وحدة الدراسات الاقتصادية

سندات التنمية المستدامة بين التطبيق والعائد

تُولِي الدولة المصرية اهتمامًا كبيرًا بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، والتي تتفق مع أهداف خطة مصر 2030. وفي ضوء تركيز خطة مصر للتنمية على تحسين مستوى معيشة المواطنين، وتيسير سبل العيش الكريم، فضلًا عن التزام مصر باتفاقية باريس بشأن تغير المناخ؛ تقوم الحكومة المصرية حاليًا بدراسة فكرة إصدار سندات التنمية المستدامة من خلال وزارة المالية، وذلك لما لها من العديد من المزايا والمنافع، خاصة فيما يتعلق بتحقيق أهداف التنمية المستدامة البيئية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، يتناول المقال التعريف بسندات التنمية المستدامة ودراسة أهميتها، مع استعراض الإطار العام لإصدارها وفقًا لاستراتيجية البنك الدولي وتجربة دولة المكسيك. ما هي سندات…

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تُولِي الدولة المصرية اهتمامًا كبيرًا بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، والتي تتفق مع أهداف خطة مصر 2030. وفي ضوء تركيز خطة مصر للتنمية على تحسين مستوى معيشة المواطنين، وتيسير سبل العيش الكريم، فضلًا عن التزام مصر باتفاقية باريس بشأن تغير المناخ؛ تقوم الحكومة المصرية حاليًا بدراسة فكرة إصدار سندات التنمية المستدامة من خلال وزارة المالية، وذلك لما لها من العديد من المزايا والمنافع، خاصة فيما يتعلق بتحقيق أهداف التنمية المستدامة البيئية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، يتناول المقال التعريف بسندات التنمية المستدامة ودراسة أهميتها، مع استعراض الإطار العام لإصدارها وفقًا لاستراتيجية البنك الدولي وتجربة دولة المكسيك.

ما هي سندات التنمية المستدامة Sustainable Development Bond؟

تمثل سندات التنمية المستدامة أدوات دين تدر عائدًا ثابتًا أو متغيرًا أو لا تدر عائدًا، تصدرها كيانات عامة أو خاصة لتمويل أهداف التنمية المستدامة، وتستخدم حصيلتها في تمويل المشروعات الخضراء والمشروعات التي تهدف إلى تحقيق أهداف اجتماعية بالأساس، ومن ثم تساعد تلك المشروعات على إيجاد حلول مستدامة لتحديات التنمية البيئية والاجتماعية. وتختلف سندات التنمية عن السندات الخضراء والسندات الاجتماعية في أنها تمول المشروعات ذات الأهداف البيئية والاجتماعية معًا. في حين تركز السندات الخضراء على المشروعات الخضراء وذات الأهداف البيئية فقط، وتهتم السندات الاجتماعية بالمردود الاجتماعي للمشروعات الممولة. وتتفق سندات التنمية المستدامة مع المكونات الأربعة الأساسية لمبادئ السندات الخضراء GBP ومبادئ السندات الاجتماعية SBP والمتمثلة في: تحديد استخدام حصيلة السندات، عملية تقييم وإدارة المشروعات، إدارة الحصيلة، إعداد التقارير. ولا يجوز استبدالها بالسندات التي لا تتفق مع مبادئ السندات الخضراء ومبادئ السندات الاجتماعية. ومن الجدير بالذكر وجود بعض السندات التي تمول مشروعات تخدم أهداف التنمية المستدامة دون أن تخضع لمبادئ السندات الخضراء ومبادئ السندات الاجتماعية، ومن ثم لا تعد ضمن سندات التنمية المستدامة، وفي هذه الحالات يجب على الجهة المصدرة إيضاح ذلك للمستثمرين، وإن كان من الأفضل الالتزام بالمبادئ المذكورة في إصداراتها المستقبلية. وقد تم إصدار تلك السندات في المكسيك والإكوادور بالتعاون مع بعض الجهات الدولية.

الأطر العامة المنظمة لسندات التنمية المستدامة

أصدرت الرابطة الدولية لسوق رأس المال ICMA إرشادات سندات الاستدامة تأكيدًا على أهميتها ولتسهيل تطبيقها بدرجة كبيرة من الشفافية والإفصاح في سوق سندات الاستدامة. وهي مجموعة من المبادئ التطوعية لتعزيز دور أسواق رأس المال في تعزيز الاستدامة البيئية والاجتماعية من خلال التوعية بأهمية الأثر البيئي والاجتماعي للمشاركين في الأسواق المالية، بما يؤدي إلى جذب المزيد من رؤوس الأموال لدعم التنمية المستدامة.

كما أصدر البنك الدولي في مايو 2020، أول تقرير عن تأثير سندات التنمية المستدامة. وأصدر آخر تحديث للإطار العام لسندات التنمية المستدامة في مارس 2021. ووفقًا لسياسة البنك الدولي، يتم استخدام صافي عائدات بيع السندات لدعم تمويل مشروعات وبرامج التنمية المستدامة في البلدان الأعضاء بالبنك الدولي، دون الالتزام بتخصيصها لإقراض أو تمويل مشروعات أو برامج معينة. ويتيح البنك الدولي التمويل للدول الأعضاء ذات الدخل المنخفض والمتوسط وذات الجدارة الائتمانية والتي تعمل بالتعاون مع البنك الدولي على القضاء على الفقر المدقع.

وتخضع عملية التقييم واختيار المشروعات التي سيتم تمويلها للعديد من الإجراءات لتحديد الآثار البيئية أو الاجتماعية المحتملة، بحيث يتم اختيار المشروعات التي تعمل على تحقيق أثر اجتماعي إيجابي وتحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدامٍ من خلال التركيز على إيجاد حلول لتحديات التنمية المستدامة، وبصفة خاصة تغير المناخ، وقضايا النوع الاجتماعي، والبنية التحتية، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، ونشر المعرفة، ومواجهة الصراع والعنف، وتمكين الفئات المهمشة (مثل: المرأة، والفقراء، وذوي الاحتياجات الخاصة، والشباب)، وتقليل الفقر، ورفع مستوى معيشة الأفراد، وزيادة معدلات الدخول. ووفقًا للسياسة التمويلية للبنك الدولي، يحظر تمويل المشروعات ذات الأثر البيئي والاجتماعي السلبي، مثل الكحوليات والمواد المشتعلة والمفاعلات النووية وسلع التفاخر وغيرها من المشروعات.

وبعد اختيار المشروعات يتم إصدار موافقة مجلس المديرين التنفيذيين، كما يتم القيام بعمليات الرصد والتقييم لتلك المشروعات بصورة منتظمة لتعزيز كفاءتها وتحسينها وتعديلها عند الضرورة لتحقيق الآثار الإيجابية المرجوة. ويُقدّم البنك الدولي تقريرًا سنويًا يتضمن المعلومات الخاصة بالمشروعات الممولة عن طريق عوائد السندات مع ذكر مبلغ التمويل لكل مشروع وأهداف المشروع ومؤشرات التنمية لتلك المشروعات لدعم وتعزيز الشفافية.

وفي إطار دور البنك الدولي في تعبئة التمويل من خلال أسواق رأس المال العالمية لدعم البلدان المتعاملة معه، قام البنك في يناير 2020 بإصدار أول سند مقوم بالفرنك الرواندي، وأتاح ذلك للمستثمرين الدوليين فرصة للتعرف على اقتصاد رواندا الآخذ في النمو من خلال عملتها الوطنية، وقد ساهم ذلك في تطوير سوق رأس المال المحلي. ومن جهة أخرى، فقد ساهمت سندات التنمية المستدامة التي أصدرها البنك الدولي في مساعدة الدول الأعضاء على مكافحة فيرس كورونا؛ إذ استطاع البنك الدولي تعبئة 15 مليار دولار من خلال سندات التنمية المستدامة خلال ثلاثة أيام في أبريل 2020، تم توجيهها لمكافحة فيروس كورونا.

إصدار سندات التنمية المستدامة بالمكسيك

أطلقت المكسيك الإطار العام المنظم لسندات التنمية المستدامة في 21 فبراير 2020، وتعتبر الدولة الأولى التي تُصدر سندات تنمية مستدامة. وقد وضعت المكسيك معيارين أساسيين يخضع لهما السند، هما: المعيار الجغرافي، الذي يعني إعطاء الأولوية للسكان المعرضين للخطر. ومعيار تعزيز الحوكمة من خلال تنسيق الإجراءات والسياسات مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في مراحل التنفيذ المختلفة. ويهدف السند بالأساس إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وقد تم إصدار السندات من خلال وزارة المالية والائتمان العام المكسيكية وشركة NATIXIS، وهي شركة خدمات مالية فرنسية متعددة الجنسية ومتخصصة في إدارة الأصول وتقديم الخدمات المصرفية والاستثمارية. وتم الإعلان، في 15 سبتمبر 2020، عن طرح سندات مدتها سبع سنوات بمبلغ 890 مليون دولار كأداة تمويلية ضمن سياسة التمويل المحلية لتمويل أهداف التنمية المستدامة. أما عن المشروعات التي تم الإعلان عن تمويلها؛ فهي تقع في 1345 مقاطعة مكسيكية تم اختيارها وفقًا لمحددات، مثل: معدلات الأمية، ومعدل الالتحاق بالمدارس، ونقص الخدمات الصحية، وغياب وصول المياه والصرف الصحي والكهرباء للمنازل.

وختامًا، فإنه يتبين جليًا أهمية تلك السندات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، فضلًا عن تأثيرها على بيئة الاستثمار من خلال توجيه فكر المستثمرين إلى أهمية مراعاة الجوانب الاجتماعية والبيئية في مشروعاتهم بما يعمل على إعادة ترتيب أولويات الاستثمار من خلال زيادة المشروعات ذات الأثر الاجتماعي والبيئي الإيجابي، كما أنها تؤدي إلى تنوع مصادر التمويل المتاحة التي لا تحمل الدول ديونًا جديدة، وتسهم تلك السندات في تعزيز دور القطاع الخاص كشريك في التنمية، فضلًا عن دورها في جذب المستثمرين الأجانب للأسواق المحلية في ظل التوجه الدولي لإصدار تلك السندات. ومع توجه الدولة المصرية لدراسة إصدار سندات التنمية المستدامة ينبغي أولًا وضع الإطار العام الخاص بإصدار سندات التنمية المستدامة بما يفي بالمبادئ الأربعة لإصدارها، ووفقًا لسياسات التمويل العامة في مصر وبعد دراسة التحديات البيئية والاجتماعية التي تواجه الدولة وتعمل على مواجهتها. مع أهمية وجود معايير واضحة لاختيار المشروعات التي سيتم تمويلها مع ضرورة الإفصاح عنها ومتابعة أدائها بصورة دورية من قبل المتخصصين، مع ضرورة مراعاة البعد الجغرافي في اختيار المشروعات لتحقيق التنمية الشاملة والعادلة، وتطبيق مبادئ ومعايير الحوكمة لتعزيز الشفافية والمساءلة وتجنب الفساد. وبإصدار الدولة المصرية لتلك السندات تكون الدولة الأولى إفريقيًا وصاحبة الريادة في إصدار سندات التنمية المستدامة، ويعزز ذلك وجود خبرة مصرية سابقة في إصدار “السندات الخضراء” التي تم إصدارها وفقًا للضوابط والقوانين المصرية، والتي تستهدف مشروعات لخدمة البيئة والحفاظ عليها.

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة