تنمية ومجتمع

التخليص الجمركي: بوابة مصر لتدفق الاستثمار

فترة التخليص الجمركي هي أحد أهم العوامل التي يُنظر لها بعين جادة عند التفكير في الاستثمار في بلد بعينه أو افتتاح مشروع جديد أو ممارسة الأعمال، حيث إن سهولة فترات التخليص الجمركي تضمن سيولة تدفق المواد الخام والمعدات وتصدير المنتجات تامة الصنع أو استيراد المواد تامة الصنع، ومن ثم فهي تمثل تكاليف كبيرة يمكن أن تكون متغيرًا جوهريًا في معادلة اتخاذ القرار بشأن الاستثمار في بلد بعينه. وللتعرف بشكل أكبر على المخاطر التي تتسبب بها طول فترات التخليص الجمركي، نجد أنه إذا كان المشروع في بدايته ويحتاج إلى استيراد الأدوات والمعدات الرأسمالية اللازمة لممارسة العملية الإنتاجية وبدء التصنيع، فإن ذلك…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

فترة التخليص الجمركي هي أحد أهم العوامل التي يُنظر لها بعين جادة عند التفكير في الاستثمار في بلد بعينه أو افتتاح مشروع جديد أو ممارسة الأعمال، حيث إن سهولة فترات التخليص الجمركي تضمن سيولة تدفق المواد الخام والمعدات وتصدير المنتجات تامة الصنع أو استيراد المواد تامة الصنع، ومن ثم فهي تمثل تكاليف كبيرة يمكن أن تكون متغيرًا جوهريًا في معادلة اتخاذ القرار بشأن الاستثمار في بلد بعينه.

وللتعرف بشكل أكبر على المخاطر التي تتسبب بها طول فترات التخليص الجمركي، نجد أنه إذا كان المشروع في بدايته ويحتاج إلى استيراد الأدوات والمعدات الرأسمالية اللازمة لممارسة العملية الإنتاجية وبدء التصنيع، فإن ذلك التأخير يعني تعطل خطوط الإنتاج وعدم القدرة على بدء النشاط، أما إذا كان المشروع قد بدأ بالفعل فإن طول مدة التخليص الجمركي تعني عدم القدرة على الالتزام بمواعيد التوريدات، وانخفاض كفاءة رأس المال العامل، وهو أمر يعرض الشركة لخسائر فادحة من غرامات التأخير، والتي بالتبعية تتسبب في تكوين مخصصات بالقوائم المالية للشركات يترتب عليها انخفاض الأرباح المتولدة عن ممارسة النشاط. أمر آخر يتسبب به طول فترات التخليص الجمركي هو زيادة أعباء مصاريف الأرضيات والتخزين مما يحمل الشركات تكاليف باهظة بسبب انتظار السلع الواردة ومبيتها في الميناء.

وطبقًا لتقرير البنك الدولي لممارسة الأعمال لعام 2021 فإن إجراءات الإفراج الجمركي في مصر تستغرق فترة من أسبوعين وحتى خمسة أسابيع، حيث إن درجة مصر في التجارة عبر الحدود تبلغ 42.2 نقطة (مؤشر من 100) وهي درجة تُعتبر أقل من متوسط الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تبلغ فيه درجة المؤشر 61.8. حيث تحتاج عمليات الإفراج الجمركي للصادرات 136 ساعة وتكلفة بحوالي 358 دولارًا، ويصل زمن الإفراج الجمركي عن الشحنات المستوردة إلى مصر 505 ساعات بتكلفة 1554 دولارًا للحاوية مقابل 344 دولارًا في المغرب و961 دولارًا للحاوية في دولة الإمارات، وتلك الأرقام تُعتبر مرتفعة في حال مقارنتها بدول منظمة التعاون الاقتصادي التي تستغرق 3.5 ساعات في الإفراج عن الشحنات المستوردة بتكلفة 25 دولارًا للحاوية.

ويُمكن إسناد بعض أسباب التأخير في التخليص الجمركي إلى طول وبيروقراطية إجراءات لجان الكشف والتثمين والمراجعات والعرض. وعدم تفعيل سياسة القائمة البيضاء للعملاء ذوي السمعة الطيبة، حيث يتم فتح وفحص الحاويات بالكامل، وهو ما يستغرق وقتًا طويلًا خاصة مع وجود نقص في أجهزة الكشف بالموجات والتي يترتب عليها كثرة عملية فتح الحاويات. عوامل أخرى تعيق سير عملية الإفراج الجمركي تتمثل في تفاوت مصاريف المعامل المسئولة عن تحليل الشحنات على الرغم من ثبات كمية العينة هذه، فضلًا عن عدم كفاية المعامل الموجودة بالمنافذ لإجراء جميع أنواع التحاليل والفحص، وهو ما يتطلب إرسالها إلى جهات خارجية، خاصة وأن القانون لا ينص على وجود فترة تمثل حدًا أقصى لفحص العينات من جانب وزارة الصحة، الأمر الذي يحتاج إلى تصريح من الصحة، وقد تصل مدد الفحص إلى 25 يومًا بسبب اضطرابات الموظفين بالمعامل المركزية، وطول فترات التخليص في الميناء الجوي حتى بعد تطبيق منظومة الشباك الواحد والتي تصل إلى 3 أشهر، وتعدد جهات العرض خارج مكان الدائرة الجمركية مما يزيد من فترات الفحص، وعدم وجود منظومة معلوماتية لتبادل البيانات بين الجمارك والعملاء أو بين الجمارك والجهات الأخرى، واستمرار الاعتماد على الإجراءات الورقية التقليدية، بالإضافة إلى عدم تعميم الربط الإلكتروني بين المنافذ الجمركية المختلفة، خاصة المنافذ البرية النائية، مما يؤدي إلى طول فترة الإفراج الجمركي.

وتُدرك الحكومة تلك التحديات التي تواجه المستثمرين في مصر خلال تعاملهم مع المنافذ الجمركية، وعليه تحاول حل تلك المشاكل على نحو مستمر، والمتابعة مع المستثمرين بمصر لتذلل تلك العقبات. وتتمثل أهم تلك الجهود التي قامت بها الدولة في صدور قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 20 لسنة 2019 بشأن تشكيل لجنة وزارية تكون مسئولة عن متابعة تنفيذ منظومة النافذة الواحدة، وتولي وزارة المالية مسئولية تنفيذ منظومة النافذة الواحدة بهدف تيسير حركة التجارة وتحسين الاستثمار في مصر. قرار آخر تمّ صدوره في عام 2019 هو قرار وزير المالية رقم 74 والذي يتضمن تولي الشركة المصرية لتكنولوجيا التجارة الإلكترونية تنفيذ وإدارة وتشغيل منظومة النافذة الواحدة القومية طبقًا للعقد المبرم مع مصلحة الجمارك، والتي تلاها صدور وثيقة الإطار التنفيذي لمنظومة النافذة الواحدة. وخطة تطوير وتنفيذ التطبيقات الجمركية للتجارة الخارجية والبرنامج الزمني للتنفيذ، هذا فضلًا عن وضع خطة للإسراع في الربط الإلكتروني بين مصلحة الجمارك وهيئة الرقابة على الصادرات والواردات وهيئة التنمية الصناعية لخفض الوقت وتكلفة المعاملات.

لكنّ منظومة التخليص الجمركي لا تزال تحتاج إلى تطوير من خلال وضع مستهدفات محددة، والعمل على تحقيقها، مثل وضع مستهدف لخفض مدة الإفراج الجمركي عن الواردات وعن الصادرات إلى 24 ساعة أسوة بدول منظمة التعاون الاقتصادي، وتطبيق نظام معلوماتي يُتيح تحليل وإدارة مخاطر ما يتم استيراده لكل دولة، بحيث يتم بناء قاعدة بيانات تاريخية عن نوع الواردات التي تأتي من كل دولة، والربط الإلكتروني بين جميع المنافذ الجمركية للتغلب على مشكلة الأعطال المتكررة في نظام الجمارك، والربط بين الجمارك والبنك المركزي والبنوك الأخرى. ويجب مراجعة إجراءات الإفراج النهائي، بحيث يتم توحيد جهود الرقابة على الصادرات والواردات والوزارات المختلفة في إصدار تصريح موحد بإفراج نهائي معتمد من الهيئة، يسمح للمستورد بإخراج الشحنة من مخازنه أيًا كان نطاق تواجدها الجغرافي، مع تطوير المنافذ الجمركية، وتوفير أحدث أجهزة الكشف، وزيادة البوابات الإلكترونية وعدد الموازين والكشافات الضوئية والإنارة والكاميرات. ويجب أن يتم تقليص صلاحيات مأمور الجمارك الذي يمكن أن يُصدر قرارًا وحده بوقف شحنة، حيث يجب أن يكون قرار الوقف صادرًا عن منظومة متكاملة متعددة الأطراف على رأسها قطاع التجارة الخارجية، وعدة ممثلين من جهات متعددة. وأخيرًا، يجب التنسيق مع إحدى المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي والتي تقوم بإصدار تقارير دولية دورية عن بيئة الاستثمار والتخليص الجمركي في مصر من خلال مؤشر سهولة الأعمال، واتخاذ دول مشابهة لمصر كمقياس مقارن بحيث يتم النظر إلى قوانين وسياسات التخليص الجمركي واتّباع تلك الإجراءات، الأمر الذي ينتهي بتحسين منظومة الإفراج الجمركي المصرية، وبالتالي تنعكس بالإيجاب على بيئة الاستثمار والأعمال في مصر.

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة