وحدة الدراسات الأوروبية

“نورد ستريم2”: جدل متواصل حول التأثيرات المحتملة

جدد الاتفاق بين واشنطن وبرلين (يوليو 2021) بشأن استكمال مشروع “نورد ستريم 2” لنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق بتكلفة تقدر بنحو 11 مليار دولار، لنقل طاقة تصل إلى 55 مليار متر مكعب سنويًا؛ الجدل بين عددٍ من القوى المؤيدة والمعارضة له. وعلى الرغم من المخاوف الأمريكية المُعلنة، فقد بدا موقف الرئيس الأمريكي “جو بايدن” براجماتيًا ومُبررًا، خاصة في ظل التحول في الموقف بين الرفض المطلق والمحاولة الأمريكية المستمرة لعرقلة المشروع وبين القبول بالأمر الواقع. وترتيبًا على ما سبق، يمكن الوقوف على الأسباب المفسرة للتغير الذي طرأ على الموقف الأمريكي، مرورًا بالتداعيات المحتملة لاستكمال المشروع فيما يلي:…

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

جدد الاتفاق بين واشنطن وبرلين (يوليو 2021) بشأن استكمال مشروع “نورد ستريم 2” لنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق بتكلفة تقدر بنحو 11 مليار دولار، لنقل طاقة تصل إلى 55 مليار متر مكعب سنويًا؛ الجدل بين عددٍ من القوى المؤيدة والمعارضة له. وعلى الرغم من المخاوف الأمريكية المُعلنة، فقد بدا موقف الرئيس الأمريكي “جو بايدن” براجماتيًا ومُبررًا، خاصة في ظل التحول في الموقف بين الرفض المطلق والمحاولة الأمريكية المستمرة لعرقلة المشروع وبين القبول بالأمر الواقع.

وترتيبًا على ما سبق، يمكن الوقوف على الأسباب المفسرة للتغير الذي طرأ على الموقف الأمريكي، مرورًا بالتداعيات المحتملة لاستكمال المشروع فيما يلي:

من التشدد إلى المرونة

منذ أن بدأت الشركة الروسية “غازبروم” في الحصول على تصاريح بناء خطة أنابيب الغاز “نورد ستريم2″ عام 2015 وقد واجه المشروع رفضًا تامًا من قبل واشنطن، علاوة على موقف مماثل لعدد من الدول الأوروبية وفي مقدمتها أوكرانيا وبولندا، حيث ركز الكونجرس بداية من عام 2017 على سن تشريعات من شأنها أن تقوض المساعي الألمانية والروسية لاستكمال المشروع، وذلك عبر سلاح العقوبات المتدرجة؛ إذ وقّعت إدارة ” ترامب” على حزمة عقوبات متدرجة والتي أفضت لانسحاب الشركة السويسرية “أول سيز” من المشروع (ديسمبر 2018)، كما وسع قانون حماية أمن الطاقة لأوروبا 2019 العقوبات على الأشخاص التي يمكنهم أن يُساهموا في إنهاء المشروع. واستكمالًا لهذا النهج، فرضت إدارة “ترامب” (يناير 2021) عقوبات على السفينة الروسية “فورتونا” التي تستخدمها شركة “غازبروم” في بناء المشروع، وقد أظهرت إدارة “ترامب” مستوى واضحًا من التشدد تجاه المشروع، حيث رأى “ترامب” أن المشروع سيجعل ألمانيا أسيرة لروسيا.

وقد تسببت موجة العقوبات المختلفة لإدارة “ترامب” في توقف أعمال البناء في المشروع لمدة عام، قبل أن تعاود الشركة المسئولة عن تنفيذ المشروع أعمالها (نوفمبر 2020). وعلى المنوال ذاته، تعهد “بايدن” بمواصلة العقوبات كأداة لإيقاف المشروع، وعلى الرغم من وصف “بايدن” للمشروع بـ”الصفقة السيئة”؛ إلا أنه تراجع عن تنفيذ بعض العقوبات (مايو 2021)، الأمر الذي استقبلته كل من موسكو وبرلين بالترحيب، ويمكن تفسير التحول الذي طرأ على الموقف الأمريكي والانتقال من المساعي الرامية لعرقلة المشروع وإجهاضه عبر سلاح العقوبات للقبول المشروط بتقديم بعض التنازلات في ضوء ما يلي:

1.الحاجة لترميم العلاقات مع برلين: دخلت العلاقات الأمريكية الألمانية مرحلة من التوتر غير المسبوق خلال إدارة الرئيس “ترامب” بسبب تباين المواقف والسياسات بين الجانبين، الأمر الذي يسعى “بايدن” لتغييره، نظرًا لمحورية وأهمية الدور الألماني بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة التحديات المشتركة، وتعزيز السياسات الدفاعية بينهما، ومن هنا يأتي موقف واشنطن كمحاولة لاستعادة الثقة مع حلفائها وشركائها الأوروبيين وفي القلب منهم ألمانيا، والعمل على تعميق وتعزيز العلاقات عبر الأطلسي وتجاوز مرحلة “ترامب” التي اتسمت بالتأزم والتعقيد.

2.القناعة بعد جدوى التشدد تجاه المشروع: لم يجد “بايدن” جدوى من استمرار معارضته للمشروع، خاصة وأن فرض العقوبات على الشركات العاملة فيه لم تَحُلْ دون استكماله، فعلى الرغم من أنها تسببت في عرقلته مرحليًا، إلا أن العمل بالمشروع عاد مرة أخرى، بحيث أصبح اكتماله مسألة وقت، حيث تجاوزت نسبة الإنجاز في المشروع أكثر من 99%، كما لم يتبقَّ سوى 40 كم من أصل 1200 كم، ما يمكن الاستدلال عليه عبر إعلان “بوتين” (يونيو 2021) عن انتهاء مد الخط الأول، وأن الانتهاء من الخط الثاني سينتهي خلال شهرين، مما يعني أن المشروع قد شارف على الانتهاء بما يسمح بتشغيله نهاية العام الجاري أو بداية العام الجديد.

تأثيرات عديدة

ثمة تأثيرات يمكن أن تنتج عبر التوافق الأمريكي الألماني بشأن مشروع “نورد ستريم2″، ومن المرجّح أن تمتد تلك التأثيرات إلى عددٍ من القضايا، وهو ما يمكن الوقوف عليه فيما يلي:

أولًا- هيمنة موسكو على سوق الطاقة الأوروبية: تُعتبر روسيا أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي للاتحاد الأوروبي، فخلال عام 2019، بلغت الصادرات الروسية لأوروبا نحو 166 مليار متر مكعب، بما يمثل 41% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز. وعليه، يمكن أن يُعزز اكتمال خط أنابيب “نورد ستريم 2” من اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، ومن ثم فرض هيمنتها على السوق الأوروبية، حيث يسمح المشروع بمرور نحو 55 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز الروسي لأوروبا، مما يعني مضاعفة السعة الإجمالية التي تمر عبر “نورد ستريم1” و2 لما يقرب من 110 مليارات متر مكعب، الأمر الذي من شأنه سد جزء من الاحتياجات المستقبلية لأوروبا من الغاز، إذ تُشير التقديرات إلى حاجة أوروبا لنحو 120 مليار متر مكعب إضافية من الغاز المستورد بحلول 2035.

ثانيًا- امتلاك أوراق مساومة: يمكن أن يضاعف اكتمال المشروع من أدوات الضغط والمساومة التي يمكن أن تلجأ إليها موسكو في التعامل مع القضايا الخلافية مع دول الاتحاد الأوروبي، إذ إن الاحتياج الكبير للغاز الروسي، وعدم قدرة أوروبا على التخلي عنه على الأقل في الوقت الراهن؛ يُكسب موسكو ورقة يمكن التلويح بها في أوقات الضرورة، وقد بدا ذلك في عدة مواقف، حيث قامت شركة “غازبروم” بتخفيض إمداداتها للدول الأوروبية خلال العام الحالي لما يقرب من 20%، مما ساهم في ارتفاع أسعار الغاز بدرجة غير مسبوقة لم تشهدها أوروبا منذ عام 2008، وقد فسر عددٌ من التحليلات هذا الإجراء كمحاولة للضغط على دول أوروبا للحصول على الموافقات التنظيمية المرتبطة باستكمال وتشغيل خط أنابيب “نورد ستريم2″، كما تشير أزمة 2009 والخلاف بين موسكو وكييف حول أسعار الغاز وما ترتب عليها من أضرار لدول أوروبا الوسطى على خلفية إيقاف تصدير الغاز الروسي لأوروبا لمدة أسبوعين لحجم التحديات وقدرة موسكو على توظيف إمدادات الطاقة كسلاح للمساومة مع دول أوروبا.

ثالثًا- تزايد المخاوف الأوكرانية: يُنظر لأوكرانيا باعتبارها أكثر الأطراف المتضررة من التوافق بين برلين وواشنطن حول “نورد ستريم2″، وذلك لعدد من الاعتبارات الاقتصادية، السياسية والجيوسياسية. فعلى الصعيد الاقتصادي، يمكن أن تخسر كييف ما يقرب من ملياري دولار سنويًا نظير عبور الغاز الروسي عبر أراضيها، إذ يضمن العقد الموقّع بين روسيا وأوكرانيا عام 2019 التزام شركة “غازبروم” (مملوكة للدولة الروسية) بدفع نحو 7 مليارات دولار كرسوم عبور خلال الفترة (2020-2024). وعليه، يمكن أن يحرم خط الأنابيب أوكرانيا من الحصول على تلك الرسوم. من ناحية أخرى، يتسبب اكتمال المشروع في حرمان “كييف” من ورقة جيوسياسية مهمة كانت توظفها في تحقيق أهداف استراتيجية كالضغط على موسكو. وعليه، قد يتيح التحرر الروسي في نقل الغاز لأوروبا بعيدًا عن أوكرانيا مساحات أكبر لموسكو في تقويض أمن أوكرانيا، ومن ثم مواصلة أنشطتها العسكرية دون رادع قوي.

وقد حاول الاتفاق الأمريكي الألماني تحييد مخاوف أوكرانيا عبر حزمة من الإجراءات من بينها إنشاء صندوق بمليار دولار لدعم الطاقة في أوكرانيا، علاوة على مساعي برلين لتمديد العقد الروسي الأوكراني (ينتهي في 2024) لنقل الغاز لمدة 10 سنوات إضافية حتى عام 2034، كما تعهد الاتفاق باستخدام العقوبات إذا ما حاولت روسيا إلحاق الضرر بأوكرانيا، ناهيك عن قيام واشنطن بتعيين مستشار لأمن الطاقة تكون مهمته العمل على اتخاذ التدابير للحد من المخاطر التي يمكن أن تنجم عن مشروع “نورد ستريم2″، والحيلولة دون قيام روسيا بتوظيفه كسلاح جيوسياسي.

رابعًا- استمرار الانقسام والاستقطاب: من المرجح أن يتواصل الانقسام حول جدوى المشروع وآثاره على مختلف الأصعدة، حيث يرى فريق -وفي مقدمته ألمانيا والنمسا- أن المشروع ذو أبعاد اقتصادية وتجارية، ويعمل على تأمين إمدادات الطاقة لأوروبا، في حين تستمر المعارضة من قبل أوكرانيا ودول البلطيق للمشروع نظرًا لأبعاده الجيوسياسية وتأثيراته الاستراتيجية المحتملة، وقد انعكس هذا الانقسام على رفض أوكرانيا وبولندا في بيان مشترك (22 يوليو)، معتبرين أن المشروع يخلق تهديدًا لأوكرانيا وأوروبا الوسطى سياسيًا وعسكريًا. وعلى المنوال ذاته، أصدر رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي ونظراؤه في عدد من الدول الأوروبية بيانًا (3 أغسطس) لمعارضة المشروع، كونه يزيد من نفوذ موسكو ويهدد مصالح تلك الدول، كما عبر الجمهوريون عن رفضهم للاتفاق الألماني الأمريكي، ووصفوه بأنه هدية للرئيس الروسي. وعليه، رغم أن الاتفاق قد يُزيل التوتر ويُعيد العلاقة المضطربة بين واشنطن وبرلين لمسارها الصحيح؛ إلا أنه قد أثار حفيظة عدد من الدول الأوروبية التي تتعارض مصالحهم مع المشروع، مما يعني مزيدًا من الانقسام بشأن جدواه وحدود تأثيره.

خامسًا- دعم الأهداف المناخية: يمكن أن يساهم خط “نورد ستريم 2” في تعزيز ودعم الخطة الأوروبية الرامية لخفض الانبعاثات الكربونية وإحلال الغاز الطبيعي محل الفحم في توليد الكهرباء، حيث تُشير التقديرات إلى أن الخط سيوفر نحو 160 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا. وعليه، يُنظر لضخ مزيد من الغاز الطبيعي للسوق الأوروبية ضمن الأدوات المحفزة لتحقيق الأهداف المناخية.

في الأخير، يبدو أن مشروع خط أنابيب “نورد ستريم 2” قد وصل إلى مراحله النهائية، وعلى الرغم من المخاوف القائمة بشأن النفوذ الروسي وإمكانية توظيف الطاقة على توسيع نفوذها وهيمنتها في الساحة الأوروبية؛ إلا أن الحاجة المستمرة للغاز الروسي قد ساهمت في فصل قضايا الطاقة عن باقي الخلافات والقضايا العالقة بين الطرفين، ومع ذلك سيظل “نورد ستريم 2” مشروعًا مثيرًا للخلاف بين الاتجاهات المعارضة والمؤيدة، ويبقى التحول في الموقف الأمريكي مقبولًا ومبررًا في ضوء توجه الإدارة الجديدة لإحياء واستعادة العلاقات مع حلفاء واشنطن وتجاوز الاضطرابات وغياب الثقة التي فرضتها إدارة “ترامب” على التفاعلات مع الحلفاء.

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة