وحدة الدراسات الاقتصادية

ميزان المدفوعات المصري: تجاوز الجائحة ومواجهة الاختلالات الهيكلية

على الرغم من تأثير أزمة جائحة كورونا على كافة القطاعات والأنشطة الاقتصادية، غير أن تأثيرها على قطاع المعاملات الخارجية كان الأكثر حدة؛ وذلك نتيجة تراجع حركة التجارة الدولية وتوقف السياحة وتباطؤ معدل تدفق الاستثمارات الأجنبية. وقد انعكس ذلك على بيانات ميزان المدفوعات الذي سجل تراجعًا تجاوز 8.6 مليارات دولار خلال العام المالي 2019/2020، منها 5.1 مليارات دولار خلال الفترة يوليو/مارس 2019/2020. ومع بدء تعافي الاقتصاد من جائحة كورونا أظهرت بيانات البنك المركزي المصري تحسن وضع ميزان المدفوعات خلال الفترة يوليو/ مارس من العام المالي 2020/2021 إذ حقق فائضًا بلغ نحو 1.8 مليار دولار.  تطور وضع ميزان المدفوعات سجّل ميزان المدفوعات…

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

على الرغم من تأثير أزمة جائحة كورونا على كافة القطاعات والأنشطة الاقتصادية، غير أن تأثيرها على قطاع المعاملات الخارجية كان الأكثر حدة؛ وذلك نتيجة تراجع حركة التجارة الدولية وتوقف السياحة وتباطؤ معدل تدفق الاستثمارات الأجنبية. وقد انعكس ذلك على بيانات ميزان المدفوعات الذي سجل تراجعًا تجاوز 8.6 مليارات دولار خلال العام المالي 2019/2020، منها 5.1 مليارات دولار خلال الفترة يوليو/مارس 2019/2020. ومع بدء تعافي الاقتصاد من جائحة كورونا أظهرت بيانات البنك المركزي المصري تحسن وضع ميزان المدفوعات خلال الفترة يوليو/ مارس من العام المالي 2020/2021 إذ حقق فائضًا بلغ نحو 1.8 مليار دولار. 

تطور وضع ميزان المدفوعات

سجّل ميزان المدفوعات فائضًا كليًا بلغ 1.8 مليار دولار خلال الفترة يوليو/مارس 2020/2021، وهي الفترة التي شهدت بدء تعافي الأوضاع الاقتصادية من تبعات فيروس كورونا، حيث تم تخفيف الإجراءات الاحترازية، وبدأ تدريجيًا استعادة فتح حركة الطيران وانتقال البضائع والسياح بين الدول. وبمقارنة وضع ميزان المدفوعات خلال الفترة ذاتها من العامين المالين السابقين يتبين تسجيل عجز بمقدار 5.1 مليارات دولار خلال العام المالي 2019/2020، وهو أمر متوقع نتيجة تأثير جائحة كورونا على العاملات مع العالم الخارجي، وكان قد تم تسجيل عجز بمقدار 351.2 مليون دولار خلال الفترة ذاتها من العام المالي 2018/2019، وهي الفترة السابقة لظهور فيروس كورونا وانتشاره بين الدول.

شكل (1): وضع ميزان المدفوعات (بالمليون دولار)
المصدر: البنك المركزي المصري.

ويرجع عجز ميزان المدفوعات خلال الفترة يوليو/مارس 2018/2019 إلى عجز حساب المعاملات الجارية نتيجة ارتفاع عجز الميزان التجاري، وانكماش صافي التحويلات، وخاصة تحويلات العاملين بالخارج، وارتفاع تراجع ميزان دخل الاستثمار مع زيادة تحويلات أرباح شركات البترول الأجنبية العاملة في مصر، وارتفاع مدفوعات فائدة الديون الخارجية. وقد حد من ذلك التراجع تحسن وضع ميزان الخدمات بما في ذلك من إيرادات النقل وإيرادات السياحة. أما بالنسبة لميزان المعاملات المالية والرأسمالية فقد سجل فائضًا نتيجة ارتفاع تدفقات الاستثمارات الموجهة للقطاع البترولي وقطاع العقارات، وارتفاع الاستثمارات بمحفظة الأوراق المالية، خاصة الموجهة إلى الأوراق المالية الحكومية، وتراجع مدفوعات القروض متوسطة وطويلة الأجل، وكذلك التسهيلات قصيرة الأجل.

وقد ارتفع عجز ميزان المدفوعات خلال الفترة (يوليو/مارس) 2019/2020 التي شهدت بداية ظهور فيروس كورونا، وارتفاع تأثيره على الأوضاع الاقتصادية العالمية والمحلية، فسجل حساب المعاملات الجارية عجزًا، كما تراجع فائض الحساب المالي والرأسمالي. وجاء عجز ميزان الحساب الجاري نتيجة عجز الميزان التجاري، وتراجع فائض ميزان الخدمات مع تراجع إيرادات السياحة والنقل، وارتفاع عجز ميزان دخل الاستثمار مع ارتفاع تحويلات أرباح دخل الاستثمار للخارج، وارتفاع الفوائد على الدين الخارجي، وارتفاع تحويلات فوائد أرباح السندات والأوراق المالية. أما بالنسبة لميزان المعاملات المالية والرأسمالية فقد تراجع الفائض نتيجة ارتفاع تدفق استثمارات محفظة الأوراق المالية للخارج، وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فضلًا عن زيادة المدفوعات على القروض والتسهيلات طويلة ومتوسطة الأجل.

أما بالنسبة للفترة (يوليو/مارس) 2020/2021، فقد شهدت تحسن أداء معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي ليحقق الميزان الكلي فائضًا بمقدار 1.8 مليار دولار؛ ويرجع هذا التحسن بصفة أساسية إلى ارتفاع فائض الحساب المالي والرأسمالي نتيجة التحسن في الاستثمارات الأجنبية في محفظة الأوراق المالية، فضلًا عن ارتفاع القروض والتسهيلات طويلة ومتوسطة الأجل. أما بالنسبة لحساب المعاملات الجارية فقد سجل عجزًا مع تراجع إيرادات السياحة والنقل وارتفاع عجز الميزان التجاري غير البترولي، غير أن هناك عددًا من العوامل التي حدت من تفاقم العجز، من بينها ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج، وتحسن وضع الميزان التجاري البترولي نتيجة انخفاض الواردات بدرجة أكبر من انخفاض الصادرات عن الفترة المماثلة من العام الماضي، وتراجع عجز ميزان دخل الاستثمار مع تراجع مدفوعات دخل الاستثمار بدرجة أكبر من تراجع المتحصلات والذي يرجع بصفة أساسية إلى تراجع أرباح شركات البترول الأجنبية العاملة في مصر في ظل تراجع أسعار البترول العالمية، بالإضافة إلى تراجع الفوائد المدفوعة على الدين الخارجي.

العوامل المؤثرة على ميزان المدفوعات ودلالتها الاقتصادية

شكل (2): مكونات ميزان المدفوعات

بمراجعة بيانات ميزان المدفوعات المصري خلال الأعوام والفترات الزمنية المختلفة، يلاحظ أنه غالبًا ما يسجل حساب المعاملات الجارية عجزًا، في حين يسجل حساب المعاملات المالية والرأسمالية فائضًا. وينتج فائض أو عجز ميزان المدفوعات الكلي بمقارنة العجز المتحقق في الحساب الجاري مع فائض الحساب الرأسمالي والمالي.

شكل (3): ميزان المدفوعات (بالمليون دولار)

وتجدر الإشارة هنا إلى أن معيار تسجيل المعاملات في ميزان المدفوعات هو المعيار النقدي، أي اتجاه تدفق الأموال، ومن ثم فإن عجز حساب المعاملات الجارية يكون نتيجة إما عجز الميزان التجاري أي زيادة الواردات عن الصادرات، أو عجز ميزان الخدمات نتيجة انخفاض إيرادات النقل والسياحة والمتحصلات الحكومية عن المدفوعات، أو عجز ميزان دخل الاستثمار والناتج عن ارتفاع تحويلات أرباح الشركات الأجنبية العاملة في مصر عن تحويلات أرباح الشركات المصرية بالخارج، أو ارتفاع التحويلات للخارج عن التحويلات للداخل بما فيها من تحويلات العاملين بالخارج.

وعلى الرغم من تأثير عجز حساب المعاملات الجارية على صافي الاحتياطي من النقد الأجنبي؛ إلا أنه يأتي انعكاسًا لعددٍ من العوامل الداخلية و/أو الخارجية التي لها دلالات أخرى عن الأداء الاقتصادي العام للدولة. فعلى سبيل المثال، يتأثر ميزان السلع البترولية بالأسعار العالمية للطاقة وحجم الاستهلاك العالمي للطاقة، فقد يحقق عجزًا على الرغم من زيادة الإنتاج المحلي من الطاقة. أما بالنسبة لميزان دخل الاستثمار فمع تدفق أرباح الشركات الأجنبية العاملة في مصر إلى الخارج يمثل ذلك مؤشرًا لارتفاع العائد على الاستثمار في مصر، فضلًا عن عدم وجود قيود لتحويل الأرباح إلى البلد الأم وهو مؤشر جيد لجذب الاستثمار الأجنبي في مصر. وعلى العكس من ذلك، فإن ارتفاع التحويلات للداخل يؤدي إلى الحد من تفاقم عجز حساب المعاملات الجارية إلا أنه غالبًا ما يترتب عليها ارتفاع في معدلات التضخم نتيجة زيادة حجم النقد المتداول مقابل إنتاج تم في الخارج.

أما بالنسبة لفائض ميزان المعاملات المالية والرأسمالية فقد يرجع إلى ارتفاع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر أو ارتفاع صافي تدفقات استثمارات محفظة الأوراق المالية، أو ارتفاع صافي الاقتراض من العالم الخارجي.

فأما بالنسبة لارتفاع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر، فعلى الرغم من أنه مؤشر إيجابي لقدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات وانعكاس ذلك على معدلات التشغيل والإنتاج والنمو الاقتصادي، وكذلك التأثير الإيجابي على حصيلة النقد الأجنبي؛ إلا أن توجه النسبة الأكبر من تلك الاستثمارات إلى قطاعي البترول والعقارات يحرم القطاعات الإنتاجية الأخرى من فرص النمو ونقل التكنولوجيا، كما أنه يؤدي إلى عدم استقرار معدلات الاستثمار الأجنبي نتيجة ارتباط قطاع الطاقة بالأسواق الدولية. أما بالنسبة للاستثمارات غير المباشرة فإن مدى جدواها يتوقف على كونها استثمارات طويلة الأجل أم أموالًا ساخنة تهدف إلى المضاربة والربح السريع.

وبالنسبة لصافي الاقتراض من العالم الخارجي، فهو متعلق بالاتفاقيات الدولية بين مصر ومؤسسات التمويل الدولية وفقًا لمقتضيات الأوضاع الداخلية، مثل برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 2016، وكذلك ما تلقته الدولة من صندوق النقد الدولي من خلال أداة التمويل السريع الممنوح للحكومة المصرية في منتصف مايو 2020 المقدر بنحو 2.77 مليار دولار، وأيضًا اتفاق الاستعداد الائتماني مع صندوق النقد الدولي في يونيو 2020، بقيمة 5.2 مليارات دولار مدته 12 شهرًا، وهو ما يعادل 3.76 مليارات وحدة سحب خاصة، ويهدف إلى المساعدة على التأقلم مع تبعات جائحة فيروس كورونا وتعويض النقص في الميزانية وميزان المدفوعات.

وبجانب العوامل الهيكلية المؤثرة على أداء ميزان المدفوعات فهناك عدد من العوامل النقدية التي تسهم في تحسين وضع ميزان المدفوعات، ومن أهم تلك العوامل ارتفاع سعر الصرف الحقيقي الفعال، وارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية. وعلى العكس فإن ارتفاع حجم الائتمان المحلي الممنوح للقطاع الخاص من شأنه زيادة الواردات وتدهور وضع الميزان التجاري. وهنا أيضًا يلاحظ أن العوامل التي تؤدي إلى تحسن وضع ميزان المدفوعات لها دلالات مغايرة على الوضع الاقتصادي العام؛ إذ إن ارتفاع سعر الصرف الحقيقي الفعال يعني تدهور قيمة العملة وما يترتب عليه من ارتفاع الأسعار بالداخل، في حين يؤدي رفع أسعار الفائدة إلى انخفاض حجم الاستثمارات المباشر وغير المباشرة، وكذلك الأمر بالنسبة لمعدل الائتمان الممنوح للقطاع الخاص الذي من شأنه دفع وتعزيز الاستثمارات، إلا أنه يؤدي إلى زيادة الواردات ومن ثم عجز الميزان التجاري.

ومن هنا، يتببن ضرورة العمل ليس فقط على زيادة الفائض بميزان المدفوعات وإنما تحسين الظروف والأثر الاقتصادي لذلك الفائض. ويمكن ذلك من خلال عدد من التوجهات، منها: تحفيز القطاعات الإنتاجية على زيادة القيمة المضافة للسلع المصدرة وذلك بتطوير أساليب الإنتاج وزيادة المكون التكنولوجي للمنتجات المحلية، ويدعم من ذلك الاتفاقيات التجارية المتعددة التي عقدتها مصر مع دول العالم، فيمكن العمل على زيادة وتنوع الشركاء التجاريين خاصة الدول الإفريقية الغنية بالمواد الخام الأولية. كما أن هناك ضرورة لتحفيز توجه الاستثمارات الأجنبية إلى القطاعات المختلفة بخلاف قطاع البترول والعقارات، فضلًا عن أهمية تشجيع الاستثمارات الأجنبية لإعادة استثمار النسبة الأكبر من الأرباح، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى خلق المزيد من فرص العمل بالداخل بما يحد من ارتفاع معدلات التضخم الناتجة عن تحويلات العاملين بالخارج.

ومن جهة أخرى، فإن تنوع المجالات السياحية له عظيم الأثر على الاقتصاد المحلي نتيجة وجود العديد من الروابط الأمامية والخلفية لقطاع السياحة مع عدد كبير من القطاعات الأخرى. وفي هذا الإطار، يمكن التركيز بصفة خاصة على سياحة المعارض والمؤتمرات؛ إذ تحتل المركز الأول في مستوى الإنفاق، مع العمل على جذب السياح من الدول العربية، إذ يعتبر السائح العربي هو الأكثر إنفاقًا. وفي ظل تأثر قطاع السياحة بالأزمات والاضطرابات الخارجية والداخلية، فهناك ضرورة ملحة للترويج للسياحة الافتراضية من خلال إنشاء منصات إلكترونية تسمح بزيارة الأماكن السياحية بمقابل مالي عن طريق الإنترنت، مع ضمان إتاحة البنية التحتية والتكنولوجية التي تسمح بذلك.

وعلى صعيد قطاع النقل، ففي ظل أهمية النقل البحري عالميًا؛ إذ يستحوذ على 80% من حجم التجارة العالمية، ومع زيادة حجم الاستثمارات الموجهة إلى محور قناة السويس في إطار مبادرة “الحزام والطريق” الصينية؛ يمكن تطوير قطاع اللوجستيات من خلال إنشاء مشروعات لوجستية خاصة بالنقل البحري وخدمات السفن وصناعات التغليف والتعليب والصناعات المتعلقة بالنقل البحري، الأمر الذي يُسهم بدوره في زيادة إيرادات قطاع النقل، وتنشيط التجارة الخارجية، وتعزيز الصادرات وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، وخلق موارد وفرص عمل جديدة.

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة