وحدة الدراسات الأوروبية

نيران صديقة: ماذا يعني الانسحاب الأمريكي من أفغانستان لبريطانيا؟

لم تكد تمر ثلاثة أشهر على توقيع إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ميثاقًا أطلسيًا جديدًا مع المملكة المتحدة، سعى لاستعادة روح التحالف الذي رسم شكل النظام العالمي الحالي. ولكن سرعان ما انقلبت عليه الإدارة الأمريكية، عندما قررت الخروج من أفغانستان دون أي تخطيط أو تشاور مع حلفائها بشكل عام، وحليفتها الأقرب المملكة المتحدة، التي تجمعهم وفق التعبيرات المتواترة سياسيًا في لندن “علاقة خاصة”. وعلى إثر ذلك الانسحاب المفاجئ، واجهت الحكومة البريطانية موجة واسعة من الانتقادات بسبب عدم جاهزيتها الكافية للتعامل مع تبعات الخروج الأمريكي من أفغانستان. وأطاحت هذه الموجة بوزير الخارجية “دومينيك راب” من منصبه في 15 سبتمبر 2021. وقبلها…

الشيماء عرفات
باحث بوحدة الدراسات الأوروبية

لم تكد تمر ثلاثة أشهر على توقيع إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ميثاقًا أطلسيًا جديدًا مع المملكة المتحدة، سعى لاستعادة روح التحالف الذي رسم شكل النظام العالمي الحالي. ولكن سرعان ما انقلبت عليه الإدارة الأمريكية، عندما قررت الخروج من أفغانستان دون أي تخطيط أو تشاور مع حلفائها بشكل عام، وحليفتها الأقرب المملكة المتحدة، التي تجمعهم وفق التعبيرات المتواترة سياسيًا في لندن “علاقة خاصة”.

وعلى إثر ذلك الانسحاب المفاجئ، واجهت الحكومة البريطانية موجة واسعة من الانتقادات بسبب عدم جاهزيتها الكافية للتعامل مع تبعات الخروج الأمريكي من أفغانستان. وأطاحت هذه الموجة بوزير الخارجية “دومينيك راب” من منصبه في 15 سبتمبر 2021. وقبلها انتقد رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم ” توم توجندهات” حكومة المملكة “لفشلها الذريع” بشأن أفغانستان؛ قائلا إن المملكة المتحدة “غير قادرة على الاحتفاظ بخط منفصل إلى الولايات المتحدة”. 

يضاف لهذا، عدم قدرة رئيس الوزراء “بوريس جونسون” على إثناء الإدارة الأمريكية عن الموعد النهائي التي قررته للخروج بنهاية أغسطس، وتمديده قليلًا لسحب الرعايا البريطانيين والمتعاونين مع الحكومة البريطانية من الأفغان؛ 

ومن هنا، فإن الورقة ستسعى لتبيان حجم الدور الذي لعبته المملكة المتحدة في أفغانستان، ودوافعها للتدخل من الأساس، ومدى تحقق أهداف تدخلها، ما سيقود للتعرف على سبل تعامل المملكة المتحدة مع تداعيات هذا الانسحاب، والتعامل مع أهدافها بعد هذا الانسحاب الأمريكي المُزلزل.

التواجد البريطاني في أفغانستان

ردت المملكة المتحدة على هجمات الحادي عشر من سبتمبر من خلال المساهمة عسكريًا مع الولايات المتحدة لإزالة القاعدة من أفغانستان ومطاردة أسامة بن لادن، من خلال ما أُطلق عليه قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان “إيساف” (International Security Assistance Force)، والتي تشكّلت بناءً على قرار مجلس رقم 1386.  وقد سحبت المملكة المتحدة قواتها المُسلحة من مهمة “إيساف” عام 2014؛ ولكنها استمرت في الوجود عن طريق المساهمة في التدريب والمشورة والمساعدة لقوات ومؤسسات الأمن الأفغانية. 

ولقد تكبّدت المملكة المتحدة الخسائر البشرية الأكبر في قواتها العسكرية المشاركة في أفغانستان، بعد الولايات المتحدة وبفارق كبير عن كل القوات الدولية الأخرى المشاركة ب 457 وفاة. 

عدد الوفيات العسكرية وفقًا لموقع بوليتكو

وقد كانت المملكة المتحدة من أكبر الدول المُساهمة ماليًا في حرب أفغانستان. حيث أنفقت حوالي 21 مليار جنيه إسترليني من عام 2001 إلى عام 2014. بالإضافة لكونها المُساهم الثالث في تمويل المؤسسات الدولية التي خدمت في أفغانستان منذ 2002 ب 3.8 مليار دولار سبقتها اليابان بفارق ضئيل، حيث أنفقت 3.9 مليار دولار. 

وقد ركزت المساعدات البريطانية على تحسين الحوكمة وتقديم المساعدة الإنسانية، وشملت التحسينات الملحوظة زيادة مشاركة الفتيات في المدراس، وفقًا لما نشره موقع مجلس العموم البريطاني. ففي الفترة من 2015 إلى 2020، ساعدت حكومة المملكة المتحدة ما يقرب من ثلاثة أرباع مليون طفل في الحصول على تعليم لائق وزيادة نسبة الأطفال دون سن الخامسة الذين يتلقون العلاج من أمراض سوء التغذية الحاد من 24٪ في عام 2011 إلى 94٪ من الأطفال المرضى. 

دوافع الدخول البريطاني للحرب 

يُمثل الانسحاب الأخير من أفغانستان، نهاية الحرب الأفغانية الرابعة للمملكة المتحدة، والتي بدأت أولها في عام 1839. وبالرغم من أن الحروب الأفغانية الثلاثة الأولى للمملكة المتحدة التي كانت أخرها 1919، وبالرغم من أنها قد صحبتها العديد من الانتكاسات السياسية وبعض الهزائم المروعة في ساحة المعركة، ولكن في جميع الحالات الثلاث، تم تحقيق أهداف لندن الاستراتيجية، وهي إبقاء النفوذ الأفغاني والروسي خارج الحدود الشمالية الغربية للهند. ولكن في هذه الحرب الأفغانية الرابعة، لم تكن هناك هزائم مدوية في ساحة المعركة، ولكن كان هناك فشل كامل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية، التي تم إعلانها من قبل رئيس الوزراء الأسبق “توني بلير”، وتم تفصيلها في تقرير لمجلس اللوردات عن المشاركة البريطانية في أفغانستان بيناير 2021.

محاربة تجارة المخدرات: 

 في عام 2001، صرّح “توني بلير” إن منع الهيروين الأفغاني من الوصول إلى الشواطئ البريطانية كان أحد الأسباب الرئيسة وراء إرسال قوات لإسقاط “طالبان”. فوفقًا   وزيرة الدولة البريطانية لشئون الدفاع البارونة جولدي، فأن خمسة وتسعون في المائة من الهيروين في شوارع المملكة المتحدة يأتي من أفغانستان. وهناك 261 ألف مستخدم للهيروين في إنجلترا، وفي عام 2019، كان هناك 1329 حالة وفاة مرتبطة بتسمم الهيروين أو الأفيون في جميع أنحاء المملكة المتحدة. وكذلك ووفق البيانات الأحدث، تعاني المملكة المتحدة من أسوأ مستوى في القارة من الوفيات بسبب المخدرات. فأكثر من أربعة آلاف وخمسمئة بريطاني توفوا بسبب حالات تسمم ذات علاقة بالمخدرات خلال عام 2020 وحده، أي أكثر ممن لقوا حتفهم خلال النزاع بأسره الذي استمر 30 سنة في إيرلندا الشمالية. 

 وعليه فقد كان اختيار المملكة المتحدة مقاطعة هلمند (قلب صناعة الأفيون) كموقع لوجودها منطقيًا (على الرغم من أن قندهار كانت التفضيل الأولي). ولكن هذا التبرير البريطاني تناقض مع واقع الحال في أفغانستان. حيث دّعم البريطانيون والأميركيون أمراء حرب مقربين منهم في مواجهة “طالبان” رغم أنهم من مروجي الهيروين، وقُوبِلت زراعة الخشخاش في مناطق تابعة لهؤلاء الأمراء بالتسامح. وفي عام 2020 أنتج المزارعون الأفغان حوالي 2300 طن من الأفيون، مثّل 90% من المعروض عالميًا. في حين أن طالبان وقت حكمها السابق، قد تمكنت من قمع إنتاج المخدرات بين عامي 2000 و201، بأكثر من 90 في المائة من حجمه السابق، وفقًا لمسح أجرته الأمم المتحدة.

القضاء على نظام القاعدة ومواجهة التطرف:

في عام 2001، صرّح رئيس الوزراء توني بلير إن الأهداف الثلاثة للمملكة المتحدة هي “ملاحقة المسؤولين عن هجمات 11 سبتمبر، والقضاء على شبكة بن لادن الإرهابية، واتخاذ إجراءات ضد نظام طالبان الذي يرعاه “. ووفقًا للمقال الأخير الذي نشره توني بلير في أعقاب إعلان الولايات المتحدة عن انسحابها من أفغانستان، فقال بأنه قد” تم تدبير الاعتداء في أفغانستان على يدي “القاعدة”، التي وفّرت لها “طالبان” الحماية والمساعدة. وأننا قد خشينا وقوع مزيد من الهجمات، التي من المحتمل أن تكون أشد سوءاً من 11/9. فتم توجيه إنذار نهائي لـ “طالبان” مفاده: إما أن تسلموا قيادة “القاعدة”، وإما سيجري خلعكم من السلطة، بحيث لا يتم استخدام أفغانستان من جديد كمنطلق لشنّ مزيد من الهجمات”. 

وكان تلك هي المبررات الأساسية التي تسويقها للرأي العام البريطاني والعالمي. واستمر التواجد في أفغانستان تحت مظلة كبرى مفادها بناء الدولة الأفغانية حتى تكون قادرة على دحر أي نظام داعم للجماعات الإرهابية، ولكيلا تكون ملاذًا لتلك الجماعات. وعزز ظهور فرع داعش في أفغانستان “ولاية خراسان” منذ 2014، من مخاوف الحكومة البريطانية من فشل مثل هذا المشروع الغربي لبناء الدولة الأفغانية.

إلا أن تفشي الفساد في كافة جنبات النظام الأفغاني الرسمي، واعتماد القوات الغربية على أمراء حرب فاسدين ومفسدين، والفشل في تعزيز بنية تحتية حقيقية قادرة على بناء مثل هذا المشروع، والتركيز على الجانب التسليحي دون غيره من جوانب. ساهم في سهولة بسط طالبان لسيطرتها وافشال مثل تلك الأهداف.

تداعيات الانسحاب الأمريكي على المملكة المتحدة

تواجه حكومة المملكة المتحدة تساؤلات متزايدة حول طريقة تعاملها مع الصراع في أفغانستان، وترزح تحت الكثير من الضغوط والهجوم. حتى وُصف الانسحاب بهذا الشكل من أفغانستان من قبل بعض المعلقين بانه بأنه أحد أكبر كوارث السياسة الخارجية في المملكة المتحدة منذ أزمة السويس عام 1956. وقد هاجم “بلير” الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بشكله الحالي، فصرّح بأنه “لم نكن في حاجة إلى الانسحاب، غير أننا اخترنا أن ننسحب. وفعلنا ذلك امتثالاً لشعار سياسي يتسم بالبلاهة حول إنهاء “الحروب الأبدية”.

ولم تسلم الادارة الحالية من وابل النقد، الذي امتد لكل شيء بدءا من عدم القدرة على الصمود دون وجود الولايات المتحدة، أو إدارة عمليات الإجلاء، والقدرة المحدودة في توفير الغطاء الآمن للمواطنين البريطانيين وللمتعاونين مع الحكومة البريطانية من الأفغان، ولفشل التوقعات الاستخباراتية التي راهنت علي صمود الحكومة الأفغانية ولم تنبأ بانهيارها السريع، بما يعنى فشل القوات الغربية في تحقيق هدفها المعلن ببناء دولة قادرة على الصمود في وجه العناصر المتطرفة.

وبغض النظر عن الهجوم على إدارة عملية الخروج الحالية، فإن تداعيات الانسحاب الأمريكي على المملكة المتحدة، لن تقف عند هذا الحد؛ بل ستمدد لعدد من الملفات أبرزها:

انتشار التطرف الإسلاموي

في تصريحات لشبكة “سكاي نيوز” وصف وزير الدفاع البريطاني “بن والاس” قرار الولايات المتحدة سحب قواتها بأنه “يترك مشكلة كبيرة جداً على الأرض”، ما يعطي زخماً للمتمردين. وتوقع أن ذلك سيكون مفيداً لتنظيم القاعدة، الذي منحته طالبان ملاذاً آمناً قبل هجمات 11 سبتمبر، ونتج عن هذا تورط الغرب لمدة 20 عاماً في أفغانستان. وأعرب الوزير عن بالغ قلقه من تحوّل “الدول الفاشلة إلى أرض خصبة” للتنظيمات الإرهابية، محذراً من أن ذلك قد يؤدي إلى تهديد أمني لمصالح بريطانيا.

يتسق هذا التصريح، مع ما سبق أن صرّح به المدير السابق لجهاز المخابرات السرية (MI6) السير “أليكس يونغر” لشبكة سكاي نيوز في شهر يوليو الماضي ما قبل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بإن “التهديد الإرهابي لبريطانيا سوف يتزايد إذا تخلى الغرب عن أفغانستان”. 

وفي مقابلة مع الإذاعة الرابعة لـ “بي بي سي”، حذر المدير السابق للاستخبارات الداخلية البريطانية (أم أي 5)، اللورد جوناثان إيفانز، من أن هناك مشكلتين، من ناحية ستتوافر الآن مساحة أوسع لتنظيم (القاعدة)، من ناحية أخري هناك وجود لعناصر من تنظيم (داعش) في أفغانستان، فإذا توافرت لهم الفرصة لتأسيس بنية تحتية للتدريب والعمليات، فإن ذلك سيشكل تهديداً للغرب على نطاق أوسع مما سبق. وهناك أيضاً العامل النفسي، ففشل للقوى الغربية في أفغانستان” يحفز همم الكثيرين.

وللمملكة المتحدة الحق في التخوف من تأثير العامل النفسي لوصول طالبان لسدة الحكم، وتشجيع وصولها للإسلاموين المتطرفين حول العالم بشكل عام، وبالمملكة بشكل خاص. فقد اشار تقرير لمؤسسة هنري جاكسون بأن 72% من الإرهابيين المنفذين لعمليات داخل بريطانيا من حاملي الجنسية البريطانية. بالإضافة لوجود لما يقدر بنحو 25000 إسلاموي مقيم في المملكة المتحدة، وفقاً لتصريحات منسق مكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي “جيل دي كريترشوف” في عام 2017، وبهذا فإن وجود الإسلاميون في المملكة المتحدة أعلى من وجودهم في أي دولة أوروبية أخري.

تمدد النفوذ الروسي والصيني

تعتبر المملكة المتحدة روسيا مهددا رئيسيا لأمنها القومي. بالإضافة إلى أنه منذ أزمة انتشار كوفيد 19 صعّدت المملكة المتحدة تحركاتها في مواجهة النفوذ الصيني المتزايد بالمملكة المتحدة والغرب بشكل عام. وعليه فإن انسحاب الغرب بهذا الشكل من أفغانستان واحتمالات تزايد نفوذ الصين وروسيا هناك يزيدان من مكانة هاتين القوتين دوليًا ومقارنة بمكانة المملكة المتحدة، وهو ما ينعكس على تزايد تهديدهما لمصالحها. وهناك تصريح سابق لوزير الدفاع البريطاني “بن والاس” لراديو ال.بي.سي على خلفية الانسحاب الأمريكي  بأن  “ما يشعرني بعدم الراحة هو أن هناك نظاما عالميا الآن بات ينظر إلى عزم الغرب على أنه متراخ”. وأضاف “هذا أمر ينبغي أن يقلقنا جميعا.. فإذا اُعتبر أن الغرب مفكك ولم يعد يمتلك عزيمة، فإن خصومنا مثل روسيا قد يجدون ذلك مشجعا”.

ولا تخلو تلك النظرة من وجاهة. فكلًا من روسيا والصين قد عززا تواصلهما مع طالبان، بما يضمن مصالحهما في أفغانستان. فنجد أن روسيا قد أجرت منذ أكثر من عقد اتصالات دبلوماسية وعسكرية مع طالبان، وعاملتها كطرف في أي عملية صنع سلام. وسبق وأن صرّحت موسكو أن طالبان جزء من الحوار الأفغاني الداخلي، وأن روسيا تنفذ قرار مجلس الأمن الدولي الصادر في مارس 2020 من خلال “إجراء اتصالات” مع طالبان؛ بما أتاح لروسيا الانفتاح على التعامل مع طالبان. 

وفيما يتعلق بالجانب الصيني. فنجد أنها سعت لتنسيق العمل مع طالبان قبل الانسحاب الأمريكي. ففي نهاية شهر يوليو الماضي قام الملا “عبد الغني برادار”، القيادي بحركة طالبان والذي أصبح نائب رئيس الوزراء؛ برئاسة مجموعة من تسعة أعضاء لزيارة تيانجين في الصين، حيث التقوا بوزير الخارجية الصيني ” وانغ يي “. وبحسب طالبان، فقد تناولت الاجتماعات القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية. بالإضافة لطمأنتهم الصين أن الحركة لن تسمح باستخدام أفغانستان كقاعدة لشنّ هجمات تستهدف أمن دول أخرى.

وتهتم الصين بأفغانستان بسبب مشروع طريق الحرير الذي تعتبر أفغانستان محطة أساسية به. بالإضافة أن مصالحها تلتقي مع روسيا في أفغانستان فيما يخص ضمان عدم تحول أفغانستان لمنصة إرهابية تهدد أمنهما القومي. وكذلك استفادتهما من ثروة البلاد المعدنية، التي قُدرت ذات مرة بتريليون دولار. حيث يُعتقد أن احتياطي الليثيوم في أفغانستان هو الأكبر في العالم. 

ركائز التحرك البريطاني ما بعد الانسحاب الأمريكي

الانسحاب الأمريكي بهذا الشكل من أفغانستان أوجد ضرورة للتحرك على عدد من المحاور بغية تحجيم أثره المباغت. وقد قامت المملكة المتحدة ببعض من تلك التحركات بالفعل، ويمكن أن تقوم بالبعض الأخر في ضوء الشعور بهذا التهديد المشترك، ويمكن إجمال أغلب تلك المحاور كالتالي:

تنسيق التواصل عبر وسطاء:

 بدأت المملكة المتحدة في استغلال علاقاتها الوطيدة بقطر وباكستان كوسطاء لضمان مصالحها، ولضمان سلامة رعاياها. فنجد أن المملكة لمتحدة كانت من أوائل الدول التي تواصلت بشكل مباشر مع الحكومة القطرية من اجل البحث عن وساطتها لتوفير عبور أمن للأفغان الموالين لها. فقام وزير الخارجية البريطاني السابق “دومينيك راب” بزيارة قطر في الثاني من سبتمبر الجاري لتأمين هذا العبور، وبالطبع إيجاد سبل جديدة للتواصل مع طالبان. تتضمن شروط التعامل مع طالبان، التي قدمها رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون”، تعهدات بأن الغرب يمكن أن يفك تجميد المليارات من الأصول إذا قام متمردو طالبان بضمان مرور آمن للاجئين، واستمروا في تعليم الفتيات حتى سن 18 عامًا ومنعوا عودة الإرهاب و “دولة مخدرات”.

 وقد صرّحت وزارة الخارجية البريطانية: “إن قرار زيارة الدوحة أولاً في رحلة إلى المنطقة يعكس الدور البارز الذي لعبه القطريون فيما يتعلق بأفغانستان في السنوات الأخيرة، بما في ذلك استضافة المكتب السياسي لطالبان في الدوحة منذ عام 2013”. يتسق هذا مع الإعلان عن انتقال السفارة البريطانية في كابول إلى قطر مؤقتاً.

انتقل “راب” بعدها إلى باكستان. حيث صرّح في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية الباكستاني، بأن “أساس العلاقة بين المملكة المتحدة وباكستان قوي للغاية – ولدى المملكة المتحدة رغبة في الارتقاء بها إلى المستوى التالي. كما أن لدينا مصلحة واضحة ومشتركة في مستقبل أفغانستان. سنحكم على طالبان من خلال أفعالهم وليس أقوالهم”.

وتعتبر باكستان من أهم الأطراف المتوقع أن تعتمد عليها المملكة المتحدة في تعاملها مع طالبان. حيث تحتفظ باكستان بصلات وثيقة مع طالبان. فجميع ممثلي طالبان الذين حضروا المحادثات في الدوحة “إما طاروا على متن طائرة باكستانية أو سافروا بجوازات سفر باكستانية”. وقد اعترفت باكستان بحركة طالبان كممثل شرعي للحكومة أفغانستان في التسعينيات وكانت حليفتها الرئيسية. وبعد 11 سبتمبر 2001، دعمت المخابرات الباكستانية سرًا حربًا بالوكالة في أفغانستان وحافظت على روابط مع فصائل طالبان، “وعلى الأخص شبكة حقاني.

التنسيق مع الصين وروسيا:

بالرغم من تصاعد الخطاب والتحركات البريطانية تجاه الطرفين الروسي والصيني؛ واعتبارهم مهددين أساسين لأمنها القومي.  تتلاقى مصالح الأطراف الثلاثة في محاصرة تهديد الجماعات الإرهابية في أفغانستان. وعليه قد يكون الحوار مع بكين مقبولًا في هذا الملف، وأيسر كذلك بالنسبة للمملكة المتحدة؛ نظرًا لأنها، على عكس الولايات المتحدة، لم تزيل حركة تركستان الشرقية الإسلامية من قائمة المنظمات الإرهابية المحظورة، معتبرة أنها اسم آخر للحزب الإسلامي التركستاني. ويُعتبر الحزب التركستاني مصدر قلق كبير للصين، باعتباره منظمة مسلحة “إيغورية” انفصالية تدعو إلى إنشاء “دولة إسلامية” في إقليم شينجيانغ، شمال غربي الصين.

وبالنسبة لروسيا، فإن لها مصالح حيوية بمنطقة آسيا الوسطى المتصلة جغرافيًا بها، والتي تعتبر امتدادًا استراتيجيًا لها، بما يعكس أهمية تلك المنطقة للأمن القومي الروسي. وتشترك طاجيكستان العضو بمنطقة آسيا الوسطى بحدود مع أفغانستان، وتستضيف طاجيكستان واحدة من القواعد الأجنبية القليلة لروسيا مع أكثر من 6000 جندي روسي، وهي عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا (CSTO).  وتعتبر طاجكستان وغيرها من دول أسيا الوسطى وكذلك روسيا، طالبان مهددًا لها.  نظرًا لأن لطالبان صلات بالعناصر الانفصالية الأوزبكية والطاجيكية، حيث قاتلا جنبًا لجنب في أفغانستان. وسبق وان اعترفت «طالبان» في عام 1996 باستقلال الشيشان وفتح سفارة شيشانية في كابل في وقت لاحق وإرسالها قوات للقتال في الشيشان. 

وعليه فتواصل الجانب الروسي والبريطاني يُعد محتملًا لتلاقى مصالحهم في احتواء خطر دعم طالبان من جديد للعناصر والحركات الإرهابية. ويتسق هذا الأمر، مع تعليق “راب” في جلسة لمجلس العموم البريطاني في 6 سبتمبر. عن حديثه مع وزير خارجية أوزبكستان، ووزير خارجية طاجيكستان. بالإضافة لزيارة وزير شؤون جنوب آسيا “اللورد أحمد ” طاجيكستان قبلها، مع الوعد بالعودة للمنطقة قريبًا.

تعزيز تواصلها مع شركائها الأوروبيين

قامت العديد من الدول الأوروبية باعتبارها أعضاء في حلف الناتو بمساندة الولايات المتحدة في حربها بأفغانستان منذ 20 عامًا. ورغم هذا لم تهتم الإدارة الأمريكية بإشراكها في اتفاقها مع طالبان، وأوروبا من أوائل المناطق المعرضة لتمدد خطر الإرهاب والهجرة.  وتتلاقى مصالح المملكة المتحدة مع الجانب الأوروبي في هذين الملفين، بالإضافة لتوافق الجانبين على ضرورة حفظ الاستقرار في عدد من المناطق التي تنسحب منها الولايات المتحدة مثل شرق المتوسط. 

 وعليه فمن المتوقع، أن تتجه المملكة المتحدة إلي تنسيق تحركها مع الجانب الأوروبي وبخاصة مع الجانب الفرنسي؛ وقد بدأت ارهاصات مثل هذا التعاون عبر اعتماد مجلس الأمن 30 أغسطس، القرار 2593 (2021) الذي يتعلق بالتطورات الأخيرة في أفغانستان، والذي اقترحت مشروعه كل من فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. 

الاتجاه نحو الدعم التنموي

أعلن رئيس الوزراء” بوريس جونسون “أمام مجلس العموم في 18 أغسطس 2021، إن المساعدة الإنسانية والإنمائية لأفغانستان ستزداد إلى 286 مليون جنيه إسترليني في عام 2021. وستسعى الحكومة أيضًا إلى الحصول على الدعم الدولي لتقديم المشاريع الإنسانية في المنطقة الأوسع. كما أعلنت أنها سترسل 30 مليون جنيه استرليني لدعم جيران أفغانستان.

ويُعد هذا الدعم حيويًا بالنسبة لأفغانستان؛ نظرًا لأنه حالياً يتم تمويل 80 %من ميزانيتها من قبل مانحين دوليين. وتعتبر أفغانستان واحدة من أكبر المتلقين للمساعدات الإنمائية الرسمية الثنائية للمملكة المتحدة في آسيا، وعادة ما تتلقى ثاني أعلى مبلغ في المنطقة. فمن عام 2009 إلى عام 2019، تلقت أفغانستان 12.6 % من المساعدة الإنمائية الرسمية الثنائية من المملكة المتحدة إلى آسيا، حيث أتت باكستان بالمركز الأول بنسبة 15.5 %، وبعدها الهند بنسبة 12.2 %.في الختام، يمكن القول إن ترك أفغانستان لطالبان أمر لا تقف تداعياته عند المشهد الحالي فقط. بل إن أهم تخوفات المملكة المتحدة تأتي من تعدد مظاهر تراجع النفوذ الغربي عالميًا بشكل عام، وبمنطقة آسيا التي أصبحت الوجهة الرئيسية لاستراتيجية “بريطانيا العالمية” بشكل خاص. حيث إن وجود طالبان يهدد أمن الهند بشكل أساسي وهي الحليف الرئيسي وأكبر الدعائم التي يقوم عليها مفهوم منطقة “المحيطين الهادئ والهندي” الموجه لمحاصرة النفوذ الصيني. ولكن ما شهدناه من شراكة استراتيجية دفاعية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، ينذر بأن مثل هذا التحالف بين الطرفين الأمريكي والبريطاني قادر على تنسيق التعاون، بالرغم من وجود اختلالات كبرى في هذا التحالف كالانسحاب الأمريكي من أفغانستان دون اشراك حليفتها الأقرب.

الشيماء عرفات
باحث بوحدة الدراسات الأوروبية