وحدة الدراسات الأفريقية

اهتمام متأخر: الاستجابة الدولية للأزمة الإنسانية الناتجة عن الصراع في إثيوبيا

في أولى جولاته الخارجية عقب تعيينه وكيلًا للأمين العام للشئون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، في 12 مايو الماضي؛ أجرى “مارتن جريفيث” زيارة ميدانية إلى إثيوبيا للوقوف على الأوضاع الإنسانية في البلاد، مع تفاقم الأوضاع الإنسانية والغذائية بعد اندلاع الصراع في إقليم تيجراي، الذي أُضيف إلى جملة الأوضاع الإنسانية المأساوية، بسبب موجات الجفاف والتصحر والجراد في شرق إفريقيا. فقد بدأ “جريفيث” جولة امتدت لستة أيام، بدأت في 29 يوليو، التقى خلالها مسئولي الحكومة الاتحادية، ونائب رئيس الوزراء، ووزير الخارجية ووزير السلام، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي؛ لمناقشة الوضع الإنساني والتحديات التي تواجه منظمات الإغاثة في الوصول لمساعدة الإثيوبيين. وللوقوف على…

شيماء البكش
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

في أولى جولاته الخارجية عقب تعيينه وكيلًا للأمين العام للشئون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، في 12 مايو الماضي؛ أجرى “مارتن جريفيث” زيارة ميدانية إلى إثيوبيا للوقوف على الأوضاع الإنسانية في البلاد، مع تفاقم الأوضاع الإنسانية والغذائية بعد اندلاع الصراع في إقليم تيجراي، الذي أُضيف إلى جملة الأوضاع الإنسانية المأساوية، بسبب موجات الجفاف والتصحر والجراد في شرق إفريقيا. فقد بدأ “جريفيث” جولة امتدت لستة أيام، بدأت في 29 يوليو، التقى خلالها مسئولي الحكومة الاتحادية، ونائب رئيس الوزراء، ووزير الخارجية ووزير السلام، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي؛ لمناقشة الوضع الإنساني والتحديات التي تواجه منظمات الإغاثة في الوصول لمساعدة الإثيوبيين.

وللوقوف على الأوضاع الإنسانية بنفسه؛ التقى “جريفيث” بالمدنيين الذين عانوا من أعمال عنف في إقليم تيجراي، وكذلك من عانوا من تدمير البنية التحتية؛ بما في ذلك المستشفيات والمدارس والمراكز الصحية، والنظام المصرفي. وتعكس تلك الجولة التزام المجتمع الدولي بالعمل مع الحكومة والشعب الإثيوبي، للاستجابة لتلك الأزمة، التي تعصف بحياة الملايين من السكان، وفقًا لما أوضحه مكتب الشئون الإنسانية من رغبة في توسيع نطاق العمل الإنساني.

أزمة إنسانية معقدة

وفق أحدث التقارير الأممية الدولية التي تراقب وترصد الأوضاع الإنسانية خلال النزاعات والصراعات والحروب بشكل عام، والوضع في إثيوبيا بشكل خاص؛ فإن نطاق الأزمة الإنسانية في إثيوبيا اتخذ منحى متصاعدًا، تحديدًا منذ بدء الصراع المفتوح في إقليم تيجراي شمالي البلاد. فقبل ذلك الصراع، كانت البلاد تعاني بالفعل أزمات إنسانية وغذائية وأوضاعًا متردية، بفعل عوامل عدة؛ كان الجفاف والفيضانات والجراد الصحراوي على رأسها.

لكن مع دخول إقليم تيجراي على خط الأزمة، بات ما يقدّر بنحو 5.2 ملايين شخص (حوالي 90% من سكان الإقليم) بحاجة للمساعدة الإنسانية في منطقة تيجراي. ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، فهناك 400 ألف شخص يواجهون مخاطر المجاعة.

وفي ظل هذه الأوضاع المأساوية، جاء تدمير سدّ تيكيزي في الأول من يوليو ليعرقل وصول المساعدات الإنسانية للإقليم، ليفرض على المجتمع الدولي ضرورة التدخل بهدف تعزيز الوضع الإنساني المتفاقم في البلاد. وقد حذّر أعضاء مجلس الأمن من تأثير الصراع على نحو 33 ألف طفل يعانون من سوء التغذية، مع تأثر الغالبية العظمى من الأطفال والنساء بالصراع. فيما بات حوالي 1.8 مليون على شفا مجاعة، كما أسفر القتال عن مقتل آلاف وتشريد مليوني شخص.

وبجانب تعطل الخدمات الأساسية، أصبح المزارعون بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية طارئة وغيرهم ممن أُجبروا على الفرار وسط تصاعد وتيرة الصراع، بخلاف ادعاءات الحكومة الفيدرالية بأنها انسحبت بهدف تمكين المزارعين من موسم الأمطار؛ ناهيك عن تعرض عشر آليات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي تحمل مساعدات لهجوم بالقرب من عاصمة إقليم العفر، مما دفع وكالة الأمم المتحدة إلى تعليق قوافلها عبر هذا الطريق.

وعلى جانب آخر، أعربت المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالإبادة الجماعية، في بيان لها 31 يوليو، عن قلقها من العنف العرقي والانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان في منطقة تيجراي وكذلك في أجزاء أخرى من البلاد، بما في ذلك مناطق العفر والصومال وأوروميا وأمهرا.

استجابة دولية متأخرة

تنامى إدراك المجتمع الدولي أهمية تسوية الصراعات التي تشهدها البلاد، لتجنبها العواقب الوخيمة، خاصة مع تفاقم الأوضاع الإنسانية التي تتزايد يومًا بعد يوم، بعد أن كانت المواقف الدولية تتجه نحو التسوية السلمية للصراع، أو محاولة وأد الصراع في بدايات الأمر عبر الدعوات لوقف إطلاق النار، واللجوء للتفاوض والتسوية السلمية.

وقد دعت وكيلة الأمين العام للشئون السياسية وبناء السلام إلى وقف إطلاق النار على النحو الذي يسهل معه إيصال المساعدات الإنسانية، وكذلك الدفع في اتجاه التسوية السياسية اللازمة للخروج من الأزمة، مع عرض المنظمة خبرتها في عمليات الوساطة. وفي هذا الاتجاه، دعت كافة الأطراف الدولية والمنظمات الإنسانية والأممية ليس فقط لوقف الصراع وتسهيل إيصال المساعدات، وإنما كذلك دعت إلى ضرورة محاسبة المسئولين عن الانتهاكات التي ارتُكبت أثناء النزاع، بما في ذلك العنف الجنسي تجاه الأطفال والقتل الجماعي.

ومع كل تلك القيود المفروضة من جانب الحكومة الإثيوبية على إمداد إقليم تيجراي بالمساعدات الإنسانية، تشير البيانات الدولية إلى تلقّي3.7  ملايين شخص مساعدات طارئة الشهرين الماضيين، وتلقى 167,000 شخص من النازحين داخليًا مساعدات غير غذائية، ووصلت شاحنات محملة بالمياه إلى 630,000 شخص. مع ذلك، لا يزال من المقدّر أن أكثر من 2.5 مليون شخص في ريف تيجراي لم يتمكنوا من الوصول إلى الخدمات الأساسية خلال الأشهر الستة الماضية.

وقد حثّ منسق المساعدات في الأمم المتحدة “مارك لوك” مجلسَ الأمن الدولي وبلدان العالم على اتخاذ خطوات ممكنة من أجل إيصال المساعدات في الأمم المتحدة. وأوضح في كلمته أمام مجلس الأمن الدولي ظروف تقييد وصول المساعدات بما انعكس سلبًا على السكان الذين يعيشون في المنطقة. محذرًا من خطر حدوث مجاعة خلال شهرين إن لم تزد وتيرة المساعدات خلال الشهرين المقبلين.

وفي سياق متصل؛ دعا القائم بأعمال وكيل الأمين العام للشئون الإنسانية ومنسق الإغاثة الطارئة “رامش راجاسينغهام” أمام مجلس الأمن الدولي، في آخر إحاطة له عن الأوضاع في إثيوبيا، أوائل يوليو الماضي، إلى توفير ضمانات من قبل جميع الجهات المسلحة والجهات الأمنية لطرق آمنة تُمكّن العاملين في المجال الإنساني من إيصال الإمدادات من تيجراي وإليها، ومن المناطق النائية في الإقليم وإليها. كما دعا إلى السماح باستخدام الطرق الأسرع والأكثر فعالية لإيصال الإمدادات الأساسية للمحتاجين إليها، والسماح بالسفر جوًا، إضافة إلى القدرة على إدخال واستخدام جميع المعدات ووسائل الاتصال المناسبة. وفي مارس الماضي، أدان مجلس الأمن الدولي، في جلسته الطارئة لمناقشة الأوضاع في تيجراي، عرقلة وصول قوافل إنسانية للإقليم من قبل الحكومة.

ومن جانبها، زارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قرابة 72 ألف شخص محرومين من حريتهم في عام 2020 في أكثر من 50 مكانًا للاعتقال في شتى أنحاء إثيوبيا، وقدمت لهم المعونة المادية الأساسية، وساعدت على توفير المياه والصحة، وقامت بتيسير الاتصالات بين المحتجزين وعائلاتهم. وقدمت اللجنة الدولية أيضًا مستلزمات لاحتواء انتشار فيروس (كوفيد-19) داخل السجون.

جهود أمريكية مكملة

تزامنًا مع زيارة مبعوث الشئون الإنسانية لإثيوبيا، أجرت مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية “سامانثا باور” زيارة إلى إثيوبيا، وقد التقت “باور” بوزيرة السلام الإثيوبية “مفرحات كامل”، ومسئولين آخرين، أجرت معهم نقاشات حول ضرورة إيصال المساعدات الإنسانية لإقليم تيجراي، وكذلك إقليمي أمهرا والعفر اللذين يشهدان نزوح 150 ألف شخص و76 ألفًا على التوالي. وأكدت كذلك على تقديم دعم أمريكي إضافي يُقدر بـ45 مليون دولار إضافي بما يدعم جهود العمل الإنساني في إثيوبيا.

وقد سبق وأعلنت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في أوائل مارس الماضي أنها ستنشر فريق المساعدة ‏‏في الاستجابة للكوارث للاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة الناجمة عن الصراع في منطقة تيجراي ‏‏الإثيوبية.‏ وتشير التقديرات إلى تقديم الوكالة منذ بدء الصراع ما يقارب 637 مليون دولار في إطار إعلان التزام الولايات المتحدة بدعم الاستجابة للأوضاع الإنسانية في تيجراي. وسوف يعالج تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية الجوع الذي يهدد الحياة من خلال توفير أكثر من 172000 طن من المساعدات الغذائية، وهو ما يكفي لإطعام خمسة ملايين شخص لمدة شهرين تقريبًا.وفي النهاية، فإن الحديث عن المساعدات الإنسانية الدولية لا يجب أن يكون بعيدًا عن الحديث عن تسوية كلية للصراع الدائر في البلاد، بما يجنب البلاد مسببات تلك الأوضاع المأساوية، وهو ما يتوافق مع ما أعربت عنه المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بمنع الإبادة الجماعية “أليس ويريمو نديريتو” التي أعلنت في بيان لها تخوفها من استمرار العنف العرقي في البلاد، في إشارة واضحة لإدراك المجتمع الدولي الرابط المباشر بين الصراع والأزمة الإنسانية في إثيوبيا.

شيماء البكش
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية