وحدة الدراسات العربية والإقليمية

المكالمة الأولى: في محاولة لفهم التواصل الصيني الرسمي مع النظام السوري

شهد السادس من نوفمبر 2021 إجراء الاتصال الأول بين الرئيس السوري بشار الأسد مع الرئيس الصيني تشي جين بينغ، وذلك بمناسبة حلول الذكرى الخامسة والستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. بحسب الرئاسة السورية، جرى خلال الاتصال التأكيد على الأهمية الكبيرة التي يوليها الجانبان السوري والصيني لتطوير هذه العلاقات، والحرص السوري على الانضمام لمبادرة الحزام والطريق، واستمرار الصين في توجيه الدعم السياسي والإنساني والاقتصادي إلى سوريا. يأتي هذا الاتصال في أعقاب الزيارة التي أجراها وزير الخارجية الصيني وانغ يي في يوليو 2021 إلى سوريا والتي تم التوافق في إطارها على الانطلاق نحو مرحلة جديدة في تعزيز العلاقات وفتح آفاق أوسع للتعاون…

نوران عوضين
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية

شهد السادس من نوفمبر 2021 إجراء الاتصال الأول بين الرئيس السوري بشار الأسد مع الرئيس الصيني تشي جين بينغ، وذلك بمناسبة حلول الذكرى الخامسة والستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. بحسب الرئاسة السورية، جرى خلال الاتصال التأكيد على الأهمية الكبيرة التي يوليها الجانبان السوري والصيني لتطوير هذه العلاقات، والحرص السوري على الانضمام لمبادرة الحزام والطريق، واستمرار الصين في توجيه الدعم السياسي والإنساني والاقتصادي إلى سوريا.

يأتي هذا الاتصال في أعقاب الزيارة التي أجراها وزير الخارجية الصيني وانغ يي في يوليو 2021 إلى سوريا والتي تم التوافق في إطارها على الانطلاق نحو مرحلة جديدة في تعزيز العلاقات وفتح آفاق أوسع للتعاون الثنائي في كل المجالات.

تعد كلًا من الزيارة والاتصال الحدث الأول من نوعه في مسار الانخراط الصيني في سوريا منذ بدء الصراع. على الرغم من الدعم الدبلوماسي الصيني الكبير الموجه إلى النظام السوري، لم يجر أي مسؤول صيني رفيع المستوى زيارة مماثلة إلى سوريا منذ بداية الصراع، كما يعد الاتصال الهاتفي أول تواصل وحوار مباشر ما بين الرئيس السوري بشار الأسد ونظيره الصيني تشي جين بينغ، حيث كان التواصل السابق معتمد على رسائل ينقلها مسؤولون من كلا الجانبين عن رؤسائهم، أو برقيات تحمل رسائل ما بين التهنئة أو إبداء التعاطف أو الدعم. فيما كانت زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي هي أول زيارة لمسؤول صيني كبير إلى سوريا، والتي اكتسبت أهميتها البالغة حينها نظرًا لتوقيتها الذي تصادف مع مراسم أداء الرئيس السوري اليمين الدستوري لولاية رئاسية جديدة. 

تأكيد صيني شرعية الأسد

في الوقت الذي يواجه فيه النظام السوري رفض متزايد وحصار اقتصادي من قبل الحكومات الغربية، تبدي الصين عبر أعلى مستوياتها الرسمية وبشكل مباشر دعمها للرئيس السوري. دبلوماسيًا وسياسيًا، لم يتوقف الدعم والتواصل الصيني مع سوريا عند حد المحادثات الرسمية ما بين الجانبين، حيث حافظت الصين على بعثتها الدبلوماسية في دمشق، وعينت مبعوثًا خاصًا إلى سوريا، يضاف إلى ذلك استخدامها لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن مرات عدة لعرقلة اتخاذ قرارات عقابية ضد النظام السوري. وأخيرًا خلال الزيارة الأخيرة لوزير خارجيتها، شدد وانغ على معارضة بكين الشديدة للجهود الإقليمية والدولية لدفع تغيير النظام في سوريا. وفي هذا الإطار، قدمت الصين مبادرة للحل في سوريا تشتمل على أربع نقاط وهي: احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها واحترام خيار الشعب السوري (الذي أعاد التأكيد على اختياره للأسد رئيسًا للدولة السورية)، إعطاء الأولوية لرفاهة الشعب السوري، وتسريع عملية إعادة الإعمار، والرفع الفوري للعقوبات الأحادية والحصار الاقتصادي المفروض على سوريا، التمسك بموقف حازم بشأن مكافحة الإرهاب على نحو فعال. وأخيرًا، العمل على إيجاد حل سياسي شامل للقضية السورية، وحل الخلافات بين الفصائل السورية من خلال الحوار والتشاور.

اقتصاديًا، يرتبط البلدان بالعديد من اتفاقات التعاون الاقتصادي والفني، منها اتفاقات تتعلق بتقديم الصين لمنح مالية تستخدم في تمويل احتياجات ذات طابع إنساني أو للمساعدة في تنمية الصناعة السورية، واتفاقات آخرى متعلقة بتنفيذ الصين لمشاريع استثمارية داخل سوريا في مجالات النقل والبنية التحتية، بجانب الفولاذ وموارد الطاقة.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه العقوبات الغربية المفروضة على النظام السوري، استمرت الصين في توثيق علاقتها الاقتصادية مع الأخير. فقبيل اندلاع الصراع، بلغ حجم التبادل بينهما عام 2010 نحو 2.5 مليار دولار، ولكنه انخفض عام 2012 ليصبح 1.2 مليار دولار. وهكذا، استمرت العلاقات التجارية بين البلدين، والتي على الرغم من انخفاضها إلا أنها لم تنقطع. ففي عام 2019، بلغ حجم التبادل التجاري نحو 1.3 مليار دولار، والذي انخفض قليلًا ليبلغ 834.9 مليار دولار لعام 2020 بفعل تداعيات الجائحة.

من الناحية الاستثمارية، تعد مؤسسة البترول الوطنية الصينية المساهم لاثنتين من أكبر شركات النفط السورية: الشركة السورية للنفط وشركة الفرات للنفط. من ناحية آخرى، تبدي الصين اهتمام كبير في مجال إعادة إعمار سوريا، في العام 2017، أكّد المبعوث الصيني الخاصّ إلى سوريا شيه شياو يان استعداد بلاده للمشاركة في إعادة إعمار سوريا. وفي يوليو 2017، استضافت بكين المعرض التجاري الأول حول مشاريع إعادة الإعمار السورية” وتعهدت بملياري دولار لبناء مجمعات صناعية، وحضر الحدث 1000 شركة صينية. وفي عام 2018، خلال منتدى التعاون بين الصين والدول العربية، أعلنت بكين عن قرض بقيمة 23 مليار دولار ومجموعة مساعدات، يمكن توقع إتاحة بعضها لسوريا. 

كما أشارت التقارير إلى  أن أكثر من 200 شركة صينية – مملوكة للدولة إلى حد كبير – كانت حاضرة في معرض دمشق التجاري الدولي في دورته الستين والذي انعقد في سبتمبر 2018 (انخفض عدد الشركات المشاركة بالمعرض المقام في سبتمبر 2019 إلى نحو 58 شركة)، وقد تنوعت مجالات عمل الشركات المشاركة بالمعرض مابين الاتصالات والنفط والغاز والنقل. تستهدف تلك الشركات من الحضور استكشاف المشاريع المحتملة للمشاركة فيها بعد انتهاء الحرب ومن ثم البدء بإعادة الإعمار. وكان من ضمن تلك الشركات: “البناء الحكومية الصينية”، و”سكك حديد الصين”، وشركات الاتصالات وفي مقدمتها “هواوي”، وشركات النفط والغاز والمعدات الثقيلة.

عسكريًا، خلال زيارة قام بها إلى دمشق في 14 أغسطس 2016، تعهد الأدميرال جوان يوفي مدير مكتب التعاون العسكري الدولي التابع للجنة العسكرية المركزية الصينية، بتحسين العلاقات التعاونية بين الجيشين الصيني والسوري، بما في ذلك التدريب. يعزو التأكيد الصيني على استمرار وتيرة العلاقات التعاونية العسكرية ما بين الصين والنظام السوري إلى نظرة بكين إلى النظام باعتباره الطرف الأكثر قدرة على حسم الصراع، وكونه الطرف القادر على محاربة الجماعات المتطرفة المقاتلة التي قدمت إلى سوريا منذ بدء الصراع، بما فيهم مقاتلي الإيغور الذين يشكلون تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الصيني. في عام 2016، استهدف انتحاري من الأيغور السفارة الصينية في قيرغيزستان، وقيل إن الهجوم قد تم التخطيط له وتنفيذه من قبل الحزب الإسلامي التركستاني وبتمويل من جبهة النصرة. عزز هذا الهجوم، بجانب عدد آخر من الهجمات المتفرقة التي تعرض لها مواطنين صينيين في الخارج، وتحديدًا في مالي وتايلاند وباكستان، المخاوف الصينية بشأن التهديد الذي يشكله المقاتلون الأجانب ليس فقط على الداخل الصيني في حال عودتهم، ولكن أيضًا على الاستثمارات الصينية بالخارج لاسيما تلك المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.

وفقًا لما تقدم، في أواخر عام 2017، تداولت وسائل الإعلام إدعاءاً مفاده إرسال الصين لوحدة من القوات الخاصة تم نشرها في مدينة طرطوس الساحلية لأغراض مكافحة الإرهاب. ولكن نفى المسؤولون الصينيون هذا الإدعاء. كما تم تداول رواية آخرى مفادها وجود تبادل للمعلومات الاستخبارية بين الصين ودمشق، بجانب إرسال الأولى لمستشارين عسكريين للمساعدة في القتال، ولكن لم يتم تأكيد تلك الرواية أيضًا، وسيظل ما يمكن تأكيده هو تفضيل الصين الابتعاد عن تولي أي دور عسكري رسمي في هذا الصراع، وترك دفة القيادة “الرسمية” في هذا الشأن إلى الحليف الروسي. 

دلالة التوقيت

يكمن التساؤل في اللحظة الراهنة حول توقيت النشاط الصيني (الرسمي) إزاء سوريا، فكما تم التوضيح سلفًا، اكتفت الصين منذ بدء الصراع بتقديم الدعم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي إلى سوريا، ولكن دون وجود نوع من التواصل المباشر بين القادة، واقتصر أمر التواصل على مستوى وزراء الخارجية –وكان ذلك هو أعلى مستوى من التواصل-. هناك عدة تفسيرات قد تحمل إجابة لتفسير التوقيت، من ناحية، تعد سوريا جزءً من التنافس الأوسع بين الولايات المتحدة والصين، ففي ظل الرفض الذي تبديه الإدارة الأمريكية للنظام السوري، وإصرارها على رفض التطبيع معه، ترفع الصين من مستويات دعمها إليه. هذا في نفس الوقت الذي تتجه فيه الصين نحو توثيق علاقتها مع النظام الإيراني -برغم العقوبات المفروضة على الأخير- عبر توقيعها لاتفاق “شراكة استراتيجية شاملة” لمدة خمسة وعشرين عامًا. 

وبشكل عام، تعد منطقة الشرق الأوسط ضمن مجال النفوذ التقليدي للولايات المتحدة، وبالتالي فإن الانخراط المتزايد الصيني بهذه المنطقة قد يُفسر أيضًا على كونه تحدي لهذا النفوذ، لاسيما مع التوجه الأمريكي نحو تعزيز حضورها العسكري في منطقة المحيطين الهندي- الهادئ، التي تعد الساحة الخلفية للصين، بالإضافة إلى رفع مستويات الدعم السياسي والعسكري المقدم إلى حلفاءها بالمنطقة، خاصة تايوان والذي وصل مستوى الدعم الموجه إليها بالتهديد بشكل علني اتخاذ “إجراء” في حال استخدام الصين القوة لتغيير الوضع الراهن بشأن تايوان. 

من جانب آخر، فإن الصين عبر انخراطها المتزايد سواء مع الصين أو مع إيران أو مع أي دولة داخل محيط الشرق الأوسط تسعى إلى الترويج لسياستها باعتبارها دولة تؤمن بمبادئ احترام السيادة وعدم التدخل في شؤون الدول الآخرى، على عكس الولايات المتحدة التي تؤثر فرض سياستها بالقوة، وهو ما تجلى في تدخلاتها العسكرية في العراق وأفغانستان، وضرباتها العسكرية التي توجهها بين الحين والآخر في سوريا. كذلك، بالنظر إلى مشهد الانسحاب من أفغانستان والتخلي عن الحلفاء، تقدم الصين نفسها باعتبارها شريك يمكن التعويل عليه، وبرغم الحصار والعقوبات لايتخلى عن شركاءه.

موقع سوريا ضمن مبادرة الحزام والطريق

تدلل السياسة الصينية إزاء سوريا بشكل خاص، والمنطقة بشكل عام على أن الغرض المباشر من تدخلها سيظل متمحور حول رغبتها في الريادة الاقتصادية عالميًا، وهو الأمر المرتبط بمشروع الحلم الصيني “مبادرة الحزام والطريق”، والذي من شأنه ربط الصين بشكل مباشر سواء من الناحية الاقتصادية أو من ناحية البنية التحتية أو الرقمية أيضًا- بدول قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، وبمجرد إتمامه ستصبح الصين مركز العالم.

ينصرف جزء رئيسي مما تبديه الصين من استعداد للدخول في مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، رغبتها في تهيأة الوضع –لاسيما البنية التحتية- بما يصب بشكل مباشر في خدمة مبادرة الحزام والطريق. 

يُنظر إلى موانئ سوريا على البحر المتوسط ​​في اللاذقية وطرطوس باعتبارها خيارات تخدم مشروعات صينية في مجالات الاتصالات والبنية التحتية، وتهدف إلى ربط البر الرئيسي الصيني بأوراسيا وشمال إفريقيا، بالإضافة إلى تعزيز وصول الصين إلى شواطئ المتوسط. ولكن بالنظر إلى كون ميناء طرطوس يقع الآن تحت النفوذ الروسي بجانب المساعي الإيرانية للسيطرة على ميناء اللاذقية، فقد وجهت الصين استثماراتها إلى ميناء طرابلس والذي يبعد فقط 35 كم من الحدود السورية. وفي هذا الصدد، أعربت الصين عن اهتمامها بإعادة بناء شبكة السكك الحديدية بين طرابلس وحمص، مما يسمح لها بخدمة ميناء طرابلس اللبناني الذي من المقرر أن يصبح مركز الشحن الرئيسي للصين في شرق البحر الأبيض المتوسط.

في الواقع، سواء من خلال تمكن الصين من الوصول الاستثماري إلى إحدى الموانئ السورية، أو باعتمادها فقط على ميناء طرابلس، تمنح هذه الخطط مساحة حركة إضافية لبكين بما يمكنها من الوصول إلى أوروبا ضمن مبادرتها. يشتمل الطريق البري للمبادرة على ستة ممرات أساسية، ثلاثة منها تصل الصين بأوروبا، “الجسـر البـري الأوراسـي الجديـد”، الـذي يمتـد مـن غـرب الصيـن إلـى غـرب روسـيا، و”ممـر الصيـن – منغوليــا – روســيا”، الــذي يمتــد مــن شــمال الصيــن إلــى شــرق روسـيا، و”ممـر الصيـن -آسـيا الوسـطى – غـرب آسـيا”، الـذي يمتــد مــن غــرب الصيــن إلــى تركيــا. وبالتالي، عبر ما يتيحه الوجود في سوريا من قدرة للصين على نقل البضائع عبر سوريا ولبنان إلى البحر المتوسط، ستتنوع الخيارات أمام بكين دون الاعتماد حصريًا على تركيا أو روسيا، بالإضافة إلى أن الانضمام السوري إلى المبادرة (صادق الرئيس السوري رسميًا على الانضمام إلى المبادرة في السابع عشر من يوليو 2021) يوسع من الحضور الاستراتيجي للصين في غرب آسيا وكذا داخل منطقة الشرق الأوسط.

مستقبل الحضور الصيني في سوريا

في أوائل عام 2019، تراوحت تقديرات الأمم المتحدة بشأن تكلفة إعادة إعمار البلاد ما بين 250 مليار دولار إلى 400 مليار دولار، وهي أرقام تفوق ميزانية الحكومة بأكملها لعام 2018 البالغة 3.9 تريليون ليرة سورية، أو حوالي 8.9 مليار دولار. من تلك الميزانية، كان المبلغ المخصص لإعادة الإعمار 50 مليار ليرة سورية، بما لا يزيد عن 115 مليون دولار، وهو ما يعني أن الحكومة السورية لا تستطيع تحمل مثل هذه التكلفة. وفي ظل إحجام الغرب عن الدخول في أي مشاريع لإعادة الإعمار حتى يتحقق الانتقال السياسي، يرى النظام السوري أن روسيا والصين وإيران هم أهم أطراف معادلة إعادة الإعمار. ولكن في ظل ما تتعرض له إيران من حصار اقتصادي، وعدم قدرة روسيا على تحمل تلك الكلفة وحدها، تتجه الأنظار إلى الصين كقائد لعلمية إعادة الإعمار. 

وعلى الرغم مما تبديه الصين من استعداد وحماس رسمي للمشاركة، يظل من غير المتوقع تلبية الصين للطموح الاقتصادي السوري، وذلك لعدة أسباب. أولًا، على الرغم من كون النظام السوري هو القوة المحلية الأولى المسيطرة على غالبية الأراضي السورية، لكن لا يعني هذا انتهاء الصراع، وذلك في ظل استمرار عدم حسم الأوضاع في إدلب، بالإضافة إلى عودة تهديدات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مناطق متفرقة شمال شرق سوريا. ثانيًا، في ظل عدم تحقق استقرار أمني كامل فضلًا عن هشاشة الوضع الاقتصادي، ستميل الشركات الصينية إلى العزوف عن الدخول إلى السوق السورية أو أن تغامر بالانخراط في أي مشاريع مرتبطة بإعادة الإعمار، هذا فضلًا عن تخوف تلك الشركات من أن تطالها عقوبات أمريكية جراء التعامل مع النظام السوري.

ثالثًا، تدرك الصين حجم التنافس الإيراني الروسي على كسب أصول اقتصادية، بل ويمكن القول أن تلك الأصول الآن أصبحت محصورة ما بين الطرفين، وفي حال رغبة أيهما اكتساب أصول جديدة، سيتعين عليهما التوصل إلى تسوية أو اتفاق مع النظام السوري من شأنه تلبية هدف ما(سياسي أو اقتصادي أو عسكري)، وهو ما يعني في حال دخول الشركات الصينية، سيتعين عليها التواصل والتفاوض والتوفيق بين مصالح الأطراف الثلاث، وليس مع طرف واحد فقط.

وعليه، فمن المتوقع أن تظل الصين ملتزمة بسياسة “الانخراط الحذر” على الصعيد الاقتصادي، وأن ينحصر اهتمامها فقط بالمواقع والمشاريع الخادمة للحزام والطريق.

سياسيًا، فمن المرجح أن تلتزم الصين بسياسة الدعم الموجهة إلى النظام السوري، مع عدم تجاهل أي فرصة لممارسة دور الوسيط بين المعارضة والنظام. ولكن من غير المتوقع أن تتطور العلاقات إلى مستوى توقيع اتفاق مماثل لاتفاق الشراكة الأخير الموقع بين الصين وإيران.

على الصعيد الأمني، فمن المتوقع أن تظل الصين خلال اللحظة الراهنة بعيدة عن أي انخراط عسكري رسمي في سوريا، حيث ستلتزم هنا بتفعيل شراكتها الاستراتيجية مع روسيا والقائمة على أساس كون الصين المحرك الاقتصادي التنموي، وروسيا هي الفاعل الأمني. ولكن، يظل غير بعيد في حال التوصل إلى حل سياسي دائم واستقرار الأوضاع الأمنية، وبالتالي بدء الصين في مشاريع مرتبطة بالحزام والطريق، أن نشهد حضورًا لشركات حراسة صينية أو لأفراد من جيش التحرير الشعبي الصيني، فقط لتأمين هذه المشاريع.

وبناءً عليه، فمن المتوقع خلال المدى القصير أن ينحصر الحضور الصيني في سوريا ما بين استمرار التواصل الرسمي مع النظام السوري، إضافة إلى توجيه مساعدات اقتصادية وإنسانية، مع احتمال الحديث عن تفاصيل وإجراءات مشروع اقتصادي يجمع الجانبين، (كتولي الصين إعادة بناء مناطق صناعية مدمرة، أو بدء التفاوض حول مشروع خط السكة الحديدية الواصل بين حمص وطرابلس). 

إجمالًا، من المتوقع أن يظل الحضور الصيني في سوريا حضورًا جيوسياسيًا أكثر منه اقتصاديًا، يأتي في إطار المنافسة الأوسع بين الصين والولايات المتحدة، ويتمثل الهدف الرئيسي منه خدمة الأهداف الصينية في منطقة الشرق الأوسط في ظل تراجع الدور الأمريكي بهذه المنطقة، ورغبة الصين في البروز كبديل يمكن التعويل عليه.

نوران عوضين
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية