وحدة الدراسات الأسيوية

منهج براجماتي: الموقفان الروسي والصيني إزاء أزمة أفغانستان

بعد إبعادها عن الحكم قبل 20 عامًا، إثر التدخل الأمريكي في أفغانستان عام 2001، عادت حركة طالبان مجددًا ودخلت القصر الرئاسي بعد فرار الرئيس الأفغاني “أشرف غني”، وهي التي كانت سيطرت قبل ذلك على مدن ومناطق عِدة في كابول، لتصبح أفغانستان تحت عباءة طالبان مُجددًا. وجاءت سيطرة طالبان على العاصمة كابول والمدن الأخرى عقب انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان. وبعد عقدين من جهود الولايات المتحدة المكلِّفة والدموية لدعم الحكومة الأفغانية، استعادت طالبان السيطرة على البلاد، مما يشكل مخاطر وفرصًا جديدة محليًا وإقليميًا ودوليًا. ورغم التطمينات التي حاولت الحركة تسويقها عالميًا بأنها لم تعد لترتكب الأخطاء ذاتها التي وقعت فيها سابقًا،…

احمد السيد
باحث ببرنامج العلاقات الدولية

بعد إبعادها عن الحكم قبل 20 عامًا، إثر التدخل الأمريكي في أفغانستان عام 2001، عادت حركة طالبان مجددًا ودخلت القصر الرئاسي بعد فرار الرئيس الأفغاني “أشرف غني”، وهي التي كانت سيطرت قبل ذلك على مدن ومناطق عِدة في كابول، لتصبح أفغانستان تحت عباءة طالبان مُجددًا. وجاءت سيطرة طالبان على العاصمة كابول والمدن الأخرى عقب انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.

وبعد عقدين من جهود الولايات المتحدة المكلِّفة والدموية لدعم الحكومة الأفغانية، استعادت طالبان السيطرة على البلاد، مما يشكل مخاطر وفرصًا جديدة محليًا وإقليميًا ودوليًا. ورغم التطمينات التي حاولت الحركة تسويقها عالميًا بأنها لم تعد لترتكب الأخطاء ذاتها التي وقعت فيها سابقًا، إلا أن الخوف ما زال يعتري المجتمع الدولي من أن تكون البلاد قد دخلت نفقًا مظلمًا مرة أخرى.

وفي الوقت الذي تكثف فيه الدول الغربية جهودها لإغلاق السفارات، وإجلاء رعاياها من أفغانستان في أعقاب سقوط كابول في أيدي طالبان؛ قدمت الصين وروسيا مبادرات وتلميحات تشير إلى أنهما يمكن أن تكونا من بين أوائل الدول التي تعترف بطالبان كزعيمة للبلاد. في الوقت ذاته أبدى كلٌّ منهما استعداده للتأقلم مع الأوضاع الجديدة في أفغانستان، وجاء ذلك عقب زيارات قام بها مندوبو طالبان التقوا خلالها مسئولين بارزين في موسكو وبكين لتقديم تأكيدات بأن مكاسب الحركة في أفغانستان لن تهدد المصالح الروسية والصينية.

مخاوف مُشتركة.. قرارات براجماتية

أثارت عودة طالبان مخاوف كل من موسكو وبكين من أن تصبح أفغانستان مرة أخرى ملاذًا للمنظمات والجماعات الإرهابية، بما يهدد أراضي واستقرار كلا الدولتين. لكن يبدو أن هذه المخاوف في طريقها للتبدد مع إرهاصات أولية من قبل روسيا والصين تلمحان فيها إلى إمكانية إقامة علاقات طيبة وفعّالة مع حركة طالبان.

  • أولًا- الموقف الروسي:

صاغت روسيا الكثير من سياستها الخارجية حول مفهوم “الحرب ضد الإرهاب”، وربما هذا ما يبرر الدعم الروسي للنظام السوري والأنظمة الأخرى –التي يصفها الغرب- بالديكتاتورية، فروسيا ترى أن هذه الأنظمة وفرت حصنًا منيعًا ضد الفوضى والتطرف والإرهاب.

في هذا السياق، ردّت موسكو على عودة طالبان إلى السلطة بسياسة واقعية اتسمت بقدر كبير من الهدوء والعقلانية. حيث أوضح المبعوث الروسي إلى أفغانستان “زامير كابولوف” أن استيلاء طالبان على السلطة لم يكن انتقالًا للسلطة وفق اتفاقات معينة؛ بل نتيجة فشل واشنطن في هذه الدولة. ورأى أن بلاده ومنذ فترة طويلة ترى أن طالبان أكثر قدرة على التوصل إلى اتفاقات من الحكومة العملية في كابول، كما أبدت موسكو استعدادها للعمل مع حركة طالبان، على الرغم من إدراج روسيا لحركة طالبان على قائمة الحركات المحظورة.

وبدا أن هناك ترتيبات مُسبقة شهدتها كواليس وأروقة السياسة في موسكو مع قادة من حركة طالبان عشية الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وهو ما تجلى في إعلان السفارة الروسية في كابول عدم نيتها إخلاء السفارة وإجلاء موظفيها من العاصمة الأفغانية، موضحة أنه على الرغم من توتر الأحداث هناك، إلا أنه لا يوجد ما يُهدد أمن البعثة الدبلوماسية، كما لا توجد أعمال قتالية في المدينة، رغم الأجواء المتوترة. ويُمكن تفسير تغير الموقف الروسي تجاه حركة طالبان بالاعتبارات التالية:

  • الأول: تسعى روسيا لإحداث تقارب مع حركة طالبان وفتح صفحة جديدة مع جماعة كانت تُدرجها ضمن الجماعات والكيانات الإرهابية، رغبة منها في بدء صفحة جديدة تُمكّن موسكو من لعب دور الوسيط المرحب به في مجريات الأوضاع القادمة على الساحة الأفغانية، كما أن الاعتراف الروسي بطالبان يُعد بمثابة جائزة كبرى للحركة.
  • الثاني: تسعى روسيا لإحداث تقارب مع طالبان لمنع المسلحين من شن أي هجمات ضد حلفائها في آسيا الوسطى، مثل أوزبكستان وطاجيكستان.
  • الثالث: الانتقادات الروسية الدائمة للوجود الأمريكي في أفغانستان، وبالتالي تسعى موسكو لأن تكون أحد أهم الفاعلين في أفغانستان عقب الانسحاب الأمريكي، وذلك بإقامتها علاقات طيبة مع الحركة الأهم والأقوى في أفغانستان. فروسيا تعمل على مد أواصر التعاون مع حركة طالبان التي وصف وزير الخارجية “سيرجي لافروف” رجالها بـ”الأشخاص العقلاء”.

وفي الشهر الماضي، أجرت روسيا تدريبات عسكرية مع أوزبكستان وطاجيكستان، بالإضافة إلى تدريبات منفصلة مع الصين، كانت تهدف إلى “إظهار تصميم وقدرة روسيا والصين على محاربة الإرهاب”، ولم يكن التوقيت -في ظل ما تشهده الساحة الأفغانية من تطورات- من قبيل الصدفة.

  • ثانيًا- الموقف الصيني:

تسير بكين بخطى حذرة في سياستها تجاه نظام طالبان الجديد. وذلك لأن الصين ترى في قضية أفغانستان مستنقعًا وجدت فيه القوى العظمى نفسها محاصرة (من بريطانيا إلى الاتحاد السوفيتي) والآن الولايات المتحدة الأمريكية. كما وصفت وسائل الإعلام الحكومية في الصين أفغانستان بأنها “مقبرة الإمبراطوريات”، وبكين لا تريد أن تغرق في “اللعبة الكبرى” في وسط القارة الأوراسية.

في هذا السياق، أظهرت الصين قدرًا كبيرًا من البراجماتية في تعاطيها مع مستجدات الأوضاع على الساحة الأفغانية، مؤكدة احترامها لجميع الأطراف المحلية هناك. فبينما انتقد العالم الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والفوضى التي ستنجم عن ذلك؛ عززت بكين حدودها مع أفغانستان والتقت بقادة طالبان. وأكدت الصين أنها تحترم رغبات وخيارات الشعب الأفغاني، وأنها تأمل في نجاح طالبان في تحقيق انتقال سلس للسلطة، تحت مظلة حكومة إسلامية منفتحة وشاملة، تضمن سلامة المواطنين الأفغان، وتُسهم في تأمين البعثات الأجنبية، وتحد من جميع أنواع الأنشطة الإرهابية والإجرامية، بما يسمح للشعب الأفغاني بالابتعاد عن الحرب، وبناء مجتمع يسوده السلام والأمن والازدهار، ويحقق التنمية.

بالنسبة لبكين، يثير استيلاء طالبان السريع على العاصمة كابول والقصر الرئاسي الكثير من المخاوف من أن الاضطرابات وعدم الاستقرار يمكن أن تمتد إلى منطقة شينجيانغ الغربية الحساسة للصين، والتي تُعد موطنًا لقومية “الإيجور” المسلمة. كما تتخوف الصين من أنّ تدهور الأوضاع قد يضر باستثماراتها الاستراتيجية في إطار مبادرة “الحزام والطريق”. مخاوف بكين تمثلت أيضًا في حالة عدم اليقين التي أثارها طالبو اللجوء الأفغان المتجهون إلى حدود الصين، فضلًا عن علاقات طالبان الحالية مع الجماعات الإرهابية، خاصة وأن طالبان الآن تختلف عن طالبان عندما كانت في الحكومة منذ 20 عامًا، حيث ترى الصين أن طالبان تتمتع الآن بعلاقات عميقة الجذور ومعقدة مع الجماعات المتطرفة والإرهابية. وبالتالي سيكون من السابق لأوانه تقدير حجم القلق الصيني إزاء مستجدات الأحداث على الساحة الأفغانية.

وعلى الرغم من أن الصين لم تكن راضية عن الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان؛ إلا أنها انتقدت انسحاب القوات الأمريكية، واعتبرته بمثابة قرار “غير مسئول”. لكن بكين كانت تنظر إلى استمرار وجود الولايات المتحدة في أفغانستان على أنه أهون الشرين. وبعد اجتماع الشهر الماضي بين وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” والملا “عبدالغني بارادار” القائد العسكري البارز في حركة طالبان، والذي يعتبره البعض الرجل الثاني في التنظيم بعد صهره الملا محمد عمر، كما أنه يلعب دورًا جوهريًا في الأنشطة العسكرية والتمويلية لحركة طالبان؛ بدا أن بكين كانت مستعدة للانسحاب الأمريكي جيدًا، ربما بشكل أفضل من الولايات المتحدة نفسها.

أبرز ما أُثير في الاجتماع هو مستقبل حركة تركستان الشرقية الإسلامية التي ألقت بكين باللوم عليها في الاضطرابات في منطقة شينجيانغ. وفي هذا السياق، حصل وزير الخارجية “وانغ يي” على التزام من طالبان بأنها لن تسمح لأي قوة “باستخدام الأراضي الأفغانية للانخراط في أعمال ضارة بالصين”.

بكين وطالبان: منافع متبادلة

بالنسبة للصين فإنها ترى أن طالبان قوة سياسية في أفغانستان لا يمكن تجاهلها، سواء كانت في السلطة أم لا. لذا في ظل هذه الظروف، ترى بكين أن التعامل مع طالبان أفضل من عدم التعامل معهم. وفي هذا السياق، أبدت الصين استعدادها لتطوير علاقات حسن جوار وعلاقات ودية وتعاونية مع أفغانستان في ظل حكم طالبان. ويُمكن للصين أن تشارك في إعادة الإعمار بعد الحرب، وتوفير الاستثمار للمساعدة في التنمية الاقتصادية المستقبلية للبلاد، لكنها لن تقوم بذلك حتى تتأكد من استقرار الوضع الأمني. إذ وفي ظل سيطرة طالبان بالفعل على معظم أفغانستان فإن العديد من الأماكن ما تزال مضطربة، ولا يزال الوضع يتغير بسرعة كبيرة، لذا فإن المساعدات ستكون رهينة باستقرار الأوضاع.

وبالنسبة لطالبان، فإن الصين هي الجار الأكبر والأقوى لأفغانستان، وهم يريدون تأمين المساعدات والاستثمارات الصينية لأنهم يعلمون أنهم لن يتمكنوا من البقاء في السلطة دون تنمية اقتصادية.
الخلاصة، يبدو أن طالبان بعثت ببعض الإشارات الإيجابية لإعطاء الانطباع بأنها لا تتولى زمام الأمور بعنف محض. كما اتخذت نهجًا أكثر براجماتية في العلاقات مع الدول الأخرى. لكنّ هناك نوعين من الضمانات التي تحتاج الصين وروسيا إلى رؤيتها من طالبان لبناء الثقة المتبادلة؛ الأول هو أنه يجب عليهم إصدار إعلانات سياسية واضحة بأنهم سيقطعون العلاقات مع المتطرفين والإرهابيين. والثاني أن ترتقي أفعالهم إلى مستوى أقوالهم؛ فبدون ذلك ربما يكون من الصعب بناء ثقة روسية صينية في حركة طالبان، وقد يدفع ذلك كلًا من روسيا والصين للاستمرار في إجراء المزيد من التدريبات العسكرية تحسبًا لأية تطورات قد تقلق البلدين في الأيام القادمة.

احمد السيد
باحث ببرنامج العلاقات الدولية