مقال تحليلي

طرق وأساليب قياس الوعي في المجتمعات

على تعدد تعريفات الوعي وأنواعه ونظرياته المفسرة، لا يسهل -في المقابل- قياس الوعي على أرض الواقع بفعل تعدد العوامل المؤثرة فيه، وطابعه غير المادي، وتأثره بوسائل التواصل الاجتماعي، واستحالة الاستعانة بأسلوب المسح الشامل لقياسه مما يستلزم اختيار عينة ممثلة للمجتمع، وثقافة الخوف التي قد تحول دون التعبير الحر عن الآراء في ظل تضييق الخناق على المجال العام، وغير ذلك. وبشكل عام، يمكن قياس الوعي من خلال جملة من الأساليب والطرق التي يختلف توظيفها باختلاف القضايا محل الاهتمام، بحيث تفرض كل قضية الاستعانة بإحدى الطرق التالي ذكرها إما منفردة وإما بالجمع بين أكثر من أداة في الوقت ذاته. أساليب متعددة (*)…

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني

على تعدد تعريفات الوعي وأنواعه ونظرياته المفسرة، لا يسهل -في المقابل- قياس الوعي على أرض الواقع بفعل تعدد العوامل المؤثرة فيه، وطابعه غير المادي، وتأثره بوسائل التواصل الاجتماعي، واستحالة الاستعانة بأسلوب المسح الشامل لقياسه مما يستلزم اختيار عينة ممثلة للمجتمع، وثقافة الخوف التي قد تحول دون التعبير الحر عن الآراء في ظل تضييق الخناق على المجال العام، وغير ذلك. وبشكل عام، يمكن قياس الوعي من خلال جملة من الأساليب والطرق التي يختلف توظيفها باختلاف القضايا محل الاهتمام، بحيث تفرض كل قضية الاستعانة بإحدى الطرق التالي ذكرها إما منفردة وإما بالجمع بين أكثر من أداة في الوقت ذاته.

أساليب متعددة

(*) البحث على الإنترنت ومشاركة المحتوى: تعكس عمليات البحث عن قضية بعينها درجة الوعي والاهتمام بها، وهو ما يمكن تحليله من خلال تتبع بعض الكلمات الدالة وتحليل ذلك من خلال: (Google Analytics.) وGoogle Trends)) و(AdWords Keyword Planner) و(Google Search Console.). وقد يشمل هذا الوقوف على مدى اهتمام الأكاديميين بالقضية محل الاهتمام، وفهم كيفية التعامل معها كحالة دراسية. وبشكل عام، تعكس عمليات البحث على مختلف المحركات -وفي مقدمتها “جوجل”- درجة وعي المستخدمين ورغبتهم في استكشاف معلومات جديدة حول قضية بعينها. ومن الجدير بالذكر أن هذه البيانات قد تسهم في التنبؤ بنتيجة الانتخابات وانتشار بعض الأمراض في بعض الحالات. فمثلًا، يبحث الأشخاص الذين يعتقدون أنهم مصابون بالبرد عن “أعراض الأنفلونزا”، ما يُمكّن صناع القرار من التنبؤ ببعض الأزمات واحتوائها قبل حدوثها.

(*) تحليل وسائل التواصل الاجتماعي: وذلك من خلال تحليل المحتوى الذي يتداوله الأفراد عبر تلك المنصات من خلال عدد من التطبيقات والبرامج المجانية والمدفوعة، على أن يتضمن التحليل: عدد مرات ظهور القضية، وتقييم المشاركات/إعادة نشر المنشورات، وعدد الردود والتعليقات على المنشورات واتجاهاتها، وعدد الإعجابات، مع تحويل ذلك إلى نسب مئوية. وعلى صعيد موقع “يوتيوب” على سبيل المثال، وفي حال تحليل أحد الفيديوهات ذي الصلة بالقضية محل التحليل، يمكن الاستفادة من بعض البيانات التي يقدمها (YouTube.com/analytics) ذات الصلة بمدة الفيديو، والتركيبة السكانية للمشاهدين، وتوزيعهم الجغرافي ومصادر المشاهدات، وغير ذلك. كما يمكن الاستفادة من (Insights.Facebook.com)؛ إذ يمتلك “فيسبوك” بيانات تفصيلية عن المستخدمين مثل بياناتهم الديموغرافية واهتماماتهم الخاصة، ما يمكن الإفادة منه في تحليل المحافظات التي ازداد/نقص فيها الوعي بالقضية محل الاهتمام محددًا بالوظائف والشرائح الاجتماعية.

(*) تحليل المواد التوعوية: يمكن توظيف مشروع (Harmony-Institute Story Pilot) للبحث عن تأثير الوسائط والأفلام الوثائقية عبر مقاييس وعي واسعة. كما أنه يوفر أطر عمل لكيفية تشكيل تقارير التوعية. وقد يتطلب هذا الوقوف على بعض البيانات التفصيلية أو استخدام أداة تحليل المضمون للوقوف على: كثافة وأنماط عرض المواد التوعوية، ومدة بثها، وأكثر المواد استخدامًا، ودرجة تأثيرها، ودرجة الاعتماد على الصورة المتحركة مقارنة بالصورة الطبيعية والرسوم والجرافيك والمؤثرات المرئية.. إلخ.

(*) حركة المرور الإلكتروني: إذا كان الوعي بقضية ما يستلزم توجيه الأفراد إلى أحد المواقع الإلكترونية (مثل موقع وزارة الصحة في حالة فيروس كورونا للتسجيل للحصول على اللقاح، أو الوقوف على معلومات طبية على سبيل المثال)، فإن تتبع حركة المرور على هذا الموقع خلال فترة زمنية محددة من شأنه أن يقيس مدى وعي المواطنين الصحي من ناحية، ومدى استجابتهم لحملات التوعية والإعلانات والتصريحات الرسمية وغير ذلك من جهود رسمية وإعلامية من ناحية ثانية. إذ يوضح برنامج تحليلات الويب طبيعة وحجم حركة المرور إلى مواقع الويب على اختلافها، مما يُعطي معلومات حول درجة الوعي بقضية ما أو موضوع محدد.

(*) الاستبيان والمقابلة: يُعد الاستبيان إحدى أهم طرق قياس الوعي بقضية ما، على نحو يتطلب تصميم استمارة أولية، وعرضها على المتخصصين لتحكيمها قبل توزيعها على عينة مختارة ممثلة للمجتمع، سواء كانت عشوائية أو غير عشوائية تبعًا لتصميم البحث وأسئلته المطروحة، وتبعًا أيضًا لكيفية ملء الاستمارة سواء من خلال الإنترنت أو البريد أو المقابلات. فقد يتطلب الأمر إجراء مقابلات مقننة مع المبحوثين لقياس درجة وعيهم بقضية ما وتسجيل إجاباتهم. وبشكل عام، يمكن الاستعانة بوكالة علاقات عامة أو بوسائل التواصل الاجتماعي أو فرق بحثية ضخمة لملء الاستبيان على النحو المرغوب.

(*) تحليل الأصوات المنافسة: لا يكفي الوقوف على آراء المبحوثين أو تحليل مشاركاتهم أو إجراء مقابلات معهم لقياس وعيهم بقضية ما، إذ لا بد أن ينصرف الأمر إلى تحليل أثر الأصوات المعارضة والأكاذيب والشائعات التي قد تسهم في عملية تزييف الوعي على اختلاف قنواتها الاتصالية وجهودها التسويقية ودرجة رواجها. فكلما ازداد الوعي بقضية ما، قلت بالضرورة الشائعات المتعلقة بها. وبشكل عام، تجدر مقارنة المواد التوعوية ومثيلتها المضللة للوقوف على أوجه الشبه والاختلاف بين كلتيهما على صعيد الأسلوب والصياغة واللغة والتأثير من بين أمور أخرى، وهو ما يعني ضمنًا الاستعانة بأداة تحليل المضمون لتحليل واستيعاب الاتجاهات المختلفة التي تتضمنها المواد التي يتم تقديمها عن طريق وسائل الإعلام التقليدية وغير التقليدية على حد سواء.

(*) الاستفتاء: ويُعتبر من أشهر طرق قياس الوعي؛ حيث يساعد على الإلمام باتجاهات المبحوثين وآرائهم بشكل فعال. ويعكس في جوهره مدى وعي المواطنين بحقوقهم السياسية من ناحية، ودرجة وعيهم بالقضية المطروحة في الاستفتاء من ناحية ثانية. وعلى أهميته، يقتصر الاستفتاء فحسب -بطبيعة الحال- على القضايا الكبرى الحساسة المتعلقة بدستور الدولة أو الاندماج أو الانفصال أو تقرير المصير أو غير ذلك من القضايا المصيرية. واتصالًا بهذا، تُعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية، بجانب الانتخابات التي تتم في بعض المؤسسات الرائدة (مثل النقابات والأندية على سبيل المثال)، إحدى الوسائل التي يمكنها قياس وعي المواطنين السياسي والاجتماعي بدقة، بيد أن الفواصل الزمنية بين كل عملية انتخابية ومثيلتها قد تصل إلى 5 سنوات في بعض الأحوال، مما يحول دون التعويل عليها في أي وقت.

(*) المجموعات النقاشية: وهي وسيلة لتوليد البيانات من خلال عدد محدود من المشاركين الذين يقودهم مدرب ماهر، يسعى عادة إلى توجيه دفة النقاش للإجابة عن أسئلة معينة أو على دليل المقابلة الذي يشبه الدليل المستخدم في المقابلة المتعمقة. إذ توفر مجموعات النقاش إجابات إضافية من مجموعة المشاركين الذين يشملهم اللقاء، وذلك على عكس الإجابة الواحدة التي يتم الحصول عليها من مشارك واحد في سياق المقابلة الشخصية. وتزداد أهمية تلك المجموعات مع شحّ الموارد المالية وضيق الوقت وحساسية الموضوعات المطروحة. وقد تشجع ديناميات المجموعة الأشخاص الخجولين على الحديث.

(*) ختامًا، عقب الوقوف على سبل قياس الوعي كما اتضح أعلاه، تنبغي الإشارة إلى بعض المؤشرات الأساسية ذات الصلة بعملية القياس، وهي المؤشرات التي تشمل -على سبيل المثال- لا الحصر: متابعة وسائل الإعلام (أي الوقوف على عدد متابعيها على اختلافأشكالها، سواء صحافة أو تليفزيون أو فضائيات أو إنترنت)، وقياس مستوى الحوار والأسئلة والاستفسارات (وذلكعند طرح الموضوع أو القضية محل الاهتمام للنقاش)، وعدد المتحدثين (أي نسبة المهتمين بالقضية محل الاهتمام مقارنة بإجمالي عدد السكان البالغين)، والمشاعر (أي مدى ارتباط القضية محل الاهتمام بالمشاعر البشرية، سواء إيجابية أو سلبية، مما يستلزم تحليلها بواسطة أداة تحليل النص على سبيل المثال)، ومعدل المشاركة (ويشمل عدد التفاعلات التي تتجلى من خلال نقرة أو مشاركة أو إعجاب أو إعادة النشر وما إلى ذلك)، وذلك من بين مؤشرات أخرى يمكن تطويرها وتصميمها لتحقيق غرض القياس في المقام الأول.

نقلا عن تقديرات عدد ٣٣

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني