تنمية ومجتمع

من رياض الأطفال إلى التعليم الأساسى: تقليص فـجوة الإتـاحة والجـودة

  أصبحت مرحلة رياض الأطفال ضرورة حتمية حيث تغيرت النظرة إليها من كونها مرحلة مفعمة باللعب والأنشطة الترفيهية للأطفال كما كان في السابق إلى كونها مرحلة تعليم أولية تمهد لمرحلة التعليم الأساسى. لقد أطلقت وزارة التربية والتعليم مشروع تطوير التعليم عام 2018، وأصدرت قرارات وزارية بشأن تنظيم الدارسة بمرحلة رياض الأطفال في ضوء نظام التعليم الجديد (2.0)؛ فجاءت مناهج رياض الأطفال عبارة عن مستويين يشتملان على منهج (اكتشف)، وهو عبارة عن نوافذ للتعلم الممتع للغة العربية والرياضيات واللغات والأنشطة وبذلك أصبحت مرحلة رياض الأطفال مرتبطة باكتساب التلاميذ قدر معلوم ومحدد من المعارف والمهارات والقيم في إطار زمنى محدد ووفق جداول تعلم…

د. أحمد سيد داود on Email
د. أحمد سيد داود
باحث في قضايا التعليم

  أصبحت مرحلة رياض الأطفال ضرورة حتمية حيث تغيرت النظرة إليها من كونها مرحلة مفعمة باللعب والأنشطة الترفيهية للأطفال كما كان في السابق إلى كونها مرحلة تعليم أولية تمهد لمرحلة التعليم الأساسى. لقد أطلقت وزارة التربية والتعليم مشروع تطوير التعليم عام 2018، وأصدرت قرارات وزارية بشأن تنظيم الدارسة بمرحلة رياض الأطفال في ضوء نظام التعليم الجديد (2.0)؛ فجاءت مناهج رياض الأطفال عبارة عن مستويين يشتملان على منهج (اكتشف)، وهو عبارة عن نوافذ للتعلم الممتع للغة العربية والرياضيات واللغات والأنشطة وبذلك أصبحت مرحلة رياض الأطفال مرتبطة باكتساب التلاميذ قدر معلوم ومحدد من المعارف والمهارات والقيم في إطار زمنى محدد ووفق جداول تعلم وأنشطة مصممة لتناسب قدرات التلاميذ في تلك المرحلة العمرية ، لذا لم تعد مرحلة رياض الأطفال من الرفاهة الاجتماعية أو الكماليات التربوية لخبرات الأطفال بل أنها باتت ضرورة أساسية لتيسير التحاق الأطفال بمرحلة التعليم الأساسي.

  • فجوة الإتاحة بين مرحلة رياض الأطفال والتعليم الأساسي.

        نص قانون التعليم 139 لسنة 1981م الباب الثاني في مرحلة التعليم الأساسي مادة رقم (15) أن التعليم الأساسي حق لجميع الأطفال المصريين الذين يبلغون السادسة من عمرهم، تلتزم الدولة بتوفيره لهم ويلتزم الآباء وأولياء الأمور بتنفيذه. أجازت نفس المادة إمكانية أن يقل سن الالتزام حتى يشمل سن الخمس سنوات ونصف بشرط وجود أماكن متاحة وعدم الإخلال بالكثافات المقررة، غير أن قانون التعليم لم ينص على إلزامية الالتحاق برياض الأطفال وترك حرية إلحاق التلاميذ برياض الأطفال غير مقننة، فتأثرت معدلات الالتحاق برياض الأطفال بعدة عوامل منها:

  • طاقات استيعاب دور رياض الأطفال سواء كانت حكومية أو خاصة أو تابعة لجمعيات المجتمع المدني.
  • النطاق الجغرافي وتوزيع الخدمات التربوية.
  • المستوى الاقتصادي للأسرة.
  • مستوى جودة الخدمات التربوية التي توفرها دور رياض الأطفال على اختلاف أنواعها وتبعيتها.

     بلغ عدد مدارس ما قبل التعليم الابتدائي 12493 مدرسة، بإجمالي عدد 40046 فصلا يقدم خدمات رياض الأطفال التربوية لعدد 1.5 مليون طفل تقريباً بالمستويين الأول والثاني لرياض الأطفال، وذلك طبقا لتقديرات وزارة التربية والتعليم بالعام الدراسي 2019/2020، وبما يمثل جملة الطاقة الاستيعابية لمرحلة رياض الأطفال بوزارة التربية والتعليم في المدارس الرسمية الحكومية . 

إن الطاقة الاستيعابية لفصول رياض الأطفال لا تتجاوز 35% من عدد الأطفال في سن الالتحاق. فبينما التحق بالصف الأول الابتدائي في عام 2019 – 2020 ما يقارب 2.3 مليون طفل، فإن عدد الأطفال المسجلين في الصف الثاني من رياض الأطفال في العام السابق، أي في عام 2018 – 2019، بلغ أقل من 0.8 مليون طفل، بما يشير إلى وجود فارق عدد 1,5 مليون تلميذ نسبتهم (65%) تقريبا لم يتلقوا خدمات رياض الأطفال بالمدارس الحكومية أو الخاصة الرسمية، ولعلنا نجد أن تلك النسب كبيرة جدا ولكن ذلك لا يعنى أن هذه النسبة من التلاميذ لم يتلقوا أى نوع من أنواع الخدمات التربوية الخاصة بمرحلة رياض الأطفال، بل أن نسبة لا بأس بها من أولئك التلاميذ قد حصلوا على خدمات تربوية في دور رياض أطفال وحضانات تابعة لجهات مختلفة إلا أنها في الغالب لا تطبق مناهج وزارة التربية والتعليم المطورة، ولا يوجد إحصائيات رسمية دقيقة توضح نسبة التلاميذ في تلك الدور والحضانات، ومن هنا نجد أن هناك فجوة إتاحة في توفير خدمات رياض الأطفال لكافة التلاميذ بسبب قلة الطاقات الاستيعابية في المقام الأول. 

  • فجوة الجودة في الخدمات التربوية بين رياض الأطفال والتعليم الأساسى 

        اشتمل تطوير التعليم في مرحلة الطفولة بمشروع تطوير التعليم الذي أعلنته وزارة التربية والتعليم عام 2018 على مكون رئيس وهو توسيع نطاق توفير التعليم الجيد في مرحلة الطفولة المبكرة وذلك من خلال مكونين فرعيين:

  • المكون الفرعي الأول: زيادة إتاحة خدمات رياض الأطفال في إطار التوافق والاتساق مع رؤية مصر 2030، ويدعم هذا المشروع زيادة معدلات الالتحاق في مرحلة رياض من خلال تجديد وتجهيز الاماكن المتاحة وتزويدها بالمعدات اللازمة لتحويلها إلى فصول رياض أطفال حكومية.
  • المكون الفرعي الثاني: تحسين جودة خدمات التعليم برياض الأطفال- وسيعمل هذا المشروع على ضمان أن تترافق المكاسب المحققة من معدلات الالتحاق مع إدخال تحسينات ذات جودة، وسيدعم هذا المشروع على وجه التحديد ما يلي:

1. إنتاج وتوزيع مواد التدريس والتعلم والوسائل التعلمية المبتكرة باللغة العربية على أن تكون متسقة ومتوافقة مع المنهج الجديد.

2.إعداد وتعميم برنامج تدربي لمعلمي رياض الأطفال يتوافق مع المنهج الجديد ويكون مصمما بناء على دراسة تشخصية لممارسات التدريس.

  وبذلك تسعى وزارة التربية والتعليم إلى زيادة معدلات الإتاحة لإلتحاق الأطفال بدور رياض الأطفال الرسمية سواء كانت حكومية أو خاصة، وهو الأمر الذي تواجهه تحديات كبيرة، وخاصة أن الإعتماد المالى الموجه من البنك الدولى لتعزيز الإتاحة لا يتضمن إنشاء فصول رياض أطفال جديدة لزيادة الطاقة الاستيعابية، ولكنه يركز على تأهيل الفصول القائمة بالفعل. 

وإلى أن يتم سد الفجوة الاستيعابية في مرحلة رياض الأطفال، تجد وزارة التربية والتعليم نفسها أمام عدة فجوات، تظهر آثارها بين التلاميذ في الصفوف المبكرة من التعليم الابتدائي، وتتمثل فيما يلي:

  • فجوة بين مستوى التلاميذ الذين لم يلتحقوا برياض الأطفال وأقرانهم الذين تمكنوا من الالتحاق بها.
  • فجوة بين مستوى التلاميذ الذين التحقوا برياض الأطفال الرسمية سواء كانت حكومية أو خاصة وتلقوا منهج “أكتشف” وبين أقرانهم الذين التحقوا بدور رياض أطفال أخرى لا تطبق مناهج وزارة التربية والتعليم.
  • مقترحات لتقليص فـجوة الإتاحة والجودة في رياض الأطفال والتعليم الأساسى 

” التعليم في الصغر كالنقش على الحجر”، مقولة تربوية تزداد أهميتها يوما بعد يوم، فالبدايات الجيدة لرحلة التعلم تيسر طريق التعلم وتقلل فرص التسرب من التعليم وتساعد على متابعة مراحل التعلم وفق لما هو مخطط له، لذا فإتاحة الفرصة لبداية جيدة للتعلم بمرحلة رياض الأطفال يجب أن يكون من أهم الأولويات التي تضعها الوزارة محل اهتمام بالغ.  

طبقا لما تقدم فإن وزارة التربية والتعليم في حاجة ماسة لرفع معدل الطاقة الاستيعابية لمرحلة رياض الأطفال لتتمكن من تقديم خدمات تربوية متكافئة لجميع الأطفال كى تيسر التعلم لهم في الصفوف الأول للتعليم الأساسي. غير أن الوزارة لن تكون قادرة على ذلك في ظل النقص في عدد المدارس اللازمة للتعليم الأساسى والثانوي في الوقت الراهن لذا فينبغي على الوزارة اتخاذ عدة خطوات واجراءات يمكن من خلالها تقليل فجوة الإتاحة والجودة لعل أهمها تعزيز الشراكات مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، وتحقيق مبدأ التكامل الحكومي والتنمية المستدامة ، فمن خلال تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدنى يمكن لوزارة التربية والتعليم الاعلان عن رغبتها في إنشاء عدد من المدارس في النطاقات الجغرافية المحرومة من الخدمات التربوية لتتولى أجهزة الدولة الأخرى بدورها تخصيص أراضٍ فضاء تابعة للدولة بأسعار اقتصادية مخفضة للمستثمرين وبنسبة شراكة محددة باستثمارات طويلة المدى وكذلك فتح الباب أمام التمويل غير النمطى في بناء المدارس عن طريق التبرعات واليانصيب العام الذى تعود عوائده على بناء المدارس، أيضا يمكن تشجيع جمعيات المجتمع المدنى والجمعيات الخيرية لتوجيه جهودها الخدمية نحو التعليم المجتمعى، عن طريق افتتاح المزيد من دور رياض الأطفال والحضانات تطبق مناهج الوزارة من خلال تيسير الاجراءات المنظمة لتدشين تلك المرافق التربوية في ظل اشراف فنى من وزارة التربية والتعليم ، أيضا يمكن تحقيق التكامل بين القطاعات الحكومية المختلفة من أجل تعزيز الطاقة الاستيعابية لرياض الأطفال مثل استغلال القاعات في مراكز الشباب على مستوى الجمهورية البالغ عددها 4374 مركز وفقا لإحصاء عام 2018م وكذلك المرافق غير المستغلة التابعة للجامعات وغيرها من المنشآت .

        يمكن لوزارة التربية والتعليم العمل على سد فجوة الجودة وعدم تكافؤ فرص البداية الجيدة للتعلم من خلال تصنيف التلاميذ الصف الأول الابتدائي في فئات وفقا للحصول على خدمات رياض الأطفال، ووضع كل فئة في فصول منفصلة، بحيث يتم منح التلاميذ الذين لم يلتحقوا برياض الأطفال فرصة لبداية جيدة من خلال تطبيق برامج تربوية تمهيدية للمنهج الذي تعتمده الوزارة في الصف الأول الابتدائي على يد معلمين تقوم الوزارة بتدريبهم خصيصا للتدريس لهؤلاء التلاميذ.

د. أحمد سيد داود on Email
د. أحمد سيد داود
باحث في قضايا التعليم