وحدة الدراسات العربية والإقليمية

هل يتكرر النموذج الأفغاني في الحالة العراقية؟

خلال الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى الولايات المتحدة في 26 يوليو 2021 في سياق الحوار الاستراتيجي، تم الاتفاق على إنهاء مهمة القوات القتالية للولايات المتحدة في العراق في 31 ديسمبر 2021 وتقليص عدد الجنود إلى 2500 جندي، وأن يقتصر الدور الأمريكي على التدريب والدعم الاستخباراتي، من ناحية أخرى كان الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في 31 أغسطس 2021 والذي كان له تداعياته الإقليمية والدولية، الأمر دفع إلى التساؤل هل يمكن تكرار النموذج الأفغاني في الحالة العراقية؟ الوجود الأمريكي في العراق دخلت القوات الأمريكية العراق في عام 2003 بما يقدر بنحو 125 ألف جندي بهدف الإطاحة بنظام…

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

خلال الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى الولايات المتحدة في 26 يوليو 2021 في سياق الحوار الاستراتيجي، تم الاتفاق على إنهاء مهمة القوات القتالية للولايات المتحدة في العراق في 31 ديسمبر 2021 وتقليص عدد الجنود إلى 2500 جندي، وأن يقتصر الدور الأمريكي على التدريب والدعم الاستخباراتي، من ناحية أخرى كان الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في 31 أغسطس 2021 والذي كان له تداعياته الإقليمية والدولية، الأمر دفع إلى التساؤل هل يمكن تكرار النموذج الأفغاني في الحالة العراقية؟

الوجود الأمريكي في العراق

دخلت القوات الأمريكية العراق في عام 2003 بما يقدر بنحو 125 ألف جندي بهدف الإطاحة بنظام صدام حسين والقضاء على أسلحة الدمار الشامل والتي تبين أنها غير موجودة، وخرجت القوات الأمريكية بالفعل في عام 2011، لكنها عادت مرة أخرى بعد ظهور تنظيم داعش وسيطرته على الأراضي في العراق في 2014، وبعد فقدان داعش آخر معاقله في أواخر 2017 احتفظت الولايات المتحدة بـ 5000 جندي، وقدمت القوات الأمريكية التدريب للقوات العراقية لمنع عودة التنظيم مرة أخرى، وبدأ عقد حوار استراتيجي مع الولايات المتحدة مع تولي الكاظمي رئاسة الحكومة في العراق، وتم الاتفاق على خفض القوات إلى 2500 جندي.

كما أن المليشيات العراقية والكتل السياسية التابعة لها طالبت بخروج القوات الأمريكية من العراق وصدر قرار من البرلمان بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في العراق، وسبق الترتيب للانسحاب من العراق، انسحاب أمريكا من أفغانستان في 31 أغسطس 2021، ويأتي ذلك الانسحاب في سياق الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بالتوجه إلى الشرق الأقصى والتي بدأت مع إدارة الرئيس أوباما، وجسدتها وثيقة الأمن القومي الأمريكي في عام 2011 والتي ركزت على تعزيز الوجود الأمريكي في منطقة الاندوباسيفيك.

وفي محاولة منها لطمأنه الحلفاء أكدت القيادة المركزية الأمريكية برئاسة كينيث ماكنزي أن انسحاب قواتها من العراق لن يؤثر على العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وبغداد وذلك خلال زيارة وفد عسكري أمريكي للعراق في سبتمبر 2021، والذي أكد على أهمية تكاتف الجهود الدولية ضد خطر الإرهاب، والفكر التكفيري المتطرف اللذين يهددان منطقة الشرق الأوسط من ناحية، وتحول مهمة التحالف الدولي إلى المشورة والتدريب والتعاون الاستخباري من ناحية ثانية.

تداعيات الانسحاب

يترتب على الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق عدة تداعيات تتمثل فيما يلي:

١. تمدد الإرهاب: يشكل الانسحاب من العراق، ومن قبل الانسحاب من أفغانستان بيئة مواتية للإرهاب في الشرق الأوسط، خاصة أن القوات العراقية لا تملك القدرات الكافية لضبط الأوضاع الأمنية، فضلا عن انتشار المليشيات المسلحة في العراق، كما أن الأمم المتحدة حذرت من إعادة تموضع داعش في العراق في ديالى وصلاح الدين وكركوك.

٢. تعزيز دور القوى الدولية الأخرى: يخلق الانسحاب مساحة إضافية وفرصة سانحة لقوى كبرى وخاصة روسيا والصين لتأمين المزيد من النفوذ في المنطقة سعياً إلى تحقيق المصالح الجيواستراتيجية والتجارية؛ فالصين هي ثاني أكبر شريك تجارى في العراق، وبلغ حجم التبادل التجاري معها في عام 2018 في جميع القطاعات نحو 30 مليار دولار، كذلك روسيا تسعى إلى تعزيز نفوذها من خلال صفقات الطاقة ومبيعات الأسلحة، وهناك حضور للشركات الروسية مثل غازبروم ولوك أويل في العراق.

٣. تعزيز دور القوى الإقليمية: يشكل الانسحاب فرصة للقوى الإقليمية للتنافس على النفوذ داخل العراق، أو عقد شراكات إقليمية، وسوف تتجه كل من تركيا وإيران إلى تمديد نفوذها لملء الفراغ الأمريكي، وتوسع تركيا هجماتها ضد أهداف حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، كما أن إيران ستكون أكثر ارتياحًا في تعاملها وتأثيرها في العراق سياسيًا من خلال زيادة نفوذها وتأثيرها وتحالفاتها مع القوى السياسية العراقية من جهة، والتأثير على القرار السياسي العراقي داخليًا وخارجيًا من جهة أخرى من دون أن تتم إعاقتها أمريكيًا. كما قد توسع إيران من عملياتها ضد الأكراد الإيرانيين، أو المقرات الأمريكية في العراق.

٤. تراجع الدور الأمريكي في سوريا: يرتب الانسحاب الكامل من العراق فقدان واشنطن قدرتها على التأثير على تطورات الصراع السوري، حيث يعتمد الانتشار العسكري الأمريكي في سوريا على قواعدها الموجودة في إقليم كردستان العراق، لذا قد يتم الإبقاء على قوات أمريكية في إقليم كردستان.

طمأنة الحلفاء

من غير المرجح أن يحدث سيناريو أفغانستان في العراق أو أن تترك واشنطن العراق نهائيا كون العراق رقم هام بالنسبة لمصالحها في المنطقة، وكذلك أمن حلفائها وتحديدا الدول الخليجية وإسرائيل، ومن ثم قد يكون هناك وجود أمريكي، ولكن بشكل مصغر، لمحاولة ضبط السلوك الإيراني والتركي في العراق.

من جهة أخرى تحاول الولايات المتحدة طمأنة حلفائها وتقود تحركات أمنية في المنطقة من خلال تشكيل وحدات عسكرية جديدة في الخليج، حيث أعلنت القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية في 9 سبتمبر  عام 2021 أن الأسطول الخامس التابع لها شكل قوة المهام 59 في الخليج بقيادة خبير الروبوتات “مايكل براسور”، بهدف دمج الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي في نطاق عملياته. وتتزايد أهمية هذه القوة لكونها هي الأولى من نوعها في البحرية الأمريكية، إذ تستخدم الطائرات بدون طيار وغيرها من الوسائل التي لا تحتاج إلى تدخل العنصر البشري. وهي قوة عمل مكرسة لدمج سريع للأنظمة غير المأهولة المسيرة عن بعد والذكاء الاصطناعي مع العمليات البحرية في منطقة الأسطول.

وفي إسرائيل تسلمت القيادة المركزية الأمريكية المسؤولية عن علاقة الجيش الأمريكي مع إسرائيل في أوائل سبتمبر عام 2021 خلفا للقيادة الأوروبية للجيش الأمريكي بهدف تعزيز العلاقات الدفاعية الاستراتيجية وتعميق التعاون العملياتى في المنطقة، ومنع التوترات المحتملة بين القيادة المركزية والدول العربية.

ختاما؛ من غير المرجح تكرار النموذج الأفغاني بالسياق ذاته في مناطق الوجود الأمريكي بالعراق وذلك لخصوصية الحالة العراقية وكون البيئة العراقية تختلف عن البيئة في أفغانستان، لكن لا شك أن هذا الانسحاب يرتب عدة تداعيات على الداخل العراقي أو على النفوذ الأمريكي كما تمت الإشارة.

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية