وحدة الدراسات العربية والإقليمية

التوازنات الحاكمة.. خريطة القوى السياسية التونسية بعد قرارات قيس سعيد

بمجرد إعلان القرارات الأخيرة للرئيس التونسي قيس سعيد، بدأت سلسلة من التفاعلات السياسية في الداخل التونسي، تستهدف من خلالها كافة القوى الفاعلة في الحياة السياسية التونسية، تحديد تموضعها الجديد على ضوء التصاعد المفاجئ في دور الرئاسة التونسية، وما قابله من تراجع دراماتيكي في دور حركة النهضة، وهو تراجع كانت بدايته الفعلية في الانتخابات التشريعية عام 2014، التي اضطرت فيها الحركة للدخول في ائتلاف حكومي مليء بالتناقضات والخلافات. مواقف الأحزاب التونسية من قرارات الرئاسة بشكل عام حظيت قرارات الرئيس التونسي برضا معظم الأحزاب والقوى المدنية التونسية المعارضة، التي كانت فعليًا في جبهة شبه موحدة ضد التيار الإسلامي، الممثل في البرلمان عبر…

محمد منصور
باحث بالمرصد المصري

بمجرد إعلان القرارات الأخيرة للرئيس التونسي قيس سعيد، بدأت سلسلة من التفاعلات السياسية في الداخل التونسي، تستهدف من خلالها كافة القوى الفاعلة في الحياة السياسية التونسية، تحديد تموضعها الجديد على ضوء التصاعد المفاجئ في دور الرئاسة التونسية، وما قابله من تراجع دراماتيكي في دور حركة النهضة، وهو تراجع كانت بدايته الفعلية في الانتخابات التشريعية عام 2014، التي اضطرت فيها الحركة للدخول في ائتلاف حكومي مليء بالتناقضات والخلافات.

مواقف الأحزاب التونسية من قرارات الرئاسة

بشكل عام حظيت قرارات الرئيس التونسي برضا معظم الأحزاب والقوى المدنية التونسية المعارضة، التي كانت فعليًا في جبهة شبه موحدة ضد التيار الإسلامي، الممثل في البرلمان عبر حركة النهضة وائتلاف الكرامة. وقد تفاوتت درجة رضا هذه القوى عن هذه القرارات، ما بين الترحيب الواضح والصريح، وبين تحميل حركة النهضة والحكومة المقالة مسؤولية الوضع الحالي. من بين هذه الأحزاب حركة “الشعب” وحزب “تحيا تونس” وحركة “الراية الوطنية” وحزب “التحالف من أجل تونس” وحزب “آفاق تونس”، وحركة “مشروع تونس”. 

الملاحظة الأساسية هنا أن العديد من الأحزاب الأساسية في الحياة السياسية التونسية، مازالت حتى الآن تتريث في إبداء مواقف واضحة من قرارات الرئاسة التونسية، انتظارًا منها لحزم القرارات الأخرى المتوقعة، بحيث تبني عليها مواقفها الأساسية من هذا المسار برمته، وعلى رأس هذه الأحزاب أحد أهم الأحزاب المعارضة في البرلمان التونسي، وهو الحزب الدستوري الحر.

على الجانب الآخر، أعلنت حركة النهضة بطبيعة الحال عن رفضها التام لهذه القرارات، واعتبرت على لسان الرجل الأول فيها ورئيس مجلس النواب المجمد راشد الغنوشي، أن ما حدث هو بمثابة “انقلاب” على الدستور وعلى مكتسبات الثورة. انضمت إلى هذا الفريق كل من ائتلاف الكرامة وكتلة “قلب تونس” النيابية (التي على ما يبدو بدأ موقفها هذا يتغير)، بجانب حزب “العمال” اليساري وحزب “الاتحاد الشعبي الجمهوري”. حزب “التيار الديموقراطي” كان له موقف مختلف قليلًا، فعلى الرغم من أنه عدّ قرارات الرئاسة التونسية “خرقًا جسيمًا للدستور”، وأكد أنه يختلف بشكل جذري مع تفسير الرئاسة لبنود الفصل 80 من الدستور، إلا أن الأمين العام للحزب حمّل مسؤولية تردي الأوضاع في البلاد لما وصفه بـ “الائتلاف الحاكم” الذي يشمل حركة النهضة والحكومة المقالة.  

ميزان القوى الحزبية الحالي في تونس

كانت الانتخابات التشريعية الثالثة بعد الثورة، والتي تمت في أكتوبر 2019، المؤشر الأساسي الذي حدد توازن القوى الحزبية في تونس منذ ذلك التوقيت وحتى اللحظة المعاشة، ويمكن حصر القوى الحزبية الفاعلة في تونس في الوقت الحالي في التكتلات التالية: 

  • الكتلة الحاكمة

تتكون بشكل أساسي من التكتل ذي التوجهات الإسلامية، الذي يشمل حزب حركة النهضة وتحالف ائتلاف الكرامة، ويحوز هذا التكتل حاليًا على 71 مقعدًا في البرلمان التونسي، بواقع 52 مقعد لحركة النهضة، و19 مقعد لائتلاف الكرامة، وقد أعلن هذا التحالف بشكل واضح عن موقفه الرافض لقرارات الرئاسة التونسية الأخيرة. بالنسبة لحركة النهضة ذات التوجه الإسلامي فقد تم تأسيسها في مارس 2011، على يد مجموعة من المؤسسين الذين كان لهم نشاط سياسي سابق خلال فترة حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو. رغم حداثة تأسيسها الفعلي، إلا أن بدايتها كانت كجماعة إسلامية دعوية عام 1972.

ركزت هذه الحركة منذ العام 2016 بشكل كلي على العمل السياسي وتخلت عن النشاط الديني والدعوي، ورغم تحقيقه لنجاح كبير في انتخابات المجلس التأسيسي عام 2011، إلا أن شعبية الحزب تقلصت على مدار السنوات اللاحقة نتيجة لعدة عوامل منها فشله في تحويل نجاحه على الصعيد النيابي إلى إنجازات على المستوى الحكومي والتنموي، بجانب معاناة الحزب من تبعات الاشتباكات السياسية مع الأحزاب التي اضطر إلى الدخول معها في تحالفات سياسية، وهي اشتباكات نابعة بشكل أساسي من الخلافات الإيديولوجية والفكرية فيما بينه وبينها. 

أما في ما يتعلق بتحالف “ائتلاف الكرامة”، فهو تحالف انتخابي تأسس قبيل انتخابات 2019 التشريعية، وضم عدة أحزاب ذات توجه إسلامي، لم يكن لها القوة الشعبية الكافية كي تدخل منفردة إلى معترك الانتخابات، وهي حزب العدل والتنمية “تأسس عام 2011″، وحزب جبهة الإصلاح “تأسس عام 2012″، بجانب حزب كان مشارك أساسي في التحالف الحاكم عام 2011، وهو حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، الذي أسسه رئيس الجمهورية التونسية السابق المنصف المرزوقي عام 2001، وظل ناشطًا حتى أبريل 2015، حين تم دمجه في حزب جديد تمت تسميته “حراك تونس الإرادة”. 

يضاف إلى تكتل الأحزاب الإسلامية، حزب “قلب تونس”، الذي تأسس في يونيو 2019، برئاسة رجل الأعمال نبيل القروي، بمعية منشقين عن حزب “نداء تونس”، وقد استطاع هذا الحزب الفوز بـ 27 مقعد في انتخابات 2019 التشريعية، كما استطاع مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية في نفس العام منافسة الرئيس الحالي قيس سعيد في الجولة الانتخابية الثانية. يستمد هذا الحزب ثقله السياسي والشعبي من تجربة حزب نداء تونس، بجانب أنشطة وعلاقات رئيس الحزب الذي يمتلك قناة “نسمة” التلفزيونية. وقد أعلن هذا الحزب بشكل صريح في البداية عن رفضه للقرارات الرئاسية التونسية الأخيرة، إلا أن موقفه بدأ في التغير بعد تصريحات لرئيس كتلته النيابية حول صوابية قرارات الرئيس التونسي. 

  • الكتلة اليسارية 

تتمثل هذه الكتلة في تجمع الأحزاب اليسارية التونسية المسمى “الجبهة الشعبية” وهو ائتلاف تم تأسيسه في أكتوبر 2012، وضم مجموعة من الأحزاب اليسارية منها حزب العمال، وحزب الوطنيين الديموقراطيين الموحد “تم تأسيسه عام 2011 على يد السياسي التونسي شكري بلعيد، الذي تم اغتياله عام 2013″، وحزب الطليعة العربي الديمقراطي وحزب حركة البعث “وهما من الأحزاب ذات التوجه القومي”، وحزب تونس الخضراء، والحزب الشعبي للحرية والتقدم، بجانب أحزاب أخرى هي “التيار الشعبي” وحركة “الديمقراطيين الاشتراكيين” وحزب “النضال التقدمي، والحزب “الوطني الاشتراكي الثوري”، ورابطة “اليسار العمالي”. 

كان لهذه الجبهة صوت مسموع ضد الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، وأعلنت في يناير 2018 عن مساندتها للاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت تونس أبان حكومة يوسف الشاهد، لكن على المستوى السياسي لم تتمكن الجبهة من تحقيق نتائج جيدة خلال انتخابات المجلس التأسيسي عام 2011، وحصلت في انتخابات عام 2014 التشريعية على أربعة عشر مقعدًا، لكنها لم تتمكن في انتخابات 2019 إلا من الحصول على مقعد نيابي واحد فقط، ولكن رغم ضآلة هذا التأثير يبقى للتيار اليساري تأثير كبير في الشارع التونسي وداخل منظمات المجتمع المدني. حتى الآن لم تعلن أحزاب هذه الكتلة بشكل واضح عن مواقفها من قرارات الرئاسة التونسية الأخيرة، عدا حزب العمال، الذي أبدي رفضه لهذه القرارات بشكل صريح. 

  • الكتلة الديموقراطية

تمتلك هذه الكتلة في البرلمان الحالي 28 مقعدًا، موزعين بين حزب “التيار الديموقراطي”، وحزب “حركة الشعب”. حزب التيار الديموقراطي ينتمي إلى يسار الوسط، وقد تأسس في مايو 2013، من منشقين عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وشارك في الانتخابات التشريعية عام 2014 وفاز بثلاثة مقاعد، ولوحظ ارتفاع أدائه السياسي خلال الانتخابات البلدية عام 2018، التي حصل فيها على المركز الثالث، وشارك في الانتخابات الرئاسية عام 2019، حين ترشح أمينه العام محمد عبو، وحصل على 4.3 بالمائة من الأصوات. 

تقدم أداء هذا الحزب على المستوى السياسي ظهر جليًا من خلال حصوله على 22 مقعدًا في الانتخابات التشريعية عام 2019. أما حزب “حركة الشعب”، فهو حزب ذو توجهات ناصرية، تم ترخيصه في مارس 2011، وشغل السياسي التونسي الراحل محمد براهمي منصب أمينه العام حتى اغتياله عام 2013. حصل هذا الحزب في انتخابات عام 2014 التشريعية على ثلاث مقاعد، لكنه حقق نتيجة جيدة في انتخابات عام 2019، بحصوله على 15 مقعد. فيما يتعلق بمواقف حزبي هذه الكتلة من القرارات الرئاسية التونسية الأخيرة، فقد أعرب حزب “حركة الشعب” عن تأييده الصريح لها، في حين تحفظ حزب “التيار الديموقراطي” عليها.

  • حزب تحيا تونس

 يمتلك هذا الحزب حاليًا أحد عشر مقعدًا في البرلمان التونسي، وتم تأسيسه في مارس 2019، على يد رئيس الحكومة التونسية السابق يوسف الشاهد، بمعية منشقين عن حزبي “مشروع تونس” و”نداء تونس”، وهو حزب ذو توجهات علمانية تقترب من أفكار الزعيم التونسي الراحل بورقيبة. وقد عبر هذا الحزب بشكل واضح عن تأييده للقرارات الرئاسية التونسية الأخيرة.  

  • كتلة الإصلاح: 

تتألف من مجموعة من الأحزاب المختلفة التوجهات، والتي كان لبعضها خلال الاستحقاقات الانتخابية الماضية أداءً انتخابيًا جيدًا. يبلغ عدد مقاعد هذه الكتلة 16 مقعدًا، موزعة بين كل من حزب “نداء تونس”، الذي أسسه الرئيس التونسي السابق الباجي قايد السبسي في يوليو 2012، وتضمن أعضاءً سابقين في حزب “التجمع الدستوري الديموقراطي” الحاكم في حقبة ما قبل 2011، وقد تصدر هذا الحزب نتائج الانتخابات التشريعية عام 2014، وفاز زعيم الحزب قايد السبسي بانتخابات الرئاسة في نفس العام، بحصوله على 55.68 بالمائة من أصوات الناخبين، وشكل بعدها الحزب الحكومة الجديدة برئاسة الحبيب الصيد، لكن عانى بعد ذلك من انشقاقات داخلية عميقة، أدت إلى تدهور أدائه السياسي في انتخابات 2019، التي حصد فيها أربعة مقاعد فقط، وتفرع منه عدة أحزاب منها حزب تحيا تونس، وحزب قلب تونس، وقد أصبح هذا الأخير عمليًا وريث هذا الحزب. 

يضاف إلى هذا الحزب، حزب “آفاق تونس”، الذي ينتمي لتيار يمين الوسط، وتم تأسيسه في مارس 2011، وحصل في انتخابات المجلس التأسيسي عام 2011 على أربعة مقاعد، وفي انتخابات 2014 على ثمانية مقاعد، ومقعدين فقط في انتخابات 2019 التشريعية، وحزب “مشروع تونس” ذو التوجه الليبرالي، الذي حصل في انتخابات 2019 على أربعة مقاعد، وحزب البديل التونسي، الذي تم تأسيسه عام 2017، على يد رئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة، وحاز في انتخابات عام 2019 على ثلاث مقاعد في البرلمان. وقد أعلن كلا الحزبين عن دعمهما للقرارات الرئاسية الأخيرة. 

  • الحزب الدستوري الحر

 يعد هذا الحزب ذو التوجه الاشتراكي القومي، من أبرز أحزاب المعارضة الحالية، حيث يمتلك 16 مقعدًا بالبرلمان التونسي، وقد تأسس في سبتمبر 2013، من خلال كوادر حزب “التجمع الدستوري الديموقراطي” الذي كان بمثابة الحزب الحاكم في تونس قبل ثورة 2011، مثل رئيس الوزراء السابق حامد قروي. شارك هذا الحزب بمسماه القديم “الحركة الدستورية”، في الانتخابات التشريعية عام 2014، لكنه لم يحرز أي مقاعد، وتم تغيير اسمه في أغسطس 2016، وشارك في انتخابات عام 2019 التشريعية، كما شاركت رئيسة الحزب عبير موسى في الانتخابات الرئاسية عام 2019، وحصلت على 5.4 بالمائة من أصوات الناخبين. ويعد هذا الحزب من أبرز الأحزاب التي لم تعلن عن رأيها بشكل واضح في القرارات الرئاسية الأخيرة.

موقف منظمات المجتمع المدني التونسية

يعد موقف الاتحاد العام التونسي للشغل، من أهم المواقف التي عبرت بشكل كبير عن رضا المجتمع المدني في تونس عن القرارات الرئاسية الأخيرة، خاصة أن مواقف الاتحاد كانت قد تقاطعت عدة مرات سابقًا مع مواقف الرئيس التونسي قيس سعيد. موقف الاتحاد من هذه القرارات كان بشكل ضمني متجاوباُ معها، حيث طالب بوجوب مرافقة التدابير الاستثنائية التي تم اتخاذها بجملة من الضمانات الدستورية، وكذا مراجعة التدابير الخاصة بالقضاء لضمان استقلاليته، وضرورة تحديد مدة تطبيق هذه التدابير والإسراع بإنهائها كي لا تتحول لتدابير مستدامة، وذلك عبر خارطة طريق سياسية واضحة. وقد عبر الاتحاد عن احترامه الإرادة الشعبية التي فرضت قرارات الرئاسة التونسية، وأن هذه القرارات “في روح دستور الجمهورية الثانية”. 

يتصدر الاتحاد حاليًا مشهد منظمات المجتمع المدني التونسية، فهو يحتفظ بتجربة سياسية وحزبية فريدة كأكبر تجمع نقابي في البلاد، بدأت فعليًا بعد تأسيسه عام 1946، وقد كان الاتحاد دائمًا ممثلًا في البرلمان التونسي خلال حقبة ما قبل عام 2011، أما في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي 2011، فقد شارك بعض النقابيين المنتمين للاتحاد في قوائم مستقلة، لكن لم يتمكن أحد منهم من الفوز بأي مقاعد نيابية منذ ذلك التاريخ. 

لكن رغم هذا، كان الاتحاد التونسي للشغل بمثابة جبهة سياسية لصد التوجهات الليبرالية والرأسمالية التي شابت سياسات الحكومات التونسية المتعاقبة بعد ثورة يناير 2011. وخلال السنوات الماضية، وتحديدًا منذ عام 2019، كان الاتحاد يدعو بشكل متكرر للإضراب العمالي مع حلول شهري يناير وفبراير، وكانت هذه الورقة من أهم أوراق الضغط التي يمتلكها الاتحاد، كما أنه لعب دورًا توافقيًا في فترات عدة، من بينها دعوته عام 2013، بالاشتراك مع الرابطة التونسية لحقوق الإنسان “التي تعد من أقدم منظمات حقوق الإنسان في أفريقيا والعالم العربي”، والهيئة الوطنية للمحامين، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية إلى حوار وطني جامع واتفاق على العقد الاجتماعي التونسي، بين حركة النهضة التي كانت تتصدر المشهد السياسي حينها وبين أحزاب المعارضة، وقد حاز هذا الائتلاف على جائزة نوبل للسلام عام 2015 تقديرًا لجهوده في حماية السلم الأهلي في تونس من الخلافات السياسية الحادة التي شابت تلك الفترة. 

موقف الجيش التونسي والأجهزة الأمنية

بدا من الاجتماعات الأخيرة بين قادة المؤسسة العسكرية والأمنية التونسية مع الرئيس قيس سعيد، أن هذا الأخير كان حريصًا على التنسيق معها بهدف ضمان عدم حدوث هزات أمنية في الداخل التونسي نتيجة لأية تداعيات ميدانية محتملة، وفي هذا تعزيز لدور المؤسسة العسكرية بشكل خاص، وهي ورقة مهمة في يد الرئاسة التونسية، نظرًا لتمتع المؤسسة العسكرية – التي عانت خلال نظام بن علي من التهميش والإهمال- بنوع من الإجماع الداخلي لاعتبارات عديدة، من بينها عدم وقوفها إلى جانب الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وعدم تورطها في قمع الاحتجاجات أثناء ثورة 2011، وحرصها على اتخاذ موقف حيادي وعدم التدخل في شؤون الحكم مكتفية بالمراقبة واحترام الشرعية والدستور والانتخابات، وقد باتت هذه المؤسسة الآن أمام استحقاق داخلي مهم، تستطيع أن تلعب فيه دور “رمانة الميزان” التي تحفظ تماسك الكيان التونسي. 

إلا أن دور الجيش في المعادلة السياسية التونسية بدأ في تلقى بعض الانتقادات منذ عام 2012، على خلفية تصاعد أعمال العنف والإرهاب في البلاد، ما بين تصاعد أنشطة المجموعات الجهادية السلفية، نتيجة لسيولة مناخ الحريات السياسية في البلاد، وبين تزايد وتيرة العمليات الإرهابية في عدة مناطق. كما اشتملت هذه الانتقادات على نقد لدور القضاء العسكري التونسي في سنوات ما بعد الثورة، في محاكمة المسؤولين الأمنيين عن قتل المتظاهرين خلال أحداث الثورة، كما طالت انتقادات أخرى مؤسسة الجيش من جانب عدة قوى سياسية تونسية، لالتزامه الحياد خلال التفاعلات السياسية التي شهدتها البلاد عامي 2012 و2013. ومن اللافت في هذا الصدد أنه من ضمن قرارات الرئيس التونسي الأخيرة، قرار بإنهاء مهام مدير هيئة القضاء العسكري. 

فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية التونسية، فقد كان لها دور أساسي خلال فترة ما قبل ثورة 2011، في لجم التفاعلات الحزبية والنقابية التي كانت تنفجر كل فترة في تونس نتيجة للضغوط السياسية والاقتصادية، وهذا كان واضحًا بشكل كبير خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال المرحلة الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. هذا الدور من جانب الأجهزة الأمنية تعرض لضربة كبيرة بعد ثورة يناير، حيث تم وضع قيود كبيرة على حرية حركة هذه الأجهزة، خاصة بعد موجة الاغتيالات التي ضربت البلاد عام 2013.

وقد واجهت هذه الأجهزة بعد ثورة يناير 2011، تحديات عديدة تتعلق باهتزاز شرعيتها وانعدام التوافق السياسي حول دورها، حيث باتت التعيينات في السلك الشرطي بروافده “الشرطة  الحرس الوطني  السجون والإصلاح” بمثابة ساحة للتراشق السياسي بشكل جعل مسألة إصلاح هذه الأجهزة أكثر صعوبة، رغم تعدد المحاولات الحكومية لتحقيق ذلك، ومنها إقالة رئيس الحكومة الأسبق الحبيب الصيد أوائل 2015، عددًا من قيادات الشرطة، من بينهم رئيس شرطة العاصمة، بعد فشلهم في التعاطي مع التهديدات الأمنية والإرهابية في البلاد، وكذلك التغييرات التي طالت المؤسسة الأمنية خلال فترة تولي حكومة هشام المشيشي المسؤولية. الواضح أن ملف إصلاح المؤسسة الأمنية يأتي على رأس أولويات الرئيس التونسي في المرحلة الحالية، وهذا يظهر بشكل أكبر من خلال قراره بتكليف مستشاره للشؤون الأمنية رضا غرسلاوي بمهام وزير الداخلية. 

الرئاسة التونسية ومحاولة جني زخم أكبر

بشكل عام، لم يكن لمنصب الرئاسة خلال سنوات ما قبل الثورة ذو تأثير سياسي وازن كما كان الحال عليه قبل الثورة، لكن حاولت شخصيات تولت هذا المنصب، مثل الباجي قايد السبسي، وقيس سعيد، فرض معادلة سياسية يكون للرئيس التونسي فيها تأثير أكبر، وقد قاومت معظم الأحزاب التونسية في ذلك التوقيت هذه المحاولات. إلا أنه وبسبب اتسام الحياة السياسية التونسية بعد 2011، بمعدلات عالية من الديناميكية، التي أدت إلى الظهور السريع والأفول الأسرع لبعض القوى السياسية، أدى ذلك إلى بدء عودة بعض اللاعبين السياسيين الأساسيين في البلاد إلى تصدر المشهد من جديد، مثل حركة النهضة والرئاسة التونسية ومن خلفهم المؤسسة العسكرية والأمنية.

معيار الحكم على هذه التجربة، سيكون عبر قياس اتجاهين أساسيين، الأول هو كيفية نجاح الرئاسة التونسية في جني قبول ورضا بقية الأحزاب والقوى السياسية بشأن القرارات الأخيرة، خاصة بعد أن استشعرت حركة النهضة تفشي هذا القبول بالشكل الذي جعلها تقف حتى الآن معزولة بشكل شبه كلي. أما الاتجاه الثاني فهو قدرة الرئاسة التونسية على إدارة الاستحقاق الحكومي والسياسي خلال الفترة المقبلة، بالشكل الذي لا يؤدي إلى صدامات جانبية، وفي نفس الوقت يتعاطى بفعالية وحكمة مع التحركات المتوقعة من جانب حركة النهضة، والتي تتراوح بين الدعوة لانتخابات مبكرة، واللجوء إلى الشارع.

نقلا عن إصدار تونس .. تصحيح المسار “خريف النهضة “
محمد منصور
باحث بالمرصد المصري