وحدة الدراسات العربية والإقليمية

دبلوماسية الابتزاز: حدود المكاسب التركية من توظيف ورقة المهاجرين واللاجئين

وجدت تركيا في أزمة اللاجئين، وخاصة السوريين منهم، فرصة لتحويل أحد التداعيات السلبية لسياستها التي أثبتت فشلها في سوريا إلى ورقة مساومة مُجدية ضد الاتحاد الأوروبي لجني مكاسب سياسية واقتصادية، فراح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يُطلق تهديدات متكررة بفتح أبواب أوروبا أمام اللاجئين كلما برز ملف خلافي. وللمفارقة فإن هذه هي الورقة ذاتها التي عانت ويلاتها عندما حاولت بلغاريا الشيوعية عام 1953 معاقبتها من خلال الهجرة القسرية للأتراك، لكن بعد نصف قرن وجد حزب العدالة والتنمية أن استخدام ورقة السوريين ملائم لتحقيق أهدافه السياسية.  مسارات حركة اللاجئين أفرز ما سُمي بالربيع العربي واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية العابرة للحدود…

مارى ماهر
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

وجدت تركيا في أزمة اللاجئين، وخاصة السوريين منهم، فرصة لتحويل أحد التداعيات السلبية لسياستها التي أثبتت فشلها في سوريا إلى ورقة مساومة مُجدية ضد الاتحاد الأوروبي لجني مكاسب سياسية واقتصادية، فراح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يُطلق تهديدات متكررة بفتح أبواب أوروبا أمام اللاجئين كلما برز ملف خلافي. وللمفارقة فإن هذه هي الورقة ذاتها التي عانت ويلاتها عندما حاولت بلغاريا الشيوعية عام 1953 معاقبتها من خلال الهجرة القسرية للأتراك، لكن بعد نصف قرن وجد حزب العدالة والتنمية أن استخدام ورقة السوريين ملائم لتحقيق أهدافه السياسية. 

مسارات حركة اللاجئين

أفرز ما سُمي بالربيع العربي واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية العابرة للحدود تاريخيًا بإجبار ملايين الأشخاص على الفرار من مناطقهم الأصلية، وقطع آلاف الأميال البرية والبحرية بحثًا عن موطن بديل، وهكذا تحركت الكتل البشرية الضخمة من مناطق الصراعات الرئيسية بالشرق الأوسط قاصدة دول الأطراف وما وراءها، لتجد تركيا نفسها إحدى المحطات الأساسية لرحلة الهروب مما دفعها للعب دور مزدوج في منظومة اللجوء والهجرة غير الشرعية باعتبارها دولة معبر ومضيف في الوقت ذاته. وبحلول نهاية 2015، استقر داخل تركيا نحو 2.754.496 لاجئ منهم 2.503.846 سوري، فضلًا عن عبور ما يربو على مليون لاجئ آخرين إلى دول الاتحاد الأوروبي منهم 800 ألف قادمون من تركيا عبر البحر (يمثلون 80% من المهاجرين الذين وصلوا لأوروبا بحرًا خلال 2015)، حينما تبنه الأخير إلى الارتدادات السلبية لاستمرار التدفقات البشرية غير المنضبطة عبر الجارة الجنوبية مع صعود التيارات اليمنية المتطرفة المعادية للاجئين والمهاجريين غير الشرعيين وتزايد الانتقادات للمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل.

ومع عجز الاتحاد الأوروبي عن تطبيق سياسة متسقة لمعالجة طلبات اللجوء أو إعادة الأفراد غير المؤهلين إلى أوطانهم، وافقت أنقرة على لعب دور “حارس البوابة الأوروبية” مقابل الحصول على امتيازات نص عليها “الاتفاق الأوروبي – التركي بشأن اللاجئين” الموقع في 18 مارس 2016، تشمل تقديم 6 مليارات يورو لتركيا لرعاية اللاجئين، وإعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرات الدخول إلى دول الاتحاد في مدة أقصاها نهاية يونيو 2016، واستئناف مفاوضات الانضمام التركي للاتحاد الأوروبي، وتحديث الاتحاد الجمركي بين الجانبين، وقبول لاجئ سوري من تركيا مقابل كل سوري يعاد من الجزر اليونانية. وبعد إبرام الاتفاقية انخفض تدفق المهاجرين غير الشرعيين من تركيا إلى اليونان بنسبة 97%، بينما لم يتم سوى إعادة توطين 25 ألف سوري فقط داخل الاتحاد منذ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، وكان للانزلاق الاستبدادي للنظام التركي وتراجع الديمقراطية وسيادة القانون وتوتر العلاقات مع الاتحاد الأوروبي أن عرقل تنفيذ بنود الاتفاقية.

وهكذا، وجدت أنقرة فيما يُقدر بـ4,030,916 لاجئ يقيمون داخل أراضيها، منهم 3.697.391 سوريًا، ورقة مثالية وفعالة لممارسة دبلوماسية الابتزاز، فاتجهت لتوظيفها في معظم الملفات الخلافية مع الاتحاد الأوروبي، مستغلةً ظاهرة صعود القادة الشعبويين وانتشار الأيديولوجيات اليمينية المتطرفة في جميع أنحاء أوروبا لجني فوائد كبيرة مقابل إدارة تلك الأزمة. وهو ما يُفسر رعايتها المبكرة لظاهرة اللاجئين السوريين وربما المساهمة في خلقها خلال الإرهاصات الأولى للأزمة السورية وقبل أن تطأ أقدام أي لاجئ سوري البلاد، وتحديدًا منذ فبراير 2011 عندما أقامت ثلاثة مخيمات على الحدود السورية هي كليس وأورفه، ومخيمًا بمنطقة أطمة بإدلب، ارتفع عددها لاحقًا إلى 22 مخيمًا خلال سنوات الحرب الأولى، وإنشاء منازل للاجئين بمنطقة الإسكندرون. 

وانطلاقًا من مكاسبها المتوقعة تبنت تركيا سياسة “الحدود المفتوحة” على مدار السنوات الماضية بما أهّلها لتكون المستضيف الأكبر للاجئين وطالبي اللجوء بالعالم بنحو 4,030,916 لاجئًا، بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، ويُظهر الرسم البياني التالي تطور أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء في تركيا خلال الفترة بين 2014 و2021:

الشكل (1) تطور أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء في تركيا بين عامي 2014 و2021

وتكشف بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين امتلاك الأغلبية العظمى للجنسية السورية، بواقع 3.697.391 لاجئًا لعام 2021، إلى جانب أعداد أقل من الجنسيات العراقية والأفغانية والباكستانية والصومالية والإيرانية والفلسطينية وغيرها. ويُوضح الرسم البياني التالي توزيع اللاجئين داخل تركيا وفقًا لدولة المصدر خلال عام 2021: 

الشكل (2) توزيع اللاجئين داخل تركيا وفقًا لدولة المصدر خلال 2021

وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، يعيش 98.6% من اللاجئين السوريين داخل الأراضي التركية في 81 محافظة، يتم استضافة 1.4% في سبعة مراكز إقامة مؤقتة تديرها رئاسة إدارة الهجرة، وقد تم تقديم 8400 لاجئ للنظر في إعادة توطينهم في 14 دولة بحلول عام 2021 حتى الآن، وغادر أكثر من 5900 لاجئ لإعادة التوطين في 13 دولة، منهم 74% سوريون و15% أفغان. ويُظهر الشكل التالي التوزيع المناطقي لغالبية غالبية اللاجئين السوريين داخل تركيا بحسب بيانات المديرية العامة لإدارة الهجرة حتى ديسمبر 2021:

الشكل (3) التوزيع المناطقي للاجئين السوريين داخل تركيا 

وعلى مدار السنوات الفائتة ومع انهيار اتفاق اللاجئين لعام 2016، استمرت تدفقات اللاجئين إلى الحدود اليونانية والبلغارية استعدادًا للولوج داخل الأراضي الأوروبية؛ إذ يتم تهريب اللاجئين وفقًا لمسارين أحدهم بري يتضمن نقل مجموعات من إسطنبول إلى أدرنة الحدودية، حيث يصلون إلى أول قرية يونانية ومنها تقلهم سيارة إلى مدينة سالونيك اليونانية التي ينطلقون منها إلى مقدونيا فبلجراد ومن ثم إلى ألمانيا أو النمسا. أما المسار الثاني فبحري ويكون إما عبر نقل اللاجئين من منطقة “ششمة” التابعة لولاية إزمير إلى جزيرة كيوس اليونانية، أو من منطقة “آيالار” التابعة لمدينة بودروم إلى جزيرة كوس، أو من ولاية إزمير إلى مدينة جناق قلعة بالسيارة فجزيرة ميتاليني اليونانية ومنها إلى أثينا بالباخرة، وأخيرًا من مطار أثينا إلى إحدى الدول الأوروبية. 

ورغم أن إجراءات غلق الحدود لمواجهة تفشي جائحة كورونا قلصت تدفقات اللاجئين بشكل غير نظامي إلى حدها الأدنى، إلا أن تركيا اتجهت للبحث عن أوراق جديدة، ففي صفقة مع المليشيات المسيطرة على معسكرات المهاجرين غير الشرعيين غرب ليبيا، باتت أنقرة تُشرف على 4 معسكرات احتجاز تحوي ما يربو على 30 ألف مهاجر غير شرعي معظمهم من النساء والأطفال أُعيدوا جميعًا من البحر المتوسط قبل الوصول لأوروبا، وتندرج الصفقة ضمن سياسة تجميع أوراق الضغط لإشهارها في وجه الاتحاد الأوروبي كلما اقتضت الضرورة. كما لعبت تركيا أدوارًا لوجيستية في تفاقم أزمة المهاجرين غير الشرعيين على الحدود البولندية عندما اصطفت إلى جانب بيلاروسيا في صراعها الجيوسياسي مع الاتحاد الأوروبي الذي استُخدم فيه المهاجرون غير الشرعيين كسلاح عبر تسيير شركة الخطوط الجوية التركية رحلتين يوميًا لنقل المهاجرين السوريين والعراقيين واليمنيين من إسطنبول إلى مينسك. 

دبلوماسية الابتزاز التركية

يُمكن تقسيم دبلوماسية حزب العدالة والتنمية إلى حقبتين أو مرحلتين متمايزتين، تنتمي الأولى لمفاهيم حقبة أحمد داود أوغلو وتتسم بسياسة خارجية إيجابية ترتكن إلى أساليب القوة الناعمة ومفاهيم الديمقراطية والعلمانية بهدف رفع مستويات التكامل الإقليمي، بينما اتسمت الثانية بنمط تدخلي خشن يرتكز على مفاهيم “العسكرة” و”دبلوماسية الزوارق الحربية” و”دبلوماسية الابتزاز”، وتُعرَّف الأخيرة –وهي موضوع الورقة– بأنها الممارسة التي توظف خلالها دولة ما بعض أوراق المساومة والضغط لإجبار وإكراه دولة أخرى أو مجموعة من الدول على إبداء استجابة معينة تتفق ومصلحتها دون الحاجة إلى استخدام أساليب تدخلية مباشرة عبر إقناع الأطراف الأخرى بأن الخسائر التي سيتحملونها حال الاستجابة لمطالبها أقل بكثير مقارنة بعدم الاستجابة.

وتُدرج الدراسات() سياسة الابتزاز التركية ضمن النمط غير التقليدي للابتزاز القائم على توظيف قضايا ليست ذات طابع صلب أو ناعم، وإنما تحمل تأثيرات أمنية وعسكرية وسياسية ضاغطة على الدولة، كقضية اللاجئين موضوع الدراسة، تدفعها لربطها بقضايا أخرى للحصول على تنازلات ومنافع متبادلة، وغالبًا ما يلجأ الطرفان لأسلوب “التأطير السلبي”، بحيث يظهر كلاهما الآخر باعتباره مصدرًا للتهديد يتخذ بمواجهته سياسات للدفاع عن نفسه. وتتنوع المكاسب السياسية والاقتصادية الساعية أنقرة لحصدها من توظيف ورقة اللاجئين بين:

خدمة الأجندة التركية في سوريا: أدرك أردوغان ضرورة الإمساك بورقة اللاجئين كإحدى الأدوات الرئيسية لإدارة وتوجيه مسار الأزمة السورية بما يخدم الأجندة التركية. فمن جهة، أراد توظيفها لجر أوروبا لمستنقع الحرب وانتزاع تأييد أوروبي لعملياته العسكرية شمال سوريا وتحديدًا إدلب، ومساعدته لتجاوز خطوط موسكو الحمراء، ووقف العمليات العسكرية الروسية في سوريا التي تزعم أنها سبب رئيسي لأزمة اللاجئين عبر فرض منطقة حظر طيران فوق سوريا. ففي أعقاب الغارة الجوية الروسية على إدلب أواخر فبراير 2020 التي خلفت 33 جنديًا تركيًا قتيلًا وأكثر من 30 مصابًا، أعلن أردوغان السماح للاجئين السوريين بشق طريقهم إلى أوروبا عبر اليونان، كما دفع أردوغان ببطاقة اللاجئين مجددًا عندما رفض الاتحاد الأوروبي تمويل المنطقة الآمنة التي كانت تركيا تخطط لإنشائها في شمال سوريا، وعندما انتقد الاتحاد التوغل التركي في سوريا. 

ومن جهة أخرى، يعمل اللاجئون كأداة ناعمة لتمرير المخطط التركي في سوريا دون الحاجة للجوء إلى الأدوات العسكرية، ويشمل ذلك استهداف المكون الكردي، وتغيير التركيبة الديمغرافية للمناطق الشمالية السورية عبر إعادة تصدير وتوطين غالبية اللاجئين السوريين في عشرات المدن والقرى يتم بناؤها خصيصًا لهذا الغرض (أنشأت تركيا منطقة سكنية جديدة في محيط إدلب شمال غربي سوريا لاستضافة النازحين السوريين، وشيدت الحكومة 30 ألف منزل في قرية مشيد روهين القريبة من الحدود التركية)، بما يفضي لإقامة منطقة حدودية عازلة تتطلع إليها أنقرة وتشكل ارتباطًا جغرافيًا واقتصاديًا للجنوب التركي ضمن مخطط تتريك الشمال السوري لترسيخ نفوذ سياسي دائم بالمنطقة وتحقيق مصالح اقتصادية، قد يتيح لها –وفقًا لما ذهبت إليه بعض التحليلات– الدفع لاحقًا باتجاه المطالبة بإجراء استفتاء للانضمام إلى تركيا، على غرار قبرص الشمالية.

جعل تركيا رقمًا مهمًا للأمن الأوروبي: قدمت تركيا نفسها كحارس لبوابة أوروبا إلى حد اعتبار أردوغان أن بقاء منطقة “شنجن” يعتمد على رغبته التعاونية مع الاتحاد الأوروبي، بما يقوي القوة التفاوضية للحكومة التركية ويزودها بأوراق ضغط فعالة لجني مكاسب سياسية أكبر شملت تقديم مزايا للمواطنين الأتراك، مثل إلغاء متطلبات التأشيرة، والوعد بإعادة تنشيط محادثات الانضمام للاتحاد الأوروبي، فضلًا عن ضمان صمت أو على الأقل تجاهل أوروبي للتحولات الاستبدادية للنظام التركي وانتهاكات حقوق الإنسان. وربما قوضت تلك الورقة اتخاذ سياسات عقابية أوروبية فعالة ضد أنقرة رغم انتقاد ممارساتها القمعية ومنهج الانخراط العسكري في الصراعات الإقليمية والنشاطات الاستكشافية غير المشروعة في شرق البحر المتوسط. ويُنظر لذلك الاتفاق الضمني على أنه واحد من أسوأ الصفقات التي أبرمها الاتحاد الأوروبي، ومثال لتضحية الأوروبيين بالمبادئ الإنسانية والقانونية لمعالجة كراهية الأجانب، بما يشكل تناقضًا بشأن ضمان احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان.

تعزيز مشروع التوسع العثماني: ينظر أردوغان لقضية اللاجئين السوريين باعتبارها مسئولية تاريخية تتسق والطبيعية الأمبراطورية السابقة للدولة، وبالتالي تأتي في قلب محاولات إعادة إحيائها، وهو ما عبر عنه تصريح لأردوغان عام 2016 اعتبر فيه أن “سوريا والعراق اليوم لا تختلف عن ماردين أو ديار بكر أو غازي عنتاب أو هاتاي بالنسبة لنا في القرن الماضي. إن رؤية أولئك الذين يعيشون في سوريا والعراق مختلفين عن مواطنينا سيخزينا في عيون آبائنا وشهدائنا”، مؤكدًا أن تركيا “لا يُمكن أن تُسجن في مساحة 780 ألف كم مربع، فقد يكون إخواننا في الموصل وكركوك وسكوبي خارج حدودنا الطبيعية، لكنهم داخل حدود قلوبنا”.

تحسين صورة تركيا خارجيًا: أتاحت قضية اللاجئين لتركيا تقديم نفسها كشريك إنساني للمجتمع الدولي يمكنه المساهمة في إدارة تلك القضية ذات الأبعاد الإنسانية والأخلاقية، كما أن إبرام اتفاقية الهجرة لعام 2016 ينطوي على اعتراف أوروبي ضمني بتركيا كدولة آمنة للاجئين، ويعني هذا ألا تكون منتجًا للاجئين، ويكون بإمكان اللاجئين إليها التقدم بطلب للحصول على اللجوء، وتحترم مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتجنب ضروب الاضطهاد والتعذيب والمعاملة المهينة. ومع ذلك، لا تلبي أنقرة تلك المتطلبات، ففي عام 2014 جاء 11202 من طالبي اللجوء من تركيا، وتصاعدت اللهجة المعادية للاجئين رسميًا وشعبيًا، وانتهكت الحكومة التركية مبدأ عدم الإعادة القسرية من خلال الترحيل التعسفي للاجئين السوريين إلى مناطق الحرب، وكذلك يتعامل حزب العدالة والتنمية بحذر مع مصطلح اللاجئين ويفضل وصفهم بالضيوف بما يؤكد الطبيعة المؤقتة لاستضافة اللاجئين السوريين داخل الأراضي التركية.

تحقيق مكاسب اقتصادية: يُمثل الاقتصاد أحد المحركات الأساسية للسياسة الخارجية التركية، لا سيمَّا في ظل الانتكاسات المتتالية التي شهدها خلال العامين الأخيرين. فقد سهلت اتفاقية الهجرة لعام 2016 تقديم مساعدات مالية كبيرة لتركيا تُقدر بـ5.6 مليارات يورو من أصل 6 مليارات نصت عليهم، وتدرس المفوضية الأوروبية تخصيص حزمة مساعدات جديدة تُقدر بـ 3 مليارات يورو إضافية لصالح اللاجئين ضمن مساعي تمديد الاتفاقية. علاوة على مساهمة اللاجئين المقتدرين ماديًا في نمو الاقتصاد التركي بنسبة 5% بين عامي 2012 و2019.

ومع ذلك، ساهمت المتغيرات الداخلية والخارجية المتعلقة بتصاعد المشاعر المعادية للاجئين والضغوط الاقتصادية الناجمة عن تداعيات جائحة كورونا والسياسة النقدية الخاطئة اللذين كلفا حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان خسائر شعبية فادحة، علاوة على الخشية من موجة جديدة للاجئين قادمة هذه المرة من أفغانستان؛ في تغير النظرة الرسمية لقضية اللاجئين والاتجاه لإغلاق الحدود أمام أي موجات تدفقية جديدة، مع التخطيط لإعادة توطين اللاجئين المقيمين داخل الأراضي التركية في دولهم الأصلية.

بناء تدابير أوروبية مضادة

بينما لم يتمكن الاتحاد الأوروبي من تطوير استجابة جماعية موحدة لقضية اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين بشكل أضعف قدراته على احتواء الأزمة، فإنه اتخذ تدابير لمساعدة الدول الواقعة على خط المواجهة في أزمة اللاجئين ولا سيمَّا دول التماس مع تركيا، علاوة على التدابير الفردية التي تبنها بعض الدول، ويُمكن استعراضها تاليًا: 

فرض تدابير تقييدية لاستقبال اللاجئين والمهاجرين: دفع الافتقار إلى العمل المشترك الفعال على مستوى الاتحاد الأوروبي البلدان الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي على التصرف بمفردها، يتجلى هذا بشكل خاص في بناء اليونان جدارًا بطول 40 كم على طول حدودها مع تركيا مزود بنظام مراقبة عالي التقنية يشمل كاميرات بعيدة المدى وأجهزة استشعار متعددة ومركز تحكم لمعالجة البيانات القادمة من أبراج المراقبة. وقد نجح الجدار وشبكة الكشف في منع أكثر من 143 ألف محاولة عبور غير شرعي على الحدود البرية اليونانية-التركية حتى أكتوبر 2021 بزيادة قدرها 45% عن العام السابق. وقبلها أمر الرئيس المجري فيكتور أوروبان في 2015 ببناء سياج حديدي على الحدود الصربية وإنشاء “مناطق عبور”. علاوة على إغلاق طريق البلقان الغربي الذي يسلكه المهاجرون من اليونان إلى مقدونيا فصربيا وهنغاريا ومنها إلى دول غرب أوروبا. ومع ذلك ارتفع عدد المعابر الحدودية غير النظامية إلى الاتحاد الأوروبي عبر ما يسمى بـ”طريق البلقان” بنسبة 90% خلال العام الجاري 2021 مقارنة بالعام الماضي، وفقًا لوكالة الحدود الأوروبية فرونتكس، إذ تم اكتشاف 22600 مهاجر أثناء محاولتهم عبور أحد الحدود إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبي مثل رومانيا أو المجر أو كرواتيا، معظمهم من سوريا وأفغانستان والمغرب.

تصعيد الضغوط على تركيا: تبنى الاتحاد الأوروبي نهجًا إيجابيًا بشأن دبلوماسية الابتزاز التركي تضمن اتخاذ تدابير تهدف لتقويض الأنشطة غير المشروعة والمزعزعة للاستقرار على مسرحي الشرق الأوسط وشرق المتوسط، بما في ذلك تقديم الدعم المادي واللوجيستي لدول التماس التركي، وبالأخص اليونان وبلغاريا، ومعارضة نهج أنقرة إزاء الأزمتين السورية والليبية واتخاذ خطوات من شأنها قطع طرق الإمداد اللوجيستي للمرتزقة في ليبيا، بالتوازي مع فرض حَذِر للعقوبات على غرار عقوبات يوليو 2019 ردًا على عمليات التنقيب عن المواد الهيدروكربونية في المناطق الاقتصادية الخالصة لقبرص وفي بحر إيجه، بالتزامن مع إطالة أمد تنفيذ بعض البنود المتفق عليها بموجب اتفاقية اللاجئين.

إعادة النظر في اتفاقية اللاجئين: تتطلع تركيا إلى تحديث الاتفاقية الموقعة عام 2016 بغرض توسيعها لتشمل إلى جانب اللاجئين السوريين اللاجئين الأفغان أيضًا الذين لم تعد أنقرة على استعداد لاستقبال المزيد منهم، بالإضافة إلى وضع جدول زمني واضح وملزم لتحرير تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى الاتحاد الأوروبي، واستئناف المفاوضات بشأن الاتحاد الجمركي بين الجانبين، وتخصيص المزيد من الحزم المالية لرعاية اللاجئين. وفي هذا السياق، تُشير بعض التقديرات السياسية إلى ضرورة أن يُفعَّل أي اتفاق جديد أو مُحدث ترتيبات التجارة التفضيلية التي ينص عليها الميثاق العالمي للاجئين، بمعنى منح تركيا امتيازات من شأنها أن تمكن تركيا من توسيع صادراتها الزراعية إلى الاتحاد الأوروبي التي تحظى بمشاركة كبيرة من اللاجئين بما يساهم في توظيفهم ودمجهم داخل الاقتصاد التركي، الأمر الذي يحمل منفعة مزدوجة تتعلق بتعزيز النمو الاقتصادي التركي وتقليل احتمالية انتقال اللاجئين إلى الاتحاد الأوروبي.

اتخاذ إجراءات عقابية بحق شركات النقل التركية: اقترحت المفوضية الأوروبية إطارًا قانونيًا يسمح للاتحاد الأوروبي بتبني تدابير ضد شركات النقل الجوية والبرية والبحرية التي تشارك في أو تسهل تهريب الأشخاص أو الاتجار بهم إلى الاتحاد الأوروبي، وتشمل تلك التدابير الحد من العمليات في سوق الاتحاد، وتعليق حقوق التزود بالوقود أو إجراء الصيانة داخل الاتحاد، وحظر العبور أو الطيران فوق الاتحاد، وتعليق الحق في الدخول إلى موانئ الاتحاد، وتعليق الحق في العبور عبر أراضي الاتحاد، وغيرها. وهي تدابير يُمكن أن تطال شركة الخطوط الجوية التركية كونها ساهمت في نقل اللاجئين من إسطنبول إلى مينسك.

ختامًا، على الرغم من الميزات المالية والسياسية التي نجحت أنقرة في انتزاعها جراء تسييس أزمة اللاجئين الإنسانية، إلا أن المتغيرات المحلية والإقليمية أضعفت فاعلية تلك الورقة في خدمة مشروعها الجيوسياسي في المنطقة، ما دفعها للبحث عن بدائل أخرى للحد من ارتداداتها السلبية على شعبية النظام التركي ومستويات علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.

مارى ماهر
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية