وحدة الدراسات الأفريقية

القوى الثورية و”حمدوك” بعد اتفاق نوفمبر

جاء الاتفاق بين المكونين العسكري والمدني، في نوفمبر 2021، بعد أزمة كبيرة دخلت فيها البلاد بعد إطاحة الجيش بحكومة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، وبعد تدخلات خارجية وضغوط كبيرة مورست على الجيش من أجل التراجع عن خطواته بالاستيلاء على السلطة، ونصّ الاتفاق بين الفريق البرهان وحمدوك على إطلاق سراح جميع المعتقلين، وعودة حمدوك إلى منصبه، وبناء جيش قومي موحد، وإعادة هيكلة لجنة تفكيك نظام الإسلام السياسي، فضلًا عن أن الاتفاق يُعالج العديد من قضايا المرحلة الانتقالية، كعملية التحول الديمقراطي، ويوسع الانتقال السياسي بدون معوقات حتى نهاية الفترة الانتقالية. كما تم الاتفاق على عدم تدخل مجلس السيادة في العمل التنفيذي، واحترام الوثيقة…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

جاء الاتفاق بين المكونين العسكري والمدني، في نوفمبر 2021، بعد أزمة كبيرة دخلت فيها البلاد بعد إطاحة الجيش بحكومة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، وبعد تدخلات خارجية وضغوط كبيرة مورست على الجيش من أجل التراجع عن خطواته بالاستيلاء على السلطة، ونصّ الاتفاق بين الفريق البرهان وحمدوك على إطلاق سراح جميع المعتقلين، وعودة حمدوك إلى منصبه، وبناء جيش قومي موحد، وإعادة هيكلة لجنة تفكيك نظام الإسلام السياسي، فضلًا عن أن الاتفاق يُعالج العديد من قضايا المرحلة الانتقالية، كعملية التحول الديمقراطي، ويوسع الانتقال السياسي بدون معوقات حتى نهاية الفترة الانتقالية. كما تم الاتفاق على عدم تدخل مجلس السيادة في العمل التنفيذي، واحترام الوثيقة الدستورية، واستكمال الفترة الانتقالية بين المكونين العسكري والمدني. بالإضافة إلى تشكيل المجلس التشريعي، والمحكمة الدستورية العليا، والتحقيق في الأحداث التي جرت أثناء الاحتجاجات، وتقديم الجناة للعدالة. كما نصّ الاتفاق على أن الشراكة بين المكونين العسكري والمدني هي الضامن لاستقرار وأمن السودان، وتكوين حكومة مدنية من الكفاءات الوطنية المستقلة، كما لم ينوه الاتفاق لأي دور للقوى السياسية والشعبية التي لعبت دورًا كبيرًا في إسقاط جماعات الإسلام السياسي من السلطة، وتحديدًا قوى إعلان الحرية والتغيير.

أولًا- “حمدوك” في مواجهة القوى الثورية:

انقسمت القوى الثورية السودانية حيال الأزمة الداخلية في السودان، بعد الاتفاق الأخير الذي تمّ توقيعه بين كلٍّ من رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك وقائد الجيش الفريق عبدالفتاح البرهان، في نوفمبر 2021، ويرى كثيرون من القوى الثورية الشبابية هذا الاتفاق بمثابة انتصار للمكون العسكري، على حساب الدولة المدنية، وأيضًا يعتبرونه انتحارًا سياسيًا لرئيس الوزراء ويفقده دعم القوى الشبابية والمدنية مستقبلًا، وأن الاتفاق الجديد لا يسعى لإنهاء الأزمة السياسية المتواصلة بعد أحداث 25 من أكتوبر الماضي 2021، وإنما يؤدي إلى ارتفاع وتيرة الاحتجاجات والتصعيد من قبل الشارع السوداني. فيما ترى قوى أخرى أن هذا الاتفاق يُسهم بدرجة كبيرة في عملية الاستقرار، ويحافظ على وحدة وسلامة أرض الدولة السودانية.

ويرفض بشدة إعلان قوى الحرية والتغيير الاتفاق السياسي الأخير بين قائد الجيش الفريق البرهان، وعبدالله حمدوك، واصفًا هذا الاتفاق بالخيانة، ومحاولة مبطنة لتحسين صورة المؤسسة العسكرية بعد أحداث 25 من أكتوبر الماضي. وأصدر تجمع المهنيين السودانيين بيانًا بعد الاتفاق مباشرة على أنه يرفض جملة وتفصيلًا هذا الاتفاق، ولا يخصّ قوى إعلان الحرية والتغيير، وأنه محاولة لتبرير ما حدث في أكتوبر من قبل المؤسسة العسكرية، وأن المرجعية التي يعتمدها فقط هي الوثيقة الدستورية. وأشار البيان إلى أن الاتفاق الذي تم التوقيع عليه بمثابة خيانة لدماء شهداء الثورة.

وتعتبر القوى الثورية الشبابية أن الاتفاق يمثل مواجهة حقيقية بينهم وبين رئيس الوزراء حمدوك، ومهددًا رئيسيًا له، ويفقده الدعم الشعبي والسياسي، ويجعله غير قادر على المناورة أمام المكون العسكري، ويفقده التوازن، لأن حاضنته السياسية والشعبية تراجعت بصورة كبيرة وليس كما كانت من قبل. وهو الأمر الذي ظهر بوضوح في ارتفاع وتيرة المظاهرات المستمرة من القوى الثورية التي أشارت إلى أن هذه الاحتجاجات غير معنية بأي اتفاق بعد عودة حمدوك لرئاسة الوزراء.

ورفضت قوى إعلان الحرية والتغيير، وهي الكتلة الرئيسية التي قادت الاحتجاجات التي أسقطت نظام الإسلام السياسي، ووقعت اتفاق تقاسم السلطة مع المؤسسة العسكرية في عام 2019، وأعلنت موقفها بأن لا مفاوضات ولا شراكة مع المؤسسة العسكرية، وأكدت أن الاتفاق سوف يزيد من معدل الاحتجاجات المصحوبة بالصراع السياسي الرافض له. وتأتي المظاهرات تلبية لدعوات أطلقتها أحزاب سياسية ونقابات مهنية، مثل: تجمع المهنيين السودانيين، ولجان المقاومة الشعبية.

ثانيًا- التصعيد والمقاومة ضد الاتفاق الإطاري بين “البرهان” و”حمدوك”:

دعا تجمع المهنيين السودانيين القوى السياسية والنقابات ولجان المقاومة والمنضوين تحت مظلتهم في كل أنحاء السودان إلى الخروج للشارع من أجل مشاركة فعالة ضد الاتفاق الأخير، ودعت القوى الثورية إلى الاستمرار في الحشد والتعبئة والاحتجاجات، حتى يتم إسقاط المجلس العسكري الحاكم وتأسيس سلطة مدنية انتقالية، على حد قولهم. فيما دعت لجان المقاومة والنقابات المهنية لتنويع أدوات الاحتجاجات بلا توقف، وصولًا إلى الدولة الديمقراطية وسلطتها المستمدة من الشعب.

ومنذ توقيع الاتفاق في نوفمبر 2021، استمرت الاحتجاجات والمظاهرات في مدن السودان المختلفة، احتجاجًا على المرسوم، وقد شهدت مدينة الخرطوم زخمًا في الشارع بعد ساعات من إعلان الاتفاق بين المكونين العسكري والمدني، وأحرق المحتجون الغاضبون إطارات سيارات، وأغلقوا مدن العاصمة الثلاث (أم درمان – بحري – الخرطوم)، وتزامن ذلك مع خروج آلاف المتظاهرين في عدة أحياء بمناطق متفرقة تندد بالاتفاق. وتسعى قوى إعلان الحرية والتغيير بعد عودة الإنترنت، لتنفيذ عصيان مدني في جميع مؤسسات الدولة بهدف عدم الاعتراف بالاتفاق الأخير.

وتمثّل لجان المقاومة، وهي من أكبر التنظيمات القاعدية، إحدى أهم أدوات المقاومة، وأيضًا كجماعات ضغط على رئيس الوزراء حمدوك. وتسعى لجان المقاومة لأن تكون جماعة سياسية أو حركة سياسية، هدفها مدنية الدولة كتمهيد لفترة الانتقال حتى الانتخابات لتأسيس الجمهورية الجديدة في السودان. وأيضًا من مهمتها الضغط على الاتفاق السياسي الحالي بين الفريق البرهان وحمدوك من أجل تحقيق أهداف الثورة.

ثالثًا- مواقف القوى السياسية المؤيدة:

مقابل القوى المعارضة، ترى قوى ثورية أخرى أن هذا الاتفاق يُعلي من التسامح من أجل مصلحة البلاد العليا، وتفاديًا لانزلاق السودان إلى حالة عدم الاستقرار والفوضى، والعمل معًا في عملية التوافق القانوني والسياسي، واستكمال المشاورات مع القوى السياسية، بهدف تشكيل حكومة تكنوقراط سياسية لتكملة الفترة الانتقالية حتى قيام الانتخابات المقبلة، وتطالب هذه القوى الثورية بحق التظاهر السلمي لجميع الأطراف بمن فيهم تجمع المهنيين السودانيين.

وأكدت هذه القوى ألا بديل عن التحالف بين المؤسسة العسكرية والمدنيين، لاجتياز هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها السودان، وأن الانفراد بالسلطة بين المكونين يؤدي إلى مزيد من الانقسامات والأزمات التي تؤثر بشكل كبير على الاستقرار والأمن معًا، وأن التقارب بين المكونين وسيلة مهمة للحفاظ على المكتسبات الثورية لبناء نظام ديمقراطي، وتشكيل حكومة كفاءات لدفع العملية الانتقالية وصولًا إلى استكمال الاستحقاقات وإجراء الانتخابات في موعدها المحدد، لتحقيق تطلعات القوى الثورية الشبابية السودانية وأيضًا الحفاظ على وحدة السودان أرضًا وشعبًا.

إلى جانب هذه القوى المؤيدة لمسار البرهان-حمدوك، رحبت الأمم المتحدة بالاتفاق، وطالبت بحماية النظام الدستوري، بهدف المحافظة على الحريات الأساسية، المتمثلة في الحراك السياسي وحرية التعبير والرأي والتجمع السلمي، كما رحبت الدول العربية والجامعة العربية، والمجتمع الغربي، واصفة الاتفاق بتحلي الأطراف السودانية بالمصلحة العام والمسئولية، بغرض إنجاح ما تبقى بالفترة الانتقالية.

خاتمة

بناء على ما سبق، يتضح أن مسار البرهان-حمدوك بمثابة حل وسط للأزمة، وقد خفف من حدة التوترات على الساحة السودانية، ولم تعد التظاهرات التي تدعو لها المعارضة بالزخم الذي كان قبل الاتفاق، ومع ذلك تظل الاحتجاجات والتظاهرات ورقة ضغط يستغلها المكون المدني في إطار المسار الجديد من أجل تخفيف حدة التدخلات من جانب المكون العسكري. وعلى المستوى الدولي، تمتلك الإدارة الأمريكية وحكومات الدول الغربية ورقة ضغط مهمة في التأثير على مسار العملية السياسية في السودان، ولا يمكن إغفال هذا الدور في المستقبل، ويعزز ذلك من الوضع الراهن وضبط التفاعلات في إطار مسار البرهان-حمدوك.

وخلاصة القول، على الرغم من أن الاتفاق بين المكونين العسكري والمدني أثار ردود أفعال كبيرة من قبل القوى السياسية والشبابية في السودان، وارتفاع الأصوات المعارضة للاتفاق الجديد؛ إلا أنه أصبح واقعًا جديدًا يمثل خطوة مهمة للتوازن بين المكونين العسكري والمدني، وبدأت بعض القوى السياسية بالتعايش معه كاتفاق يمهد لتشكيل حكومة انتقالية حتى يوليو 2023. ويعتبر الاتفاق مقدمة حقيقية لتسوية قائمة على المشاركة من خلال أجندات وطنية بعيدة عن المحاصصات الحزبية الضيقة. فضلًا عن أنه يعيد المسار الديمقراطي من خلال حكومة مدنية، تعمل على تنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تعيد السودان إلى المجتمع الدولي بما يُمكّنه من الحصول على دعم المؤسسات الذي تعهدت بتقديمه للسودان بعد الإطاحة بجماعات الإسلام السياسي.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية