تنمية ومجتمع

المناخ في “جلاسكو”: حصاد أعلى من المتوقع وأقل من المأمول

في نوفمبر 2021 انطلقت فاعليات مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ السادس والعشرين (COP26) بمدينة جلاسكو عاصمة أسكتلندا، وذلك بعد توقف عام 2020 نتيجة تداعيات جائحة (كوفيد-19)، التي اعتبرها العالم هذا العام فرصة لمراجعة الدول وخاصة المتقدمة منها لأهدافها المناخية في اتفاقية باريس عام 2015، خاصة بعد صدور تقرير التقييم السادس لتغير المناخ الذي أطلقته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC)) في شهر أغسطس السابق للقمة، وما أنذر به من تهديدات خطيرة للتغيرات المناخية إذا ما استمر العالم على هذا النحو في إنتاج الانبعاثات الكربونية الضارة، كما أكد العلماء أن تجاوز ارتفاع درجة الحرارة 1.5 درجة مئوية من شأنه أن…

أمل إسماعيل
باحثة ببرنامج السياسات العامة

في نوفمبر 2021 انطلقت فاعليات مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ السادس والعشرين (COP26) بمدينة جلاسكو عاصمة أسكتلندا، وذلك بعد توقف عام 2020 نتيجة تداعيات جائحة (كوفيد-19)، التي اعتبرها العالم هذا العام فرصة لمراجعة الدول وخاصة المتقدمة منها لأهدافها المناخية في اتفاقية باريس عام 2015، خاصة بعد صدور تقرير التقييم السادس لتغير المناخ الذي أطلقته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC)) في شهر أغسطس السابق للقمة، وما أنذر به من تهديدات خطيرة للتغيرات المناخية إذا ما استمر العالم على هذا النحو في إنتاج الانبعاثات الكربونية الضارة، كما أكد العلماء أن تجاوز ارتفاع درجة الحرارة 1.5 درجة مئوية من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في مستوى سطح البحر وكوارث بيئية خطيرة من بينها الجفاف الشديد والعواصف العاتية ونوبات الحرارة العالية وحرائق الغابات، التي هي أسوأ بكثير من تلك التي يشهدها العالم بالفعل حاليًا. فتم تقديم القمة باعتبارها الفرصة الأخيرة للحفاظ على درجات الحرارة أقل من 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة.

المبادرات الناتجة عن قمة جلاسكو هذا العام تعتبر محاولات حقيقية للعمل المناخي؛ إلا أن النجاح يتوقف على ما إذا كانت هذه المبادرات يمكن أن تؤدي بسرعة إلى التزامات وطنية متزايدة خلال العام المقبل، وخاصة فيما يخص مساعدات الـ100 مليار دولار سنويًا لمساعدة الدول النامية على التكيف مع آثار التغيرات المناخية والتحول نحو الطاقات المتجددة، والذي كان من المفترض أن يتم تفعيله في عام 2020، وربما ستتحمل مصر -ممثلًا عن إفريقيا ومستضيفة لقمة 2022- عبء تفعيل هذا الالتزام، باعتبار إفريقيا أقل القارات تأثيرًا وأكثرها تأثرًا بتهديدات التغيرات المناخية، وهذا ما يستوجب العمل الجاد على متابعة التزامات الدول ومراجعتها سنويًا بحلول القمة القادمة في شرم الشيخ، وأملًا في اعتبارها بداية حقيقية لتنفيذ العمل الجماعي في مواجهة التغير المناخي.

قمة جلاسكو للمناخ (COP26)

جاءت قمة جلاسكو للمناخ 2021 بنتائج أعلى من المتوقع، وأقل من المأمول بحسب تصريحات الخبراء، فاختتمت قمة المناخ (COP26)، بموافقة ما يقرب من 200 دولة على ميثاق جلاسكو للمناخ، والذي يُقر بأن الالتزامات التي تعهدت بها الدول حتى الآن لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، التي تسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض، ليست قريبة بما يكفي لمنع تجاوز ارتفاع درجة الحرارة 1.5 درجة فوق مستوى ما قبل الثورة الصناعية، لذا تطلب الاتفاقية من الحكومات تعزيز تلك الأهداف بحلول نهاية العام المقبل بدلًا من كل 5 سنوات، كما كان مطلوبًا سابقًا.

كما تضمنت الاتفاقية -لأول مرة- مطلبًا عالميًا بشأن تقليل الدول اعتمادها على الفحم أو التخلص التدريجي منه، بالإضافة إلى التراجع عن دعم الوقود الأحفوري الذي يعتبره العلماء المسبب الرئيسي للتغيرات المناخية، والتحول نحو مصادر الطاقة المتجددة والاقتصاد منخفض الكربون، فتم إنشاء ما أطلق عليه “تحالف ما وراء النفط والغاز” بالتعاون بين 11 دولة والذي يُعتبر الأول من نوعه لتحديد موعد نهائي لوقف التنقيب عن النفط والغاز.

وحققت الاتفاقية بعض التقدم في مطالب الدول النامية والمعرضة للأخطار الكبرى بسبب التغير المناخي، وأقرت بأن الدول الغنية هي المسئولة عن تمويل سبل التكيف والمواجهة لتهديدات التغير المناخي، لذا وافقت الدول المتقدمة على مضاعفة التمويل المناخي بحلول عام 2025.

كما تم الاتفاق على وضع قواعد لأسواق الكربون، ويحتمل أن يؤدي ذلك إلى إنفاق تريليونات الدولارات لحماية الغابات وبناء مرافق للطاقة المتجددة ومشاريع أخرى لمكافحة تغير المناخ.

وتم عقد عدة اتفاقيات جانبية، من أهمها إطلاق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مبادرة عالمية لخفض غاز الميثان، وبمتقضاها وعدت نحو 100 دولة بخفض انبعاثات الميثان بنسبة 30% عن مستويات 2020 بحلول عام 2030.

كما اتفق نحو 120 زعيمًا عالميًا على اتفاقية لإنهاء إزالة الغابات وانحلال التربة بنهاية العقد الحالي، بدعم مالي قُدر بـ19 مليار دولار للاستثمار في حماية الغابات واستعادة غطائها النباتي، ومن بين هذه الدول: البرازيل، وروسيا، فضلًا عن الولايات المتحدة، والصين، وأستراليا، وفرنسا.

وأعلنت أيضًا الولايات المتحدة والصين، وهما أكبر دولتين في العالم من حيث انبعاثات الكربون، بيانًا مشتركًا للتعاون في تدابير تغير المناخ، وهو اتفاق يظهر نية بكين بتسريع جهودها لمكافحة الاحتباس الحراري، وهو ما يعتقد الكثير أنها خطوة إيجابية في تحقيق أهداف القمة.

وفي مجال النقل المستدام، تعهدت أكثر من 30 دولة وست شركات لصناعة السيارات بإنهاء مبيعات سيارات الاحتراق الداخلي بحلول عام 2040. كما أن الانتقال إلى الشاحنات الكهربائية وشاحنات الهيدروجين على وشك أن يسلك مسارًا مشابهًا، فوافقت خمس عشرة دولة على العمل من أجل تحويل جميع الشاحنات والحافلات الجديدة إلى صفر انبعاثات بحلول عام 2040. هذه اتفاقيات غير ملزمة، لكنها أصبحت أقرب للتحقق بسبب الانخفاض بنسبة حوالي 50 ٪ في تكاليف إنتاج البطاريات منذ اتفاقية باريس.

وحصلت ما تعرف بالمدن المستدامة أو المدن الذكية، وهي المدن التي لا تعتمد تطبيقات كفاءة ترشيد الطاقة فحسب، وإنما التي يساهم في إنشائها تكنولوجيات ومواد منخفضة الكربون، حيث إن المدن تنتج أكثر من 70٪ من الانبعاثات المرتبطة بالطاقة، وقد قامت 136 دولة بتضمين المباني كجزء من خطط العمل المناخية الخاصة بها، وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الإشارة صراحة إلى كفاءة الطاقة في مؤتمر الأطراف. وفي هذا الصدد، شكّلت المملكة المتحدة وألمانيا وكندا والهند والإمارات العربية المتحدة مبادرة لتطوير الخرسانة والصلب منخفض الكربون بغرض إزالة الكربون من البناء، وهدفهم المعلن هو الوصول إلى صفر صافي في الصلب والخرسانة المستخدمة في المشاريع العامة بحلول عام 2050، حيث تساهم مواد البناء هذه بحوالي 10٪ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

مصر في قمة جلاسكو (COP26)

ألقى الرئيس عبدالفتاح السيسي كلمة في اجتماع الزعماء في قمة تغير المناخ بجلاسكو، تتناول الموقف المصري وركائزه تجاه قضايا تغير المناخ، باعتبار مصر تمثل دول القارة الإفريقية، وتستعد لاستضافة المؤتمر القادم للتغيرات المناخية (COP27) في العام المقبل، بكل ما يعكسه ذلك من أهمية مصر على المستوى الدولي. وأوضح الرئيس السيسي أهمية ملف العمل المناخي لمصر وما اتخذته من خطوات جادة في هذا الصدد: “بادرت مصر باتخاذ خطوات جادة لتطبيق نموذج تنموي مستدامٍ، يأتي تغير المناخ والتكيف مع آثاره في القلب منه، ويهدف إلى الوصول بنسبة المشروعات الخضراء الممولة حكوميًا إلى 50% بحلول 2025 و100% بحلول 2030”. وما تهدف إليه مصر في خفض الانبعاثات الكربونية المسببة للتغير المناخي، رغم أن انبعاثاتها لا تتجاوز 0.6% من إجمالي الانبعاثات العالمية، وأصدرت وزيرة البيئة المصرية في وقت لاحق خلال اجتماع على هامش قمة المناخ، الاستراتيجية الوطنية للتغيرات المناخية 2050، لتوضح بها الركائز التي اعتمدت عليها مصر في وضع استراتيجيتها لتغير المناخ والجهود المبذولة تجاه الملف.

أمل إسماعيل
باحثة ببرنامج السياسات العامة