شهرًا بعد شهر، تسجل درجات الحرارة العالمية أرقامًا قياسية جديدة. ومن ناحية أخرى، يحذر العلماء وصناع السياسات المناخية من الاحتمال المتزايد بأن يتجاوز كوكب الأرض قريبًا هدف 1.5 درجة مئوية الذي حددته اتفاقية باريس المناخ عام 2015.
أصبح الجميع يشعر بآثار التغيرات المناخية التي باتت تحدث بوتيرة أسرع وبظواهر أشد وأقوى من السابق ودون سابق إنذار. بل وأصبحت تؤثر في دول العالم أجمع المتقدمة والنامية على حد سواء. حتى فرضت نفسها على الأجندة الدولية كإحدى أبرز القضايا التي تكبد الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات سنويًا، وتحتاج لحلول سريعة ومستدامة، فهي القضية البيئية ذات الطابع الاقتصادي الذي ربما يهدد وجود دول ومجتمعات على كوكب الأرض خلال العقود المقبلة، وبحسب تقرير “انهيار المناخ 2024” الذي أصدرته مؤسسة “كريستن ايد” (Christian Aid)، خلال ستة أشهر فقط منذ مؤتمر المناخ (COP28) تكبد العالم أكثر من 41 مليار دولار نتيجة الأحداث المناخية المتطرفة. ومع استمرار تسجيل ارتفاع في درجات الحرارة بمستويات غير مسبوقة فمن المتوقع أن تستمر الخسائر وتزداد الأحداث المتطرفة.
وعلى المستوى المحلي سجلت محافظة أسوان خلال شهر يونيو 2024، أعلى درجة حرارة على الإطلاق عالميًا، في موجات للحرارة وصلت فيها درجة الحرارة 50 درجة مئوية، ولفترات تعدت الخمسة أيام. وأصبحت هذه الموجات متعددة وتزداد حدتها ومدتها من عام إلى آخر.
الأحداث المناخية المتطرفة
يشير تغير المناخ إلى التحولات طويلة الأمد في أنماط درجات الحرارة والظروف الجوية. وينجم ذلك في المقام الأول عن الأنشطة البشرية المسببة لإطلاق كميات كبيرة من الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تؤدي إلى ظاهرة الاحتباس الحراري. والتي تؤثر في التنوع البيولوجي والحياة بأكملها على كوكب الأرض.
الظواهر التي تنتج عن التغيرات المناخية متعددة ولكن ما أصبحنا نشعر به الآن على نطاق واسع ما يطلق عليه ” الأحداث المناخية المتطرفة ” أو (Extreme Weather Events). والتي تتضمن (نوبات الحرارة العالية – نوبات هطول الأمطار الغزيرة – نوبات الجفاف الطويلة – الفيضانات – العواصف الشديدة – حرائق الغابات – .. وغيرها )
تشير تقارير الأرصاد العالمية أن هذه الأحداث المتطرفة للمناخ والتي على رأسها موجات الحرارة الشديدة بدأت في الزيادة منذ عام 2000، كما أصبحت تحدث على فترات أقل تتراوح بين سنتين إلى خمس سنوات بعد أن كانت تتعدى العشر سنوات للحدوث؛ بمعنى أن موجة الحر التي كان من الممكن أن تحدث مرة واحدة كل 10 سنوات في مناخ ما قبل الثورة الصناعية، سوف تحدث الآن 2.8 مرة على مدى 10 سنوات، وستكون أكثر دفئًا بمقدار 1.2 درجة مئوية، ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وعدم الحد من تغير المناخ، فإن موجات الحر ستحدث في المتوسط 5.6 مرات خلال 10 سنوات وستكون أكثر سخونة بمقدار 2.6 درجة مئوية.
ويعد صيف عام 2023، الأكثر سخونة على الإطلاق على مستوى العالم، وظهرت فيه موجات شديدة الحرارة على عدد كبير من دول العالم (دول أوروبا والمملكة المتحدة والصين، وغيرها) وصلت خلالها درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة واستمرت لفترات طويلة في أثناء فصل الصيف، وقد تسببت موجات الحرارة والجفاف إلى زيادة انتشار حرائق الغابات في مناطق عديدة من العالم تسببت في خسائر اقتصادية وبشرية كبيرة.
يمكن لتغير المناخ أن يؤدي إلى زيادة درجات الحرارة وزيادة معدل التبخر وبالتالي زيادة نوبات الجفاف؛ مما يؤثر في النظم الإيكولوجية والتربة ويقلل من الإنتاجية الزراعية للأراضي ويهدد الأمن الزراعي والأمن المائي العالمي، بالإضافة إلى التأثير المباشر في النظم الصحية والاقتصاد.
موجات الحرارة
علي مدار عام 2023 شهدت مناطق كثيرة من العالم ارتفاع درجات الحرارة والتعرض لموجات من الحرارة العالية خاصة خلال أشهر الصيف، حتى أعلنت رسميًا أنه العام الأعلى على الإطلاق بمتوسط تقريبًا 1.84 درجة، وجاء شهر يوليو الأعلى في درجات الحرارة في كلٍّ من (أوروبا- الصين- ومناطق من آسيا – والمملكة المتحدة) حتى تعدت درجات الحرارة 41 درجة مئوية في عدد كبير من الأيام، وتزايدت هذه الموجات في النصف الثاني من العام، حتى شهد أكثر من 200 يوم رقمًا قياسيًا جديدًا لدرجات الحرارة اليومية لهذا الوقت من العام.
وقد زاد من حدة هذا الارتفاع ظاهرة “النينو” التي تسببت بمزيد من الحرارة في الغلاف الجوي نتيجة تيارات الهواء الساخن في المحيط الهادئ. ومن الواضح أن الأمر لم يختلف كثيرًا في عام 2024، فقد استمرت موجات الحرارة العالية وأحداث المناخ المتطرفة في الحدوث. ومن المتوقع أن يكون أشد حرارة بسبب وصول ظاهرة النينو إلى شدتها واستمرار النشاط الصناعي الباعث للغازات الدفيئة في الغلاف الجوي. وهذا يثير احتمال أن يتجاوز عام 2024 عتبة الاحترار الرئيسية البالغة 1.5 درجة مئوية حسب مكتب الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة. ويوضح الشكل التالي متوسط درجات الحرارة خلال عامي 2023 وحتى أبريل 2024 مقارنة بالأعوام السابقة وفقًا لحالة المناخ العالمي.
شكل (1): متوسط درجات الحرارة خلال عامي 2023 وحتى أبريل 2024 مقارنة بالأعوام السابقة
وتشير التوقعات إلى أنه إذا انتهى النصف الأخير من عام 2024 على نحو مماثل لعام 2023، فقد ينتهي بنا الأمر إلى الاقتراب من 1.6 درجة مئوية للعام بأكمله، وربما ندخل فيما وصفه المتخصصون بـ “منطقة مجهولة” بالنسبة للمناخ.
ليس هذا فقط وإنما تشير تقديرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن هناك احتمالًا بنسبة 86% أن تتفوق إحدى السنوات الخمس المقبلة على عام 2023 لتصبح الأكثر حرارة على الإطلاق. وربما بدا ذلك ظاهرًا خلال النصف الأول من عام 2024 حيث استمرت موجات الحرارة العالية خلال شهر يونيو 2024 مع توقع باستمرارها خلال فصل الصيف. وليس الهواء فقط هو الأكثر سخونة، بل درجات حرارة سطح البحر أيضًا. فمع تجاوز شهر مايو 2024، يكون مرَّ 14 شهرًا متتاليًا من الدفء القياسي لسطح البحر.
وتشير سجلات درجات الحرارة إلى ارتفاع درجات الحرارة على كثير من مناطق العالم، تظهر بالون الأصفر والبرتقالي في الشكل التالي.
موجات الجفاف الشديدة
ارتفاع درجات الحرارة تقود إلى نوبات أكثر شدة وطويلة الأمد من الجفاف تؤثر بالتأكيد في النظم الطبيعية والإنتاجية الزراعية والنظم الصحية بالإضافة إلى احتمالية نشوب صراعات بسبب نقص المياه والغذاء، فضلًا عن انتشار النزوح والهجرة بسبب تغير المناخ.
وخلال عامي 2022-2023 أعلنت حوالي 24 دولة حالة الطوارئ الخاصة بنوبات الجفاف، وقد عانى أكثر من نصف سكان العالم من ندرة المياه والجفاف الشديد. ولا سيما الجفاف في القرن الأفريقي -الذي خلف أكثر من 50 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد، ووفقًا لتقديرات البنك الدولي، يعيش حوالي 85% من المتضررين من الجفاف في بلدان منخفضة أو متوسطة الدخل. وتتأثر النساء والأطفال أيضًا بشكل غير متناسب، وهم أكثر عرضة للوفاة بمقدار 14 مرة بسبب الكوارث المناخية. كما تشير التوقعات إلى استمرار امتداد نوبات الجفاف الشديدة بحلول عام 2050 ليعاني منها أكثر من ثلثي سكان العالم.
وتؤدي المخاطر المرتبطة بالكوارث الطبيعية وتغير المناخ إلى خسائر اقتصادية كبيرة وتدهور في مستوى المعيشة والبنية التحتية للدول الأكثر عرضة لتغير المناخ، على سبيل المثال؛ أدت المخاطر المرتبطة بالجفاف في أفريقيا خلال الخمسين عامًا الماضية إلى خسائر اقتصادية تزيد عن 70 مليار دولار أمريكي. كما تؤدي حالات الجفاف والمخاطر الأخرى المرتبطة بالطقس مثل الفيضانات والعواصف إلى الهجرة القسرية، حيث تشير البيانات إلى أن حوالي 98% من حالات النزوح الجديدة الناجمة عن الكوارث والتي حدثت في عام 2022 والبالغ عددها 32.6 مليون نسمة كانت نتيجة مباشرة لهذه الأحداث.
شكل (3): أكثر الدول عرضة للجفاف خلال 2022-2023
موجات حرارة غير مسبوقة على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
تشير التوقعات إلى أن معظم مناطق شمال أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط ستشهد فترة من الظروف الحارة غير المعتادة خلال عام 2024. حيث يمكن أن تتراوح متوسط درجات الحرارة بين 2 درجة مئوية و8 درجات مئوية فوق المعدل الطبيعي في معظم أنحاء المنطقة. وخلال فترات الصيف، سيواجه أكثر من 290 مليون شخص حرارة شديدة تزيد احتمالات حدوثها خمس مرات على الأقل بسبب تغير المناخ. من المتوقع أن تصل درجات الحرارة القصوى إلى 40 درجة مئوية أو أعلى في عدد أكبر من المدن في كلٍّ من (السعودية والعراق وسوريا وتركمانستان والجزائر ومصر وتركيا وأفغانستان واليونان ). كما يمكن أن تتراوح درجات الحرارة بين 30 درجة مئوية و38 درجة مئوية في مدن مثل ( بلغاريا، بنغازي ومصراتة في ليبيا، رفح، قطاع غزة، القدس وتل أبيب، إسرائيل، أثينا وسالونيكي، اليونان، وأنطاليا وإزمير في تركيا).
وتتزايد المخاوف بشأن موسم حرائق الغابات خاصة في اليونان. وبعد موجة حارة استمرت أسبوعين العام الماضي، دمرت حرائق الغابات في البلاد أكثر من 150 ألف هكتار من الأراضي الزراعية والغابات. قد يؤدي التعرض لفترات طويلة لدرجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة خطر حرائق الغابات هذا العام أيضًا.
مصر وموجات الحرارة العالية
لم يختلف الوضع في مصر كثيرًا عن الوضع العالمي فيما يخص الآثار الواضحة للتغيرات المناخية، فقد عانت مصر خلال العقد الماضي من زيادة موجات الحرارة الشديدة وانخفاض معدلات هطول الأمطار، زيادة موجات الجفاف. وتشير التوقعات إلى استمرار موجات الحرارة بأعلى من المتوسط العالمي، حيث شهدت مصر زيادة درجات الحرارة بمعدل 0.38 درجة مئوية خلال عقد من الزمن في حين وصل المعدل العالمي 0.31 درجة مئوية خلال 2000-2020. كما يمكن أن تشهد الفترة 2080-2100 درجات حرارة أعلى بمعدل 2.5 درجة مئوية في سيناريو خفض الانبعاثات، وتزيد إلى 6 درجات مئوية في سيناريو الانبعاثات العالية.
شكل (4): متوسط درجات الحرارة في مصر والدول العربية مقارنة بعام 2023
واستمر الارتفاع في درجات الحرارة حتى بداية فصل الربيع والصيف في مصر، حيث شهد شهري مايو ويونيو 2024 موجات الحرارة العالية استمرت لعدد أيام أطول من المعتاد وصلت لخمسة أيام متصلة، حيث تعدت مدينة أسوان في الجنوب حاجز الـ 50 درجة مئوية خلال الربع الأول من شهر يونيو 2024، واستمرار تلك الموجات حتى نهاية الشهر، ليكشف عن صيف ساخن مع ارتفاع نسب الرطوبة واستمرار موجات شديدة الحرارة تتراوح فيها درجات الحرارة من 43-46 درجة مئوية على عدد كبير من مدن ومحافظات مصر وتصل إلى 49 درجة مئوية في مدن الصعيد.






























