وحدة التسلح

نقلة نوعية: معارك الفضاء في ظل الحرب الروسية الأوكرانية

يجري حلف شمال الأطلنطي حاليًا واحدة من أكبر مناوراته العسكرية BALTOPS 22 خلال الحرب الروسية على أوكرانيا في مياه البلطيق، حيث تشارك فيها 14 دولة، بينها السويد وفنلندا اللتان تعتزمان الانضمام إلى الحلف، وكرد فعل مباشر أجرت روسيا هي الأخرى مناورة عسكرية على المسرح ذاته على بعد حوالي 64 كلم، وتتضمن مناورة الحلف العمليات الدورية التي أُجريت في التمارين السابقة، الحفاظ على حرية الحركة والملاحة في منطقة بحر البلطيق، كما تشمل “العمليات: البرمائية، والمدفعية، ومكافحة الغواصات، والدفاع الجوي، وعمليات إزالة الألغام، والتخلص من الذخائر المتفجرة، والمركبات غير المأهولة تحت الماء، والاستجابة الطبية”. لكن الأهم على جدول أعمال التمرين هو العمل…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

يجري حلف شمال الأطلنطي حاليًا واحدة من أكبر مناوراته العسكرية BALTOPS 22 خلال الحرب الروسية على أوكرانيا في مياه البلطيق، حيث تشارك فيها 14 دولة، بينها السويد وفنلندا اللتان تعتزمان الانضمام إلى الحلف، وكرد فعل مباشر أجرت روسيا هي الأخرى مناورة عسكرية على المسرح ذاته على بعد حوالي 64 كلم، وتتضمن مناورة الحلف العمليات الدورية التي أُجريت في التمارين السابقة، الحفاظ على حرية الحركة والملاحة في منطقة بحر البلطيق، كما تشمل “العمليات: البرمائية، والمدفعية، ومكافحة الغواصات، والدفاع الجوي، وعمليات إزالة الألغام، والتخلص من الذخائر المتفجرة، والمركبات غير المأهولة تحت الماء، والاستجابة الطبية”. لكن الأهم على جدول أعمال التمرين هو العمل على دمج مجال الفضاء من خلال مركز الفضاء التابع لحلف الناتو. صحيح أنه لا يشكل سابقة، حيث جرى تطبيق عملية الدمج في مناورات سابقة، لكنها هذه المرة تكتسي أهمية خاصة من منظور معارك الفضاء التي كان لها تطبيقات هامة في الحرب الروسية–الأوكرانية. 

ويُمكن القول -في هذا السياق- إن ما كان يعتبر توقعًا فيما يتعلق بحروب المستقبل ودور الفضاء في إدارة الحروب على الأرض أصبح واقعًا الآن في هذه الحرب، فعندما اجتاحت روسيا أوكرانيا، وبدأت بالعمليات الجوية لتدمير الدفاعات الجوية الأوكرانية، شنت روسيا أيضًا هجمات واسعة على بنية الاتصالات الأوكرانية بما فيها الإنترنت الأرضي للتحرك على الأرض بحرية، والتأثير على اتصالات القوات الأوكرانية، لكن في تلك المرحلة، وكاستجابة لطلب أوكراني، أعلنت شركة “سبايس إكس” التي تمتلك مشروع “ستارلينك” والتي يمتلكها إيلون ماسك تقديم البديل الاستراتيجي، كانت هذه الخدمة اختبارًا هامًا لمشروع الإنترنت الفضائي، والتي قدمت صورًا دقيقة حول مواقع الانتشار الروسية، والتحركات، بالإضافة إلى خدمة الاتصالات، وكانت العملية الأبرز في إطار هذه الخدمة هي قدرة القوات الأوكرانية على استهداف الطراد الروسي “موسكفا” الذي تم رصده ثم استهدافه بدقة. وبالتالي خدمات GBS. بالإضافة إلى توجيه الطائرات دون طيار “الدرونز” لاستهداف التحركات والآليات الروسية. 

كانت هناك مبازرة على مواقع التواصل الاجتماعي بين ماسك والرئيس الروسي بوتين، لكن المبارزة الأكبر جاءت من الصين، التي تقدمت بشكوى للجنة الفضاء في الأمم المتحدة ضد الولايات المتحدة، بدعوى “عسكرة الفضاء”، وأن مشروع مثل “ستارلينك” يخطط لامتلاك نحو 12000 قمر صناعي، بعد أن أطلق قرابة 2000 قمر منها، وتعمل في مستوى منخفض أقل في المدار الأرضي، مما يمنحها ميزة دقيقة رغم الكلفة الهائلة، تعمل مع الجيش الأمريكي، وبالتالي لا تقدم خدمات مدنية. مع الوضع في الاعتبار أن الصين لديها دوافع أخرى، منها مراقبة الولايات المتحدة للحركة الصينية في بحر الصين، كما يشكل تعزيز قويًا لدعم تشغيل المقاتلة الأمريكية (F-35A)، حيث أصبحت عمليات الاتصال أسرع 30 مرة من أنظمة الأقمار الصناعية العسكرية الحالية. بالإضافة إلى أن تلك الخدمات، سواء من شركة “سبايس إكس” أو غيرها من الشركات الأمريكية الخاصة والمدنية العاملة في المجال ذاته، أصبحت لديها القدرة على الوصول إلى أصول عسكرية أخرى، من بينها الكشف عن الصوامع الصاروخية التي أنشاتها الصين ولا تزال تواصل العمل عليها حتى الآن، مما يعني انكشاف تلك البنية أمام منافستها الولايات المتحدة. 

وفي واقع الأمر، تسلط هذه الشكوى الضوء على عدة مؤشرات هامة، منها على سبيل المثال، مدى التقدم في العلاقات المدنية العسكرية، أو دور القطاع الخاص في التعاون مع الجيش الأمريكي، وهي نقطة جديدة تضاف إلى حقل العلاقات المدنية العسكرية، ولا سيما في مجال التنمية الدفاعية. النقطة الأخرى أن الإسهام التكنولوجي الذي تقدمة شركات القطاع في الولايات المتحدة وأوروبا والذي كان مثار جدل في مرحلة من المراحل أصبح يفرض نفسه كأمر واقع، بل إن أحد أبرز دوافع هذا الجدل يعود إلى الصين ذاتها التي اتهمت بأنها “راكب مجاني” في الاستفادة من التقدم التكنولجي الأمريكي، وبالتالي تحول الجدل إلى كيفية الحد من الاستفادة الصينية، بالإضافة إلى الافتقار للقوانين المنظمة للعمل في الفضاء. 

برز الموقف ذاته مع روسيا خلال حربها على أوكرانيا، عندما تضمنت العقوبات الأمريكية حجب التكنولوجيا الأمريكية عن روسيا، ولا سيما الرقائق الإلكترونية التي تستخدم في عملية توجيه العديد من الأسلحة الاستراتيجية كالصواريخ، وفي المقابل طلب الرئيس الروسي من حكومته العمل على سد هذه الفجوة خلال الفترة المقبلة لتحقيق الاكتفاء، كما ستؤثر العقوبات ذاتها على عمل محطة الفضاء الدولية التي تشارك فيها روسيا إلى جانب الولايات المتحدة وكندا ودول من الاتحاد الأوروبي. وكرد فعل أيضًا من الجانب الروسي، أعلنت موسكو وقف تصدير المحركات الصاروخية إلى الولايات المتحدة، كما نوهت بأن الأمر سيؤثر على عمل المحطة التي تحتاج إلى 11 عملية تصحيح مدار، ما قد يصل به في الأخير إلى السقوط في منطقة بحرية أو سكنية مأهولة بوزنها الثقيل، مما يعني أن هناك كارثة محتملة.

قبل اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا بعدة أشهر، وتحديدًا منتصف نوفمبر 2021 كانت موسكو قد اختبرت تجربة يمكن القول إنها تحاكي عملية إطلاق هجوم فضائي، عندما اختبرت صاروخًا استهدف أحد أقمارها الفضائية القديمة “تسيلينا”، وهو ما اعتبرته القوى الغربية بمثابة كارثة فضائية، تشكل خطرًا على المحطة الدولية، فيما اتهم مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون الأمن الدولي ومنع انتشار الأسلحة، كريستوفر فورد، روسيا بالسعي إلى “تقييد قدرات الولايات المتحدة، بينما من الواضح أنه ليس لديها نية لوقف برنامجها للردع الفضائي”. وفي المقابل، اعتبر وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو التجربة بأنها “جوهرة”.

على هذا النحو أصبحت معارك الفضاء خطرة إلى حد كبير، فكما يمكن أن تشكل عاملًا للردع، وقيمة مضافة للقوى الغربية، تسلط الضوء على دورها في تلك الحرب، يمكن أيضًا أن تتحول إلى كوارث لا يزال هناك صعوبة في تفادي آثارها على الأرض، بالإضافة إلى عامل “عسكرة الفضاء” التي تتبادل القوى العظمى الاتهامات بشأنه، والذي سيتحول بدوره إلى سباقات تسلح، فالأمر لا ينطوي على الأقمار الصناعية بل على جيوش الفضاء ذاتها، ففي ديسمبر 2019 أعلن عن تأسيس قوة الفضاء الأمريكية، ولاحقًا جرى الإعلان عن الهيكل والرتب العسكرية في تلك القوة. وفي لحظة تدشينها قال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إن الفضاء أصبح أحدث ساحة للحرب في العالم. وفي المقابل، اعتبرها روسيا خطوة تشكل تحديًا للجانب الأمريكي، وعلى الأرجح جاءت خطوة موسكو لتدمير “تسيلينا” كرسالة اعتراضية من جانبها، والأخطر من ذلك هو تحذير وزيارة الدفاع البريطانية من احتمالات استخدام الفضاء في شن هجوم نووي. 

قد يكون أحد الدروس المستفادة من هذا التطور الراهن هو الإشارة إلى الواقع العربي، حيث دخلت العديد من الدول العربية في مجال اقتناء الأقمار الصناعية، كالسعودية والإمارات ومصر والبحرين.. وغيرها، ولا يزال هذا المجال محدودًا لكنه يمثل الخطوة الأولى في مشوار الألف ميل، مقارنة بدول أخرى مثل روندا التي تسعى وحدها إلى إطلاق 320 قمرًا صناعيًا في الفضاء، وحتى وقت قريب، كانت العديد من الدول العربية تشتري خدمة الصور الجوية لاستطلاع التحركات التي تشكل تهديدًا لها، منها على سبيل المثال مراقبة الحدود لرصد التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، كما كانت هناك تطبيقات أمريكية لهذا الأمر في الحرب السورية. وأيضًا في حرب اليمن كانت تلك الخدمة الفضائية مكلفة للغاية، وبغض النظر عن صراعات الكبار في الفضاء، فإن الخدمات الهائلة التي توفرها تطبيقات الأقمار الصناعية في المجالات المختلفة، تتطلب الاهتمام بهذا المجال أكثر مما عليه الواقع الحالي.

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح