مقال تحليلي

الجمهورية الجديدة: محدِّدات السياسة الخارجية المصرية

شهدت الأيام القليلة الماضية لقاءات مكثفة وغير مسبوقة على عدة أصعدة مفيدة للمحيط الحيوي لمصر تمثل حصادًا وتكثيفًا لجهود استعادة الهيبة والمكانة والقدرة والإرادة، فعلى الرغم من التهديدات التي تحيط بمصر من حدودها دون وجود جيوش يتم الاعتماد عليها في الجانب الآخر يمكن أن تشارك في صد المخاطر الإرهابية المتكررة، نشطت القيادة السياسية على الصعيد الخارجي مع الأردن، والعراق، ولبنان، وليبيا، والقيادة الفلسطينية، ومنحت فرصًا جديدة لتركيا وإسرائيل لتصويب مسارها وتصحيح أوضاعها، وكذلك استيعاب الحملة الشرسة على مصر بشأن ملف حقوق الإنسان. وبالتوازي، تطرح ملف سد النهضة على مجلس الأمن وتنجح في استصدار بيان أزعج الجانب الإثيوبي بشدة. فما مردّ…

د. أحمد فؤاد أنور
أكاديمي وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية

شهدت الأيام القليلة الماضية لقاءات مكثفة وغير مسبوقة على عدة أصعدة مفيدة للمحيط الحيوي لمصر تمثل حصادًا وتكثيفًا لجهود استعادة الهيبة والمكانة والقدرة والإرادة، فعلى الرغم من التهديدات التي تحيط بمصر من حدودها دون وجود جيوش يتم الاعتماد عليها في الجانب الآخر يمكن أن تشارك في صد المخاطر الإرهابية المتكررة، نشطت القيادة السياسية على الصعيد الخارجي مع الأردن، والعراق، ولبنان، وليبيا، والقيادة الفلسطينية، ومنحت فرصًا جديدة لتركيا وإسرائيل لتصويب مسارها وتصحيح أوضاعها، وكذلك استيعاب الحملة الشرسة على مصر بشأن ملف حقوق الإنسان. وبالتوازي، تطرح ملف سد النهضة على مجلس الأمن وتنجح في استصدار بيان أزعج الجانب الإثيوبي بشدة. فما مردّ هذا النشاط؟ وكيف يتم العمل بالتوازي على حفظ حقوق مصر والأشقاء وتعزيز مكانتها في وقت قصير؟ وما الذي تغير عن فترة ما بعد 30 يونيو مباشرة؟.

بدايةً، تجدر الإشارة إلى استفادة القيادة السياسية في رسم سياسة الجمهورية الجديدة الخارجية من تاريخ وجغرافيا مصر كأقدم دولة ذات حدود معروفة وحكومة مستقرة، مما يجعل السعي لاستثمار هذه المؤهلات والقدرات مشروعية منطقية. هذا مع ملاحظة أن مصر في السنوات السبع الماضية تتمدد بالنموذج والريادة حضاريًا وثقافيًا، بعد أن كانت مهمشة ومتراجعة لبضعة عقود انكفأت فيها على مشاكلها الداخلية. (مصر 30 يونيو) استفاقت على هذه الملفات وقد تبلورت على هيئة قنابل حقيقية بدأت تعرقل المسيرة بسلسلة من الانفجارات تستهدف كيان الدولة كله. تسلمت القيادة السياسة الحالية الراية وعضوية مصر مجمدة إفريقيا، وسهام الغرب تنال منها وتحاول أن تبتزها متربحة من الأزمة واللحظة. ونجحت دولة 30 يونيو في تجاوز هذا الوضع بدون أن تمتد ماسورة دبابة واحدة في مغامرة خارج الحدود.

(مصر 30 يونيو) ارتكزت على إدخال الشارع في المعادلة، وأيضًا على التضامن العربي الذي تم التعبير عنه بامتياز من خلال رفض خليجي قوي بقيادة السعودية والإمارات لمحاولات اختطاف مصر. ثمار الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي تم التعبير عنه مرارًا في ليبيا حينما تم احترام إرادة مصر ورؤيتها حينما رسمت للجميع خطًا أحمر، وحينما عادت تركيا تبحث في إمكانية استئناف العلاقة مع مصر، وكان أن أكدت مصر بوضوح أن ذلك يرتبط بكف الأذى واستمرار الخطوات البانية للثقة والأفعال وليس الأقوال والوعود.

ويمكن القول إن السودان وحماس من النماذج أيضًا على التحول الملموس والإيجابي إلى النموذج المصري، فبعد فترة مساندة للتيارات المتطرفة تم تصويب المسار والتنسيق الكامل وأحيانًا التماهي مع المواقف المصرية. الرؤية المصرية فرضت نفسها في التعامل مع الملف السوري، وتمت اجتماعات مصرية سورية لاستئناف التعاون، وتبادل المعلومات. كما استضافت مصر مباحثات القوى الليبية والفلسطينية وكذلك اللبنانية. فمصر منفتحة على كل الطوائف بما فيها الطائفة الشيعية متمثلة في حركة أمل وقياداتها. 

تونس -ومن قبلها السودان- استلهمت التجربة المصرية أيضًا وهي تتصدى لجماعات الإسلام السياسي، وخطت خطوات طيبة ومبشرة لاقت تأييدًا شعبيًا ودوليًا. والمؤشر الجيد في هذا الصدد هو اعتماد الثقافة والفن المصريين كنموذج في السعودية بعد سنوات من التضييق، مما خلق حالة من الارتياح وجذب الاستثمارات وحسّن من صورة المملكة أمام العالم. 

العلاقة مع الأردن -كما بقية الدول العربية- بدت للمراقب أكثر تألقًا وتناغمًا، خاصة في التصدي للعدوان الإسرائيلي المتكرر على المقدسات، وفرض بوابات كشف معادن وكاميرات ومنع الصلاة في الحرم القدسي. كما تم فرض الرؤية المصرية في العدوان الإسرائيلي على غزة ووقفه في وقت قياسي من خلال تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم احترامه من كلا الطرفين.

محدِّدات الدور المصري

يمكن إجمال محددات الدور المصري فيما يلي:

– الابتعاد عن التشنج والشعاراتية والعمل دون اندفاع ولكن بشجاعة حين يتطلب الأمر.

– تجنب المعارك الفرعية والتركيز على المعارك الرئيسية والخطر الحقيقي. 

– التصدي للتمدد التركي والإيراني والاحتلال الإسرائيلي.

– طرق كل الأبواب لتحسين العمل العربي المشترك، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا أو عسكريًا من خلال دراسة آلية وتوقيت تأسيس جيش عربي مشترك، ثم إجراء سلسلة من المناورات والتدريبات لرفع الكفاءة وتبادل الخبرات والتنسيق مع العديد من الدول العربية، وهو التعاون والتناغم الذي ظهر واضحًا في التمثيل العربي وطبيعة مستواه في افتتاح قاعدة محمد نجيب، ثم برنيس، وأخيرًا قاعدة 3 يوليو. 

– التعاطي بفعالية مع معضلات النظام الإقليمي العربي الراهن بالارتكان إلى المشترك والسعي لتجنب العنف واحتواء كل الأطراف، والعمل على تحسين الخدمات المقدمة للمواطن، والتأكيد على حقه في أن تتصدى المؤسسات الوطنية بحسم للإرهاب ولمحاولات التدخل الأجنبية. وقد ساعد في ترسيخ هذا الدور وتعزيز فعاليته النمو الاقتصادي، واستقرار سعر الصرف، وكذلك تجاوز أزمة كورونا بأقل خسائر. 

– عدم ترك الساحة لأطراف أخرى تسارع إلى ملء الفراغ، لذلك مصر الجمهورية الجديدة تبرعت للفلسطينيين لإعادة الإعمار، وقدمت العون لتونس وللبنان وللسودان وجيبوتي. كما زارت القيادة السياسية بغداد، رغم المحاذير الأمنية وتكرار الهجمات على أهداف حيوية واستهداف سياسيين، والتقت رئيس الوزراء الإسرائيلي لتحفيزه على إحياء المفاوضات وتخفيف الحصار وسياسات العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين.

وتمثل حصاد ما سبق في أننا وجدنا احترامًا لرؤى مصر في ساحات عدة، كما وجدنا جيبوتي والصومال تصوبّان سياساتهما التصويتية وعدّلا من دعمهما للسد على النيل الأزرق بعد أشهر قليلة من تحفظهما على قرار عربي برفضه، داعمين مصر والسودان في مواجهة صلف النظام الإثيوبي.

المعوّقات والتحديات

بكل تأكيد فإن الجهود المصرية لاستعادة المكانة والدور تقابلها وستقابلها مستقبلًا معوقات وتحديات وعراقيل من أطراف لا تريد لمصر أن تستفيق، كما نجد أن بعض الأطراف الداخلية في أكثر من دولة تتخوف من عودة الدور المصري تخوفًا على مكاسب شخصية أو محاسبة ومقارنة لن تصب في مصلحة تلك الأطراف ذات الصبغة المتطرفة. وهنا يأتي الدور المهم لكل من وزارة الثقافة وهيئة الاستعلامات وكذلك منظومة الإعلام المرئي والمنتج الدرامي والسينمائي المصري، خاصة فيما يتعلق بتعزيز الوعي ومواجهة الشائعات والأكاذيب، وضرورة محاربة التطرف والإرهاب.

وفي هذا السياق، جدير بنا أن نرسم استراتيجية تتضافر فيها الجهود تراعي البعد العربي والامتداد الإقليمي فالنظام الإقليمي العربي الحديث لم ينشأ نتاجًا لنظرية سياسية أو عقيدة أيديولوجية، وإنما ظهر كتطور لتيارات ثقافية وتواصل إنساني من أعماق التاريخ باتساع شواطئ المتوسط وخطوط التجارة من مسقط لمكة وبلاد الشام ومن اليمن للعراق. كانت مصر كتلة متجانسة مع الإقليم مترابطة به، ومثّل غيابها أو تغييبها فراغًا فكريًا واسعًا وعميقًا وثغرة استراتيجية احتلها الإسلام السياسي الذي يعد عن حق قفاز تقسيم المنطقة. وبشكل موازٍ كان تغلب مصر ولفظها للإسلام السياسي بمثابة الإشارة الأولى لعودة الوعي العربي في مصر ولمصر. 

وفي هذا السياق، يمكن أن تلعب مكتبة الإسكندرية دورًا محوريًا تمثل فيه نقطة الانطلاق لكثير من المشروعات والأفكار، مع دراسة تأسيس “مجمع عربي رقمي” في العاصمة الإدارية أو مدينة العلمين أو الجلالة على سبيل المثال يكون بمثابة رافعة تواكب العصر وأدواته وبميزانيات معقولة.

لذلك، سيكون مفيدًا السعي لبناء نظام إقليمي عربي يبني على ما تحقق سابقًا، فما تم بناؤه كان كبيرًا، خاصة تقارب مناهج التعليم وسط تيارات تستهدف ضرب لُحمتها الأساسية، وبالتالي ضرب استقرار المنطقة. فقد كان للانسحاب المصري من المحيط العربي علامات لا تخطئها العين، ومنذ ثورة 30 يونيو بدأت عملية استئناف الدور الطبيعي لمصر ارتكازًا على خطوات محسوبة متوازنة داعمة للاستقرار والتنمية، وقبل كل هذا على جيش يردع، ورأي عام داخلي واعٍ مساند.

د. أحمد فؤاد أنور
أكاديمي وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية