وحدة الدراسات الأفريقية

الأزمة المنسية: مستقبل منطقة “أبيي” بين السودان وجنوب السودان

أعاد قرار الأمم المتحدة بالموافقة على سحب القوات الإثيوبية البالغ عددها نحو 3200 جندي ضمن البعثة الأممية لحفظ السلام بين السودان وجنوب السودان، بناءً على طلب تقدمت به السودان في إبريل 2021؛ تلك الأزمة المنسية إلى صدارة المشهد الإقليمي المشتعل في القرن الإفريقي، مرة أخرى.  وتثير التطورات الأخيرة المتعلقة بذلك الملف مجموعة من التساؤلات ليس فقط حول السياقات والمآلات التي من المحتمل أن يرمي إليها ذلك القرار، وإنما أيضًا حول وضعية تلك المنطقة بين السودان وجنوب السودان، في ظل ما يشهده البلدان من تطورات في قضايا السلام الداخلي، وما شهدته العلاقات بين الجانبين من انفراجة بعد البشير قد تهيئ الأجواء…

شيماء البكش
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

أعاد قرار الأمم المتحدة بالموافقة على سحب القوات الإثيوبية البالغ عددها نحو 3200 جندي ضمن البعثة الأممية لحفظ السلام بين السودان وجنوب السودان، بناءً على طلب تقدمت به السودان في إبريل 2021؛ تلك الأزمة المنسية إلى صدارة المشهد الإقليمي المشتعل في القرن الإفريقي، مرة أخرى. 

وتثير التطورات الأخيرة المتعلقة بذلك الملف مجموعة من التساؤلات ليس فقط حول السياقات والمآلات التي من المحتمل أن يرمي إليها ذلك القرار، وإنما أيضًا حول وضعية تلك المنطقة بين السودان وجنوب السودان، في ظل ما يشهده البلدان من تطورات في قضايا السلام الداخلي، وما شهدته العلاقات بين الجانبين من انفراجة بعد البشير قد تهيئ الأجواء لحسم وضع المنطقة، التي لا تزال تمثل بؤرة اشتعال ليس فقط للبلدين وإنما باتت التفاعلات الإقليمية تؤشر إلى إمكانية تحول تلك المنطقة لبؤرة اشتعال إقليمي، وربما ذلك ما يفسر رغبة السودان في إبعاد القوات الإثيوبية.

أبيي: الوضعية والتبعية

تبعد أبيي 25 ألف كم مربع عن جنوب غربي ولاية جنوب كردفان، وينتشر فيها ثلثا حقول النفط في السودان، ويمتهن معظم سكان المنطقة الرعي؛ مما ساهم في وقوع الاشتباكات المتكررة بين الرعاة والمزارعين، من قبيلتي المسيرية والدينكا. ونظرًا لثراء المنطقة بالنفط، فقد شهدت تنازعًا على التبعية بين الشمال والجنوب؛ في إطار مساعي الأخيرة للانفصال، مما أدى إلى تحديد وضعيتها ضمن اتفاق السلام (نيفاشا 2005)، الذي بموجبه حصل الجنوب على الاستقلال في 2011. 

وقد حدد الفصل الرابع من اتفاق السلام (بروتكول أبيي) الأوضاع الإدارية والمالية للمنطقة، بما لا يتعارض مع بروتوكول تقاسم الثروة بين الشمال والجنوب الذي نص عليه الاتفاق. ولم تُسهم هذه الوضعية الخاصة التي حظيت بها أبيي في تحقيق أي من الاستقرار بالمنطقة بعد الاستقلال؛ إذ ظلّت عالقة بين الشمال والجنوب، مع تأكيد كلا الطرفين على تبعية المنطقة لكل منهما، واستمرار الاشتباكات بين قبيلة الدينكا التابعة للجنوب، والمسيرية التابعة للشمال. وتضمن البروتوكول المبادئ والقواعد الحاكمة للمنطقة؛ التي تم تعريفها -وفقًا للاتفاقية- بأنها منطقة تجمع مشيخات دينكا نقوك التسعة، التي حوّلت إلى كردفان في 1905، على أن تحتفظ قبيلة المسيرية بحقوقها التقليدية في رعي الماشية والتحرك عبر المنطقة. كما نصّ كذلك على الإبقاء على الحدود بين الشمال والجنوب كما هي موروثة منذ عام 1956، عقب استقلال السودان، مع عدم تغيير خط الترسيم إلا بمقتضى نتيجة الاستفتاء وما يسفر عنه، وهو الاستفتاء المختلف عليه حتى الآن. إذ أعطت الاتفاقية أهالي أبيي الحق في تنظيم استفتاء بالتزامن مع استفتاء جنوب السودان، على أن يعطي هذا الاستفتاء أبيي الحق في الاحتفاظ بوضعها الإداري الخاص في الشمال، أو أن تكون جزءًا من بحر الغزال؛ من اشتراط عدم تغيير الخط الفاصل والموروث منذ 1956 إلا بموجب نتيجة ذلك الاستفتاء. 

وقد أقرّت اتفاقية السلام الشامل بإنشاء مفوضية أبيي لإجراء استفتاء مستقل عن اتفاق الجنوب، إلا أنه تعذّر إجراء ذلك الاستفتاء بسبب الخلاف بين الشمال والجنوب على تعريف الناخب ومن يحقّ له التصويت؛ إذ اشترط الشمال مشاركة قبيلة المسيرية العربية التابعة للشمال، بينما رفضت الدينكا باعتبار أنهم رعاة يقدمون للمنطقة فقط في مواسم الرعي في الفترة ما بين نوفمبر من كل عام حتى يونيو من العام الذي يليه، قبل أن ينتقلوا بالماشية التي تقدر بعشرة ملايين رأس من الأبقار. ومع تعذّر تنظيم الاستفتاء، نظّمت الدينكا في عام 2013 استفتاءً بشكل مستقل، مع اقتناعهم بأن المنطقة تتبع لعشائر الدينكا، وأن النشاط الرعوي لا يرتب صفة المواطنة، لكن قاطعت حكومة الشمال وقبيلة المسيرية التي ترى تبعية المنطقة لولاية غرب كردفان، ورفضا الاعتراف بنتائجه التي وصلت إلى 99.9%، كما رفضت حكومة الجنوب الاعتراف بتلك النتائج، تجنبًا لإثارة القلاقل مع الشمال.

ووفقًا للأوضاع الإدارية، حددت الاتفاقية تمثيل منطقة أبيي في المجلس التشريعي التابع لكل من ولاية غرب كردفان التابعة للشمال وولاية بحر الغزال التابعة للجنوب. كذلك نص الاتفاق على إدارة أبيي بوساطة مجلس تنفيذي ينتخبه سكان أبيي. ويتكون هذا المجلس من رئيس للإدارة ونائبه وكذلك خمسة رؤساء للإدارات. ويعمل هذا المجلس على تقديم الخدمات اللازمة، والإشراف على الأمن والاستقرار في المنطقة، وكذلك اقتراح المشاريع الإنمائية والعمرانية للمنطقة لكل من المجلس وحكومة السودان. كما تمّ الاتفاق على تقسيم عائدات البترول في المنطقة إلى ستة أقسام خلال الفترة الانتقالية (50 % للحكومة القومية، و42% لحكومة جنوب السودان، وبحر الغزال 2% وغرب كردفان 2% وكذلك أبيي 2%)، كما خصص الاتفاق للمنطقة نصيبًا من العائدات القومية بموجب اتفاق تقاسم الثروة والسلطة. 

وعلى مدار عقد من الزمان، عانت منطقة أبيي، شأنها في ذلك شأن معاناة الشمال والجنوب على السواء. فعلى الرغم من تشكيل قوة لحفظ السلام في المنطقة، إلا أنها شهدت حوادث متكررة بين الرعاة والمزارعين، كأحد أبرز نماذج الصراعات المحلية التي تعاني منها إفريقيا، نظرًا لعوامل متعددة، من بينها: سوء ترسيم الحدود الموروثة عن الاستعمار، وكذلك عدم العدالة الجغرافية في التنمية والتوزيع، ناهيك عن الصراع على الموارد في منطقة غنية بالنفط كهذه، على نحوٍ جعل منها نموذجًا مثاليًا لأشكال الصراع التي تعاني منها القارة. 

اليونسفا: الولاية والفاعلية

راعى قرار تأسيس “مهمة القوة الأمنية المؤقتة في أبيي” الاتفاق والترتيبات المؤقتة للمنطقة، إذ نصّ بروتوكول أبيي على نشر مراقبين دوليين في المنطقة لضمان التنفيذ الكامل للاتفاقية. وبالفعل انتشرت قوة قوامها أكثر من 5000 جندي لحفظ السلام، في أعقاب انفصال الجنوب عن الشمال، بموجب القرار رقم 1990 الصادر عن مجلس الأمن عام 2011، بالتوافق بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، لوقف العنف والتوتر والنزوح بين السكان، بما لا يتعارض مع الترتيبات الأمنية التي نصّ عليها اتفاق نيفاشا. 

 وبموجب القرار، تم تجريد منطقة أبيي من السلاح والسماح للقوات الإثيوبية بمراقبة المنطقة. إذ قررت الأمم المتحدة أن تشمل ولاية القوة الأمنية المؤقتة مهام إضافية لدعم تفعيل الآلية الأمنية للحدود والتحقق منها، مع عقد الآلية السياسية والأمنية المشتركة، وضمان الانسحاب من المنطقة الحدودية الآمنة المنزوعة السلاح، ومراقبة انتشار قوة من أي من الطرفين، مع تقديم الدعم الفني والمشورة في إزالة الألغام وكذلك توفير الأمن للبنية التحتية النفطية. وكذلك دعم الأنشطة التشغيلية للآلية، وتقديم الدعم الإنساني، حماية المدنيين بما في ذلك اللاجئون والمشردون. وتخصص لهذه القوة ميزانية بلغت 280,581,200 دولار، وفق آخر تقديرات في يوليو 2021. 

وبذلك فإن الولاية الرئيسية للقوات هي ضمان حفظ السلام وتأمين الحدود، فلم تشمل ولايتها على سبيل المثال مهام كتلك التي تُخول لقوات أخرى تكون من اختصاصاتها بناء السلام، ومن ثمّ المشاركة في بناء مؤسسات الدولة والقيام بوظائف أخرى نيابة عن المؤسسات المنهارة. ويُلاحظ كذلك أن القوة التي تمّ تشكيلها في 2011، لم تكن مسئولة عن سيادة القانون والشئون القضائية، كما أنها لم تشمل عناصر شرطية، لكنها خوّلت بتعزيز دائرة شرطة أبيي، وتوفير إنفاذ فعّال للقانون تدريجيًا. ومؤخرًا ظهرت النية لتقليص عناصر الشرطة ضمن القوات الأممية، حيث تمّ إنشاء دائرة شرطة أبيي.

وجاء القرار الأول بتشكيل قوة قوامها 4200 فرد كحدٍّ أقصى و50 من أفراد الشرطة والدعم المدني المناسب. وفي عام 2013، تم اتخاذ قرار بزيادة عدد القوات من 4200 إلى 5326، مع مراجعة ورصد الوضع على الأرض. وفي عام 2018، خفّض مجلس الأمن الحد الأقصى المسموح به للقوات من 4140 إلى 3550.97 وزاد المجلس عدد أفراد الشرطة من 345، بما في ذلك 185 فردًا من ضباط الشرطة ووحدة شرطة مشكلة واحدة، إلى 640 من أفراد الشرطة، بما في ذلك 148 ضابط شرطة وثلاث وحدات شرطة مشكلة. وأضفى المجلس تعديلات طفيفة على مهام القوة في عام 2019، إذ أخذ الاعتبارات الجنسانية في الاعتبار، كما سمح الأمين العام بتأجيل انسحاب 295 جنديًا فوق الحد الأقصى المسموح به حتى مايو 2020، كما طالب بموظفين مدنيين في الحدود. وفي 12 مايو 2021، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2572، يتم بموجبه تمديد ولاية قوة اليونسفا حتى نوفمبر 2021، على النحو المنصوص عليه في الفقرة 2 من قرار مجلس الأمن الأول رقم 1990 لعام 2011، وهو القرار الذي يستند إلى الفصل السابع من الأمم المتحدة.

لكن التحولات الدراماتيكية الأخيرة التي تشهدها المنطقة، وخاصةً النزاع الحدودي بين إثيوبيا والسودان، دفع بالأخيرة لمطالبة الأمم المتحدة في فبراير الماضي باستبدال القوات الإثيوبية المشاركة في قوة أبيي بقوات آخرين. فوفقًا للرؤية السودانية التي عبّرت عنها وزيرة خارجيتها، أسماء الصادق المهدي، لا يتصور وجود قوات إثيوبية في العمق الاستراتيجي السوداني، في وقت تحشد فيه القوات الإثيوبية على الحدود الشرقية. فمؤخرًا، قررت الأمم المتحدة سحب قرابة 3.4 آلاف عنصر عسكري إثيوبي مشارك في بعثة يونسفا لحفظ السلام في أبيي، خلال ثلاثة أشهر، بعد اجتماع لوزيرة الخارجية مريم الصادق المهدي مع مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة للقرن الإفريقي، بارفيت إنيانقا، في أغسطس الماضي. ويُثير هذا القرار -بدوره- الجدل حول مستقبل ووضع القوات الأممية والمنطقة على السواء، مما دفع كافة الأطراف مؤخرًا نحو تكثيف التوصل بهدف التوصل إلى توافق مشترك حول القرار من جهة، وحول وضع المنطقة من جهة أخرى. 

عودة التوتر إلى أبيي

أعادت التطورات الأخيرة مشكلة أبيي إلى السطح مرة أخرى، خاصة مع مطالبة السودان بسحب القوات الإثيوبية، خشية ألا تستخدمها إثيوبيا كأداة ضغط على الحدود الجنوبية السودانية، مع استمرار المواجهات الحدودية بينهما. ورغم ارتباط هذا الزخم بوضعية القوات الإثيوبية ضمن قوات يونسفا الأممية، إلا أننا لا يجب أن نغفل الأوضاع والظروف المحيطة بقوات يونسفا بالأساس. فلم تُسهم القوات الأممية في تحقيق الاستقرار المنشود، فاستمرت الاشتباكات والتوترات بين القبيلتين والرعاة والمزارعين؛ بما يفرض ضغوطًا على حكومتي البلدين، إضافة إلى فترات الجمود والتوتر بينهما خلال حكم البشير، بما أدى إلى الفشل في حسم الترتيبات الأمنية والإدارية للمنطقة.

وفي يناير الماضي، شهدت المنطقة اشتباكًا في قرية كولوم شمال غرب أبيي، راح ضحيته أكثر من 30 قتيلًا وجُرح العشرات، نظرًا لهجوم شنّه أفراد مسلحون من قبيلة المسيرية على قبيلة الدينكا، بما أشعل الحدود بين الطرفين.

وعلى خلفية تلك التوترات، اتفق البلدان على تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم قوات الدفاع الشعبي لجنوب السودان والقوات المسلحة السودانية، وذلك وفقًا لاتفاق بين رئيس جنوب السودان سيلفاكير ونائب رئيس مجلس السيادة السوداني حميدتي، كما تمّ الاتفاق على حلّ المشكلة عبر لجان التعايش السلمي، وطالب حميدتي قوات اليونسفا الرابضة في المنطقة بالقيام بمهامها، بقيادة اللواء الإثيوبي مهاري زودي جبرامريام الذي تم تعيينه في هذا الموقع في 15 فبراير 2019. وتكررت الاشتباكات في مايو الماضي، بعدما أفادت مصادر محلية بمنطقة أبيي بمقتل 11 شخصًا وجرح 7 آخرين، في هجوم شنّته مجموعة مسلحة على قرية ” دنغوب” الواقعة في شمال المنطقة. وقد أدى هذا الهجوم إلى تصاعد الغضب بين قبائل المسيرية، نظرًا لاحتجاز المتفلتين 3000 رأس من الماشية تتبع لرعاة قبيلة المسيرية.

على هذا أجرى رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك اتصالًا هاتفيًا بالرئيس سيلفاكير، اتفقا خلاله على ضرورة إنهاء الصراع في المنطقة والالتزام بالاتفاقيات الحاكمة لوضعية المنطقة، وعلى رأسها الترتيبات الأمنية والإدارية المؤقتة للمنطقة، واتفاقيات التعاون بين الدولتين. كما طالب رئيس إدارية أبيي بتشكيل محكمة مشتركة بين البلدين بوجود دولة محايدة لمحاسبة المجرمين الذين يقومون بمهاجمة المدنيين العزّل وقتلهم. ذلك لعدم إدراج الولاية القضائية ضمن مهام البعثة مسبقًا، وعدم وجود محاكم قضائية في المنطقة. فطالب رئيس إدارية أبيي القوات الإثيوبية التابعة للأمم المتحدة الموجودة بالمنطقة إنشاء محكمة تختص بمحاسبة المتفلتين بين السودان وجنوب السودان، بعدما أدرجت الولاية القضائية ضمن مهام البعثة، استجابة للتحديات والمستجدات. كما رافق تلك التطورات غياب الثقة السودانية في استمرار القوات الإثيوبية في المنطقة، مما أدى إلى المطالبة برحيلها، وهو القرار الذي أقرته الأمم المتحدة مؤخرًا؛ بما يترك المنطقة المتوترة أمام سيناريو غامض وأسئلة حول مستقبل قوات اليونسفا، وحول إمكانية تحقيق تسوية مرضية للطرفين، بما لا يترك الحاجة لوجودها من الأساس، خاصة مع معارضة جنوب السودان لقرار سحب القوات الإثيوبية، دون تسوية الملف.

مؤشرات لمستقبل غامض

بالنظر لتلك التطورات التي تشهدها المنطقة، باتت الأوضاع غير المستقرة التي تعاني منها في مواجهة المزيد من عوامل عدم الاستقرار؛ إلا إذا كانت الاستجابة والإرادة السياسية لكافة الأطراف على قدر التحدي. فلم يشهد الملف أي تقدم في اتجاه تسوية مرضية للطرفين، وفقًا لاتفاق نيفاشا، وحتى الآن لم ينجح الطرفان في تنظيم استفتاء يحظى بتوافق مشترك. ومع رحيل نظام البشير، وتحقيق قدرٍ من التقدم في ملف السلام في الجنوب، كان من الطبيعي أن تحظى المنطقة بقدرٍ من الاهتمام المشترك.

  • الأوضاع الأمنية:

لا شكّ أن مغادرة القوات الإثيوبية سيترك فراغًا أمنيًا، في منطقة تعاني من انعدام حالة الأمن والاستقرار. خاصة وأن القوات الإثيوبية تشكل غالبية قوات اليونسفا؛ إذ يبلغ عددها نحو 3200 من إجمالي القوات التي يبلغ إجماليها 4200 فرد. ذلك على الرغم من فشل السيطرة على الأوضاع الأمنية في المنطقة، بل تتعرض القوات الأمنية نفسها لهجوم الميليشيات. فوفقًا لآخر التقديرات، قتل ما يقارب 557 شخصًا من أبناء المنطقة، منذ قدوم القوات في 2012. ومع ذلك سيترك مغادرة القوات فراغًا أمنيًا قد يتسبب في مزيد من عدم الاستقرار، وهو الأمر الذي يقتضي بدوره المسارعة في استبدال تلك القوات بأخرى جديدة. ومن جهته، أكدّ وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، في تصريحات من الخرطوم، مؤخرًا، أن الأمم المتحدة “شرعت في البحث عن قوات من بلدان عديدة تنطبق عليها المواصفات المطلوبة”، ذلك أثناء جولة أجراها لكل من السودان وجنوب السودان وإثيوبيا، لإجراء الأمر بهدوء، تجنبًا لعدم الاستقرار.

وقد دعت الحكومة السودانية القوات البنجلاديشية المساهمة في بعثة الأمم المتحدة في أبيي لتحل محل القوات الإثيوبية، خلال لقاء الوزيرة مريم الصادق المهدي مع نظيرها البنجلاديشي، على هامش زيارة رئيس مجلس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك إلى جوبا. كما أكدت المهدي خلال لقائها بنائب وزير الخارجية الجنوب سوداني في إبريل الماضي، على أهمية استمرار البعثة لحفظ الأمن بالمنطقة وضرورة سحب القوات الإثيوبية منها واستبدالها بقوات أخرى. 

لكن لجنوب السودان رأي آخر، وهو عدم رحيل القوات الإثيوبية دون إحداث تسوية سياسية للملف. وشدد نائب رئيس اللجنة الوطنية للوضع النهائي لمنطقة أبيي من جانب جنوب السودان دينق الور على التمسك بضرورة التوصل لاتفاق نهائي يحدد وضعية منطقة أبيي قبيل سحب القوات الإثيوبية التابعة لقوات حفظ السلام الأممية. وأكد على عدم إمكانية تغيير القوات الأممية بدون موافقة البلدين. وأشار إلى مطالبته الأمم المتحدة بالمساهمة في توصل البلدين لاتفاق نهائي بشأن مستقبل المنطقة، بدلًا من استبدال القوات، حتى لا يفرض طرف واحد رؤيته.

من جانبه، طالب المسئول الأممي جوبا والخرطوم بدعم عملية تغيير القوة الأممية الموجودة في أبيي، خصوصًا في ظل التوتر الحاصل في العلاقة بين السودان وإثيوبيا، إلى جانب انعدام الثقة بين المجتمعات المحلية. كما جدد الالتزام بالحفاظ على البعثة الأممية في أبيي، مشيرًا إلى تقدمهم بمقترحات بأسماء الدول التي ستشارك في تشكيل القوة البديلة حال موافقة البلدين على ذلك.

  • التسوية السياسية:

أعاد تواصل مسئولي البلدين مرة أخرى إحياء الأمل في إمكانية تفعيل الآلية السياسية والأمنية المشتركة بين البلدين. وقد اجتمع الجانبان مؤخرًا، على خلفية قرار انسحاب قوات اليونسفا؛ ووقّع وزيرا دفاع البلدين على مقررات الآلية السياسية والأمنية، في ضوء مخرجات الاجتماع السابق بالخرطوم في أكتوبر 2020. وخلال اجتماع الآلية السياسية والأمنية بين البلدين مؤخرًا، أكدّ وزير الدفاع السوداني، الفريق الركن ياسين ابراهيم ياسين، على انسحاب كامل القوات السودانية من المنطقة الآمنة منزوعة السلاح بين البلدين. وأكد أن تفعيل هذه المنطقة الآمنة منزوعة السلاح ونشر الدوريات الأرضية والجوية وتفعيل آليات الترتيبات الأمنية وتنشيط عملها، كفيل بمعالجة كثير من القضايا، وفق الإرادة السياسية. وفي مايو الماضي، على خلفية التوترات التي شهدتها المنطقة، قرّر رئيس جنوب السودان، سيلفاكير ميارديت، تشكيل لجنة حكومية للتفاهم مع السودان حول الوضع في أبيي، في ظلّ استعادة القضية لزخمها مرّة أخرى بين البلدين. وقد وعد رئيس الوزراء السوداني، أمام تلك اللجنة، بالتعاون بهدف إيجاد حلّ حاسم للقضايا العالقة بين الجانبين، يستند للحوار والتفاهم المشترك.

ويُعدّ تشكيل اللجنة وعودة الزخم المخرج الوحيد للأزمة التي ظلّت معلقة طويلًا منذ توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005، وعدم إمكانية إجراء استفتاء حول تبعية المنطقة، مع استمرار تمسك البلدين بمواقفهما وغياب الثقة بينهما. ورغم تحسن العلاقات بين البلدين، إلا أنه من غير المتوقع أن يتم إحراز أي تقدم على المدى المنظور. ذلك مع استمرار المواقف المتناقضة بين الطرفين، منها موقفهما من مستقبل القوات الإثيوبية؛ التي يعتبر رحيلها دلالة على غياب انحسار الدور الإثيوبي، الذي ظلّ تاريخيًا يلعب دورًا دبلوماسيًا في الوساطة بين السودان وجنوب السودان.

وبسبب الخلافات بين الطرفين، يتعذر صياغة خيارات مرضية لأي منهما، على النحو الذي عبّر عنه الأمين العام للأمم المتحدة. وبعد سنوات ظلّت خلالها منحصرة في التفاعلات المحلية، كما لم تشمل ولاية القوة الأممية أي تنسيق دولي، تمّ تدويل القضية، إلا أن المجتمع الدولي –حتى الآن- لم يضغط في اتجاه حلّ القضية. وتحتاج اللجنة إلى إرادة سياسية وتوافق مشترك أولًا، حتى يمكن صياغة حلول مرضية للطرفين. وكذلك تقتضي الحاجة عقد مؤتمرات محلية مع أصحاب المصلحة لتوحيد المواقف التفاوضية، والتوصل إلى صيغة يمكن من خلالها تنفيذ بروتوكول أبيي، أو إعادة صياغة رؤية مشتركة جديدة، يمكنها تحقيق التعايش السلمي بين قبيلتي دينكا والمسيرية. ويمكن أن تستند تلك المبادرات الجديدة، التي يقودها الحكماء والعقلاء في المنطقة، من مشايخ القبائل وممثلي الحكومات، إلى إعادة صياغة الأوضاع الإدارية لأبيي، على نحوٍ يمكن معه ترتيب ولاية مشتركة للبلدين عليها، على نحوٍ مشابه للاتفاق بين السعودية والكويت حول المنطقة المحايدة بينهما، على خلفية نزاع حدودي.

شيماء البكش
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية