الجماعة إقليميًا كما هو الحال في تونس حاليًا. كذلك فإن حدود التقارب تضع في حساباتها الظهور المفاجئ لسيف الإسلام القذافي، والذي شكّلت إطلالته على المشهد السياسي أحد دوافع الأطراف في إعادة تقييم حساباتها وتحالفاتها مرة أخرى. 

لكن على الجانب الآخر، فإن ملف توحيد المؤسسة العسكرية سيظل هو الملف المؤجل لحين إتمام ملف المرتزقة، بالإضافة إلى ملف التواجد الأجنبي. لكن من المؤكد أن فتح الطريق الساحلي، وبدء التحرك في ملف المرتزقة؛ سيلقي بظلاله على تحريك ملف توحيد المؤسسة العسكرية في الحد الأدنى حتى وإن لم يشهد نقلة نوعية فارقة. أضف إلى ذلك أن محصلة الإرادات السياسية للأطراف تبقى هي العامل المحوري في دفع كافة الملفات، ويتضمن ذلك منظور الأطراف للمصالح وانعكاساتها على الهندسة السياسية للمشهد وتطوراته اللاحقة. وقد يكون مشهد الارتداد إلى الخلف هو السيناريو الأسوأ للجميع، فلن يؤدي إلى العودة إلى المربع الأول بالتصعيد المسلح فقط، وإنما سيؤدي إلى مضاعفة التحديات والمخاطر بشأن مستقبل ليبيا بشكل عام. 

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح