مقال تحليلي

“الفيروس الإخواني” واختبار الديمقراطية

الحدث التونسي هو الأكبر بلا منازع هذه الأيام، وقد فرض نفسه على هذا العدد من تقديرات مصرية. تونس بلد مسالم، لم تدخل حربًا واحدة منذ الاستقلال، ولم تكن أبدًا طرفًا في محاور استراتيجية متنافسة. في هذا البلد الفريد يجري في هذه الأيام اختبار عديد النظريات المتعلقة بالتطور السياسي في منطقتنا. على أرض تونس تتعرض نظريات السياسة والحكم والديمقراطية والعقائد السياسية والدين والسياسة لاختبار كبير. ليس لدى العرب صفات وراثية تمنعهم عن الديمقراطية. غير أن مجتمعات العرب أصابها فيروس خبيث اسمه الإسلام السياسي والإخوان المسلمون، وهو فيروس يجعل الجسم الاجتماعي والسياسي العربي لافظًا للديمقراطية. يتخفى الفيروس الإخواني في شكل أحزاب تدعي…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

الحدث التونسي هو الأكبر بلا منازع هذه الأيام، وقد فرض نفسه على هذا العدد من تقديرات مصرية. تونس بلد مسالم، لم تدخل حربًا واحدة منذ الاستقلال، ولم تكن أبدًا طرفًا في محاور استراتيجية متنافسة. في هذا البلد الفريد يجري في هذه الأيام اختبار عديد النظريات المتعلقة بالتطور السياسي في منطقتنا. على أرض تونس تتعرض نظريات السياسة والحكم والديمقراطية والعقائد السياسية والدين والسياسة لاختبار كبير.

ليس لدى العرب صفات وراثية تمنعهم عن الديمقراطية. غير أن مجتمعات العرب أصابها فيروس خبيث اسمه الإسلام السياسي والإخوان المسلمون، وهو فيروس يجعل الجسم الاجتماعي والسياسي العربي لافظًا للديمقراطية. يتخفى الفيروس الإخواني في شكل أحزاب تدعي الاعتدال والسلمية والتعددية، غير أن هذا ليس سوى حيلة تستهدف خداع أجهزة إنتاج الأجسام المضادة، حتى يتمكن الفيروس من اختراق جسد وعقل المجتمع.

تبدأ الآثار المدمّرة للفيروس الإخواني مبكرًا، عندما يتمكن الفكر الإخواني من اختراق عقول أعداد كبيرة من الشباب، فيخسر المجتمع جهود هؤلاء، الذي يتحولون من قوة إبداع وتجديد، إلى قوة محافظة رجعية، تشد المجتمع إلى الوراء. عند لحظة معينة يكتشف المجتمع مخاطر الفيروس الإخواني، وينقسم بين مخدوع ومقاوم، ويحتدم الصراع بين الفريقين.

في هذه المرحلة يدخل المجتمع في اختبار جديد، يدور حول ما إذا كان يمكن بناء الديمقراطية في مجتمع يعاني من انقسام واستقطاب أيديولوجي. لقد علمتنا التجربة الغربية أن الديمقراطية تكون فعّالة في حل خلافات السياسة بين متشابِهِين يقفون على نفس الأرضية الفلسفية، رغم اختلاف برامجهم السياسية، وأنه كلما اتسعت الفجوة الأيديولوجية بين المتنافسين، تحولت السياسة إلى مباراة صفرية، يسعى فيها كل طرف لإلغاء الفريق الآخر، لا إلى اقتسام السلطة معه ومشاركته فيها. أليست هذه هي دروس النازية والفاشية والحرب الأهلية الأمريكية؟.

الاختيار بين حكومة كفؤة فعالة، وبين نظام حكم يتخفى وراء مسوح الديمقراطية من أجل الحفاظ على المكاسب الخاصة لنخب سياسية، هو اختبار آخر يواجه الديمقراطية العربية في تونس. لقد جرت الإساءة للديمقراطية كثيرًا في العالم العربي عندما تحولت في تجربة خاضها الإسلاميون، إلى مسخ عاجز عن الإنجاز وحل مشكلات الناس. وفي بلاد يعاني الأغلبية من الشعب فيها من احتياجات اقتصادية واجتماعية أساسية؛ فإن رفع شعارات الحرية لا تكفي لإقناع الناس بمواصلة القبول بنقص الوظائف والخدمات والإفقار. وعندما يوضع حق النخب في التمتع بحرية التعبير مقابل حق الناس في حياة كريمة، فإن الاختيار لا يحتاج إلى تردد.

في تونس يجري اختبار النظريات القائلة بأولوية الديمقراطية، وتلك القائلة بضرورة توافر شروط مسبقة لتحقق الديمقراطية. هل كل المجتمعات لديها قابلية متساوية للديمقراطية؟ وهل النظام الديمقراطي هو الطريق لحل مشكلات المجتمع؟ أم أن الديمقراطية هي نتيجة وليست سببًا، وأن توافر شروط معينة، سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، هو أمر ضروري لظهور ديمقراطية فعّالة مستدامة؟.

المؤكّد في كل هذا هو أن لكل بلد خصوصيته وتجربته الفريدة، وأنه لا يمكن استنساخ تجربة أي بلد في بلد آخر، فلا تجارب وخبرات أوروبا قابلة للاستنساخ في العالم العربي، ولا تجارب المشرق العربي قابلة للاستنساخ في المغرب، وأنه علينا إفساح المجال لتمكين الشعب التونسي من استكمال تجربته الخاصة، التي سنتعلم الكثير من دروسها، حتى لو كان استنساخها هي أيضًا أمرًا غير ممكن.

انعدام فاعلية

لم ينشغل العالم العربي بتونس وحدها، ولكنه انشغل أيضًا بلبنان، الذي تتعمق أزمته يومًا بعد آخر. ورغم أن المظهر الاقتصادي هو الغالب على الأزمة اللبنانية، إلا أن الصلة بين الاقتصاد والسياسة في لبنان شديدة الوضوح. ففي لبنان دخل النظام السياسي التعددي في أزمة انعدام فاعلية عميقة. ففي تونس ولبنان تتمتع أطراف كثيرة بالقدرة على الاعتراض والتعطيل، لكن لا يوجد طرف أو تكتل قادر على التصدي للقيادة، والنتيجة هي حالة تعطيل الجميع للجميع، وعجز شامل عن الأداء. مرة أخرى، إنه التناقض الذي وقعت فيه النظم العربية شبه الديمقراطية، بين حق النخب في التعبير والمناورة والمراوغة، وحق الناس في العيش الكريم الآمن.

انشغل العالم أجمع بالحدث التونسي، لكنه انشغل أيضًا بأحداث وتطورات شديدة الأهمية. التغير المناخي هو قضية تشغل العالم منذ عقدين على الأقل؛ إلا أن تزامن ظواهر مناخية متطرفة في مناطق متفرقة من العالم قد أضفى على قضية التغير المناخي إلحاحًا وإقناعًا لا تتمتع به طوال الوقت. فقد أغرقت الفيضانات الصين ووسط أوروبا، واشتعلت حرائق الغابات في شرق المتوسط والبلقان وسيبيريا، وارتفعت الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة ولفترات طويلة في بلاد باردة في شمال أوروبا، فيما ضرب الجفاف، ومعه جاء نقص الغذاء، جزيرة مدغشقر، أحد أهم خزانات التنوع البيولوجي في العالم.

التزامن بين كل هذه الظواهر أعاد إلى الواجهة فعالية الجهود الدولية لمكافحة التغير المناخي. من حسن الحظ أن قدرًا من التوافق الدولي يبدو متحققًا في هذا المجال، لكن ما زالت الشكوك تحوم بشأن ما إذا كانت حكومات العالم سَتَفِي بالتزاماتها هذه المرة، وما إذا كانت تستطيع الارتقاء بأفعالها إلى مستوى البلاغة البيئية التي تتحدث بها. لقد كسبت قضية التغير المناخي زخمًا كبيرًا مع انتخاب الرئيس الأمريكي بايدن، فهل ستنجح الولايات المتحدة في عهده في قيادة العالم في الاتجاه البيئي السليم؟.

لقد أظهرت الطبيعة جبروتًا وقسوة أزهقت حياة الكثيرين، ودمرت ثروات استغرق الناس عقودًا طويلة لبنائها. لكن ماذا عن قيام البشر بتدمير بلادهم بأنفسهم، وماذا عن تورط حكام ائتمنهم الناس لقيادة البلاد والعباد إلى برّ الأمان، في تدمير البلاد؟!. هذا هو ما يحدث في إثيوبيا تحت حكم رئيس الوزراء آبي أحمد. إثيوبيا هي برميل بارود، يضم كل أنواع المتفجرات العرقية والدينية والقومية، وعندما شنت الحكومة حربًا على إقليم تيجراي، فإن أقل وصف لما فعلته هو أنها أشعلت النار في مستودع البارود، فمن تيجراي تأخذ النار في الانتشار إلى أقاليم إضافية في إثيوبيا، وهو ما نجد له تحليلًا في هذا العدد.

في مصر لفت الغش في امتحانات الثانوية العامة الأنظار، بعد أن أصبح قضية أخلاقية واجتماعية شديدة الخطورة، تهدد مصداقية وجدارة نظام التقويم التعليمي برمته. الغش ليس ظاهرة مصرية فقط، فهو مشكلة تؤرق عددًا كبيرًا من دول العالم، حتى إن بعضها لجأ لإصدار أحكام بالحبس على تلاميذ متورطين في الغش، في محاولة لردع الغشاشين المحتملين.

المشكلة هي أن التقدم التكنولوجي السريع قد جعل الغش في الامتحانات أكثر سهولة بكثير. وبقدر ما يجب تكثيف استخدام التكنولوجيا الحديثة لمحاربة الغشاشين بنفس سلاحهم، فإنه لا مهرب من إعادة تشكيل عقول وقلوب الكثيرين لكسبهم في الحرب على الغش، ولتمكينهم من إدراك الفساد الأخلاقي لطريقتهم في التفكير، وما يمكن أن تؤدي إليه هذه الطريقة من تقويض للمجتمع، عبر تدمير قيم العدالة والكفاءة والنزاهة. أتحدث عن طلاب وأولياء أمور يرون أن الغش هو ممارسة فردية ليست لها صلة بالمجتمع، وأنه إجراء يسهل الحياة لتلاميذ أبرياء يعانون من بعض الصعوبات، وهي رؤية فاسدة يجب محاربتها بلا هوادة.

نقلا عن تقديرات مصرية

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة