مقال تحليلي

إعداد البطل الأولمبي في مصر.. خبرات وتحديات

منذُ أن حصلت مِصر على أول ميدالية أولمبية في دورة أمستردام عام 1928، أصبحت البطولة الأولمبية حُلمًا يُراود الاتحادات الرياضية واللجنة الأولمبية المصرية والوزارة أو الجهة الحكومية المسئولة عن الرياضة، وعملوا على انتقاء المواهب الرياضية وصقل قُدراتها ومهاراتها بما يؤهلها للتنافس والفوز على المُستوى الأولمبي الذي يُعتبر أرقى المُنافسات الرياضية في العالم وأشدها تنافسًا. إنجازات أولمبية (*) كان الإنجاز الرياضي المصري في المجال الأولمبي أقل من الطموحات والتوقعات، إذ حصلت مصر في تاريخها الأولمبي على 8 ميداليات ذهبية، خمس منها في رفع الأثقال واثنتان في المصارعة وواحدة في الكاراتيه، وذلك إضافة إلى 11 ميدالية فضية، و18 ميدالية برونزية، وكُلها في…

د. على الدين هلال
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

منذُ أن حصلت مِصر على أول ميدالية أولمبية في دورة أمستردام عام 1928، أصبحت البطولة الأولمبية حُلمًا يُراود الاتحادات الرياضية واللجنة الأولمبية المصرية والوزارة أو الجهة الحكومية المسئولة عن الرياضة، وعملوا على انتقاء المواهب الرياضية وصقل قُدراتها ومهاراتها بما يؤهلها للتنافس والفوز على المُستوى الأولمبي الذي يُعتبر أرقى المُنافسات الرياضية في العالم وأشدها تنافسًا.

إنجازات أولمبية

(*) كان الإنجاز الرياضي المصري في المجال الأولمبي أقل من الطموحات والتوقعات، إذ حصلت مصر في تاريخها الأولمبي على 8 ميداليات ذهبية، خمس منها في رفع الأثقال واثنتان في المصارعة وواحدة في الكاراتيه، وذلك إضافة إلى 11 ميدالية فضية، و18 ميدالية برونزية، وكُلها في الألعاب الفردية. وبالنسبة لدورة طوكيو التي حصلت فيها مصر على 6 ميداليات وتم الاحتفاء بها، ينبغي الإشارة أيضًا إلى الألعاب التي اقترب فيها اللاعبون المصريون من مُثلث البطولة كفريق كرة اليد، والمصارعة، والغطس. وفي أعقاب أغلب الدورات الأولمبية، تتعرض الأجهزة المسئولة عن الرياضة في مصر للنقد وأحيانًا الاتهام بالإهمال وعدم الجدية من جانب وسائل الإعلام ومن أعضاء لجنة الشباب والرياضة في البرلمان.

(*) سعى المسئولون عن الرياضة في مصر في العقود الأربعة الأخيرة إلى تنفيذ عدد من البرامج والمشروعات التي تُسهم في تحقيق هدف البطولة الأولمبية. فكان منها تبني المجلس الأعلى للشباب والرياضة برنامجًا لرعاية العناصر الواعدة رياضيًا وتأهيلها للمنافسات الأولمبية. ومع عودة وزارة الشباب والرياضة عام 1999، تبنت الوزارة برنامجًا طموحًا باسم “مشروع إعداد البطل الأولمبي” الذي ركز على الألعاب الفردية، وأشرف على تنفيذه عدد من اللجان العلمية والفنية. وهُناك توثيق كامل بكُل تفاصيل هذا المشروع والقياسات والمعايير المُختلفة التي استُخدمت لانتقاء اللاعبين وتأهيلهم.

(*) استمرت هذه الجهود في الفترة التي تم فيها إلغاء وزارة الشباب والرياضة وحلول المجلس القومي للشباب والمجلس القومي للرياضة محلّها. وتواصل الجُهد مع عودة وزارة الشباب والرياضة التي تتبنى الآن “المشروع القومي للموهبة والبطل الأولمبي” الذي يُركز على عدد 9 ألعاب، سبعة منها فردية وهي: الملاكمة، والمصارعة، ورفع الأثقال، والجودو، والتايكوندو، وألعاب القوى، وتنس الطاولة، واثنتان جماعية هُما كرة السلة وكرة اليد. ويتم مُتابعة تنفيذه بواسطة عدد من اللجان العلمية والفنية.

(*) بالنسبة لدورة طوكيو، تعاونت وزارة الشباب واللجنة الأولمبية والاتحادات الرياضية في الإعداد لها. وكان هُناك تقدير واقعي لما يُمكن تحقيقه في ضوء السجل الرياضي للاعبين والفرق. فكان تقدير د. أشرف صُبحي -وزير الشباب والرياضة- في يناير 2021 بأن المُستهدف الفوز بعدد 3 إلى 5 ميداليات في الألعاب الفردية. وفي الاتجاه نفسه، كان تقدير السيد هشام حطب -رئيس اللجنة الأولمبية- في يوليو، والذي حدد الهدف بخمس ميداليات، مما جعل الرأي العام المصري مُهيأ لقبول النتائج التي تحققت في الدورة، فقد جاءت النتائج مُتسقة مع المُستهدفات.

الاستعداد لـ”باريس”

من الضروري ونحن في بداية الاستعداد لدورة باريس الأولمبية أن نستخلص الدروس ونُحدد التحديات التي تواجه عملية إعداد الأبطال الأولمبيين، والتعرُف على الجوانب المُختلفة لها من النواحي المؤسسية والفنية والمالية، والتي يُمكن تحديدها فيما يلي:

(*) توسيع قاعدة الممارسة الرياضية: الموهوبون في أي مجال هُم بحُكم التعريف جواهر نادرة وقليلة العدد. وكُلما ارتفع مُستوى التنافُس وعَلت معاييره، يُصبح عددهم أقل فأقل. لذلك، فإن اكتشاف عدد معقول من الموهوبين رياضيًا يتوقف على اتساع قاعدة الممارسة الرياضية، وعدد الممارسين لكُل لُعبة وعدد الأندية ومراكز الشباب والهيئات التي يتم فيها ممارستها.

ولا توجد عندي إحصاءات مدققة عن عدد الممارسين للرياضة بشكل منتظم وهو ما يُسمى “الرياضة للجميع”. وبالمناسبة، فإن ممارسة الرياضة في مصر هي حق دستوري كفلته المادة 84 من دستور 2014. وتوسيع قاعدة “الرياضة للجميع” تتطلب نظرة جديدة تمامًا للأنشطة الرياضية في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي الذي ضم عدد 25.3 مليون طالب في العام الدراسي 2019/2020 وطُلاب التعليم الجامعي الذين بلغ عددهم 30.3 مليون طالب في العام نفسه، وذلك وفقًا لإحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء. إذ يُمثلُ النشء والشباب المُنخرطون في النظام التعليمي المصدر الرئيسي للعناصر الواعدة رياضيًا. وفي هذا السياق، تُثار موضوعات دوري المدارس ودوري الجامعات وأسبوع شباب الجامعات والتوسع في إنشاء المدارس الرياضية العسكرية.

(*) برامج الانتقاء والكشف عن المواهب الرياضية: يُمثل الكشف عن المواهب الرياضية نُقطة الانتقال من “الرياضة للجميع” إلى “الرياضة التنافسية”. وذلك من خلال انتقاء العناصر المؤهلة بدنيًا بحكم طول القامة مثلًا أو المُتميزين مهاريًا، وإلحاقهم ببرامج التدريب والإعداد الرياضي. وتحتاج عملية الكشف عن هذه العناصر وجود أو توافُر أعداد كافية من “الكشافين” المُؤهلين والمُدربين للقيام بهذا العمل، وأن تتم عملية الكشف في كُل المحافظات، وأن تكون بشكل دوري، وأن تبتعد تمامًا عن اعتبارات المُجاملة والوساطة وصور الانحراف الأخرى بحيث تُوفر فُرصة مُتكافئة للجميع.

وللأسف، فإن عملية الكشف عن المواهب في مصر تُعاني من عدد من جوانب القصور، وهو ما يعني صراحًة أن هُناك من النشء والشباب من يمثلون فرصًا رياضية واعدة ولكن يتم إغفالهم وعدم إعطائهم الفرصة. وبالعكس، أدت عدم الجدية والمُجاملة والفساد إلى سوء استخدام “الحافز الرياضي” الذي يضيف عددًا من الدرجات لمجموع الطُلاب الحاصلين على الثانوية العامة عند التحاقهم بالجامعات والمعاهد العليا، فاستفاد منه من لا يستحق.

(*) تكامُل مُتطلبات البطولة الأولمبية: تحقيق البطولة يتطلب منظومة رياضية مُتكاملة. فإعداد البطل الأولمبي يتطلب إخضاع اللاعب لمُستويات تنافسية عالية من حيثُ الإعداد الصحي والبدني، والتدريب، وتحكيم المباريات، والمُشاركة في البطولات القارية والعالمية، والالتزام بعدم استخدام المُنشطات. يُضاف إلى ذلك مُراعاة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية لكُل لاعب بحيثُ يتحقق له الاستقرار النفسي الضروري لكي يتفرغ تمامًا لممُارسة اللُعبة. ويدخُل في ذلك أيضًا دور الطب الرياضي والصحة النفسية.

وأتذكر حالات اشتكى فيها اللاعبون في الفرق القومية المصرية من التعارض بين مواعيد مُعسكراتهم أو مُبارياتهم ومواعيد امتحاناتهم في الجامعات، وكان الأمر يقتضي اتصال وزير الشباب بوزير التعليم العالي أو برئيس الجامعة ويرجوه التدخل لحل هذا التعارُض. وفي حالات أُخرى، توقف لاعبون واعدون عن الاستمرار في ممارسة الرياضة حفاظًا على مُستقبلهم الوظيفي والاجتماعي، وذلك لأنه باستثناء كُرة القدم لا تُوفر أي رياضة أُخرى عائدًا يحمي مُستقبل أبطالها الرياضيين ويوُفر لهُم حياة كريمة بعد اعتزالهم.

(*) أهمية استقرار السياسات الرياضية: تعرّض الجهاز الحكومي المسئول عن الإشراف على الرياضة في مصر لتغييرات متواصلة وغير مبررة من الناحية الموضوعية في نصف القرن الفائت، ما بين وجود وزارة للشباب والرياضة، ومجلس أعلى للشباب والرياضة، ومجلسين أحدهما للشباب والآخر للرياضة. وأثر ذلك على استقرار السياسات الرياضية والنظم واللوائح المُنظمة لها. أضف إلى ذلك ما عانت منه أغلب الوزارات في مصر من عدم استمرارية السياسات، ورغبة كل وزير جديد في استحداث أشياء تُنسَب له. وفي حالة الرياضة، يزداد الأمر صعوبة، فوزير الشباب والرياضة ليست له ولاية على الأنشطة الرياضية في المدارس والجامعات، مما يتطلب التنسيق بين الوزراء المعنيين، وهو أمر حكمته العلاقات الشخصية بين من تولوا تلك الوزارات.

ووفقًا لسياسة اللا مركزية التي اتبعتها الدولة، فإن الخدمات الشبابية والرياضية انتقلت تبعيتها الإدارية من الوزارة إلى المُحافظات، واقتصرت مسئولية الوزارة على تصميم البرامج الشبابية والرياضية من الناحية الفنية وتمويلها. وأُضيف أن ميزانية وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية تكادُ تفي بالاحتياجات الأساسية لتنفيذ برامج إعداد الأبطال الرياضيين، وأنها ليست في سعة من أمرها، وهو الأمر الذي تم التعامل معه من خلال تشجيع برامج الرعاية للأبطال من خلال البنوك والشركات والكيانات الاقتصادية، وهو ما ظهر في أسماء الشركات التي تولت رعاية الأبطال الذين حصلوا على ميداليات دورة طوكيو.

في هذا السياق، تبدو أهمية ودلالة المُلاحظات التي طرحها الرئيس “عبدالفتاح السيسي” في مُداخلته التليفونية للتلفزيون المصري يوم 8 أغسطس الماضي، وكلمته المُوجزة خلال تكريم الأبطال الرياضيين يوم 17 أغسطس، اللتين أشار فيهما إلى أن إعداد الأبطال الرياضيين مسئولية الدولة والمُجتمع والأُسرة، وأن الدولة تهتم ببناء الإنسان من كافة جوانبه. وربط بين تحقيق البطولات الرياضية العالمية وما أسماه بـ”حالة الرياضة” في كُل دولة. بمعنى أن تحقيق البطولات الرياضية يرتبط بانتعاش الممارسة العامة للرياضة، واهتمام مُختلف الهيئات والمؤسسات بها أو بتعبيره “شعب مهتم.. مدرسة مهتمة.. دولة مهتمة… إنسان بيراقب نفسه ووزنه وحالته الصحية”. وأشار الرئيس أيضًا إلى أنه من الضروري أن تتكاتف كافة أجهزة الدولة وأن تُنسق فيها بينها للارتقاء بحالة الرياضة في مصر.

د. على الدين هلال
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة