دفعت التحولات الاستثنائية المتتابعة التي شهدها العالم على مدار الأعوام الماضية، إلى تزايد مستويات الإنفاق العسكري العالمي، وتصاعد اتجاهات التسلح، والاعتماد على القوة العسكرية في التفاعلات الدولية. حيث أدى التعدد اللانهائي للتهديدات والمخاطر التي تواجهها الدول من ناحية، والتحولات المفاجئة على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية من ناحية ثانية، إلى التركيز على تطوير قدرات الدول العسكرية واقتناء نظم تسلح نوعية ومتقدمة. كما أن الطفرة التقنية تقود إلى تغيرات جذرية في البنية النووية؛ مما يلقي بظلاله على قواعد حيازة السلاح النووي، وطبيعة الانتشار النووي، وفاعلية سياسات الردع. فمحصلة كل ذلك تلقي بظلالها على محورية الأداة العسكرية في إدارة التفاعلات الدولية.
من هذا المنطلق، يعرض كتاب “عسكرة التفاعلات: تحولات الحروب والأسلحة”، الذي شارك فيه كوكبة من المستشارين والخبراء ورؤساء الوحدات والعسكريين والباحثين والباحثين الأوائل، خريطة وافية للمشهد العسكري المعاصر واتجاهات التسلح الدولي وملامح عسكرة التفاعلات، في صورة دراسات مطولة وتحليلات استراتيجية وتقارير معمقة، من مداخل مختلفة تنوعت بين النظري والتطبيقي والفني والتحليلي، بالاستشهاد بالتقارير الدولية المتخصصة والرؤى المتخصصة وأحدث الدراسات ذات الصلة والإحصاءات الشارحة، وبالتركيز على مناطق جغرافية عدة طالت الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا والإندوباسيفيك.
على المستوى الشكلي، ينقسم هذا الكتاب إلى سبعة أجزاء، حمل الجزء الأول منها عنوان: “عسكرة الذكاء الاصطناعي”؛ حيث أضحى الذكاء الاصطناعي في عالم اليوم حقيقة واقعة في عصر الثورة الصناعية الرابعة. وعلى الرغم من أن استخدام الذكاء الاصطناعي على المستوى العسكري، كان يركز بشكل كبير على التقنيات الجوية والبرية، فإن الجانب البحري قد دخل بشكل واضح في إطار هذا الاستخدام خلال السنوات الأخيرة، سواء من زاوية “الذكاء الاصطناعي الضيق”، وهو الذكاء الاصطناعي الذي يتخصص في مجال واحد، مثل كسح الألغام، أو تصميم أجزاء معينة من بدن السفن الحربية، أو “الذكاء الاصطناعي العام”، الذي يتم من خلاله استخدام حواسيب متقدمة، لإدارة منظومات قتالية ودفاعية بحرية متكاملة.
فيما حمل الجزء الثاني عنوان: “السلاح النووي والقدرات النووية” تأكيدًا على الدور الذي لعبه السلاح النووي في تحديد مسار العالم وخريطة مصالح دوله لعقود. إذ يسلط هذا الجزء الضوء على ملامح المعادلة النووية، وحجم الترسانات النووية، وأبرز جهود حظر الانتشار النووي. كما يطرح تساؤلات جديدة عن السلاح النووي ودوره بين احتمالية استخدامه للتدمير الشامل أو كورقة فاعلة للردع النووي في ظل سرية وغياب الشفافية بين الدول النووية التي لا تعلن عن ترساناتها. ولا شك أن الحرب الروسية – الأوكرانية قد ألقت بظلالها على التجارب الصاروخية النووية، وسط تساؤلات عن السيناريوهات المحتملة لاستخدام روسيا للسلاح النووي.
فقد سلطت مجريات تلك الحرب الضوء على مخاطر اندلاع مواجهات نووية محتملة؛ حيث تتصاعد مخاطر توظيف السلاح النووي في العمليات المتبادلة. وعلى صعيد مواز، تثار المخاوف من القدرات الصينية في ظل افتقار الصين إلى الشفافية فيما يخص العقيدة النووية الشاملة وترسانتها النووية، والتي تمثل مصدرًا للقلق في إطار صراع القوى الدولية؛ إذ تقوم الصين بتحديث ترسانتها النووية، وبالتالي فالتحول نحو المواقف الهجومية ليس مستبعدًا مع انتشار الأسلحة النووية في دول مثل كوريا الشمالية، وانهيار الاتفاقيات الدولية مثل معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى، إلى جانب عدم اهتمام الصين بالانخراط في تدابير مع الولايات المتحدة وروسيا.
ثم يأتي الجزء الثالث بعنوان: “الشركات العسكرية الخاصة”، والذى تبرز أهميته في ظل تنامي توظيف الدول لتلك الشركات، فقد أصبحت الدولة القومية أكثر اعتمادًا على الخدمات التي تقدمها تلك الشركات التي زاد عددها. كما استعانت المنظمات الدولية أيضًا بخدمات الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في أداء وظائفها في الخارج، ولتوفير الأمن لعملياتها بشكل متكرر. وعلاوة على ذلك تعاقد الفاعلون من غير الدولة (Non – State Actor)، الذين يعملون في بيئات أمنية معادية، مع تلك الشركات التي وسعت خدماتها، وتطورت لتكون فاعلًا مركزيًا ومهمًا في مناطق الحرب والصراع في جميع أنحاء العالم. ومع تزايد حضور الشركات العسكرية والأمنية الخاصة بشكل كبير، برزت تساؤلات عن طبيعة الدور الذي تقوم به، فيما تبرز تساؤلات عن منظور الجيوش لها، ورؤيتها لدورها وحدوده، وآليات التعامل معها، بالنظر إلى أن الجيوش هي المسئول الرئيسي عن قطاع الدفاع والمحتكر الشرعي للقوة.
فيما استهل الجزء الرابع الذي حمل عنوان: “التحركات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط”، بمناقشة الانخراط الصيني الواسع في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث بات تطوير التعاون الأمني والعسكري، محددًا أساسيًا في استراتيجية التحول الصيني تجاه المنطقة، في ظل رغبة دول الشرق الأوسط في موازنة مصالحها بين القوى العظمى المتنافسة، بما يضمن لها إقامة علاقات مع كافة الأطراف دون الإضرار بمصالح دول المنطقة. مرورًا بتحركات إدارة الرئيس الأمريكي السابق “جو بايدن” التي نفذت عدة إجراءات، أعادت من خلالها إعادة تعريف مستوى انتشار القوات العسكرية الأمريكية في مناطق مختلفة من العالم، وذلك في ضوء تقديرها للتهديدات والتحديات التي يتعرض لها الأمن القومي الأمريكي والمصالح الأمريكية.
أما الجزء الخامس فقد جاء بعنوان: “التحالفات والصفقات العسكرية”، واستهل بمناقشة الخطط الروسية لتكثيف تعاونها العسكري مع الدول الأفريقية كجزء من استراتيجيتها الجديدة، لتعزيز موطئ قدم لنفوذها في أفريقيا وإعادة حدودها إلى مرحلة الحرب الباردة تأكيدًا على دورها كقوة عالمية، وما يمثل ذلك من تهديد وتطويق لجنوب حلف الناتو وتحديدًا منطقة الساحل الأفريقي في غرب أفريقيا. ومن روسيا إلى تركيا. كما سلط هذا الجزء أيضًا الضوء على التحولات في السياسة الخارجية لتركيا، والتي اتجهت إلى إصلاح العلاقات مع عديد من دول الإقليم، كما تناول المقاربة الأمريكية الساعية إلى احتواء النفوذين الصيني والروسي في الوقت الذي تعاني فيه الصين من تباطؤ اقتصادي امتد منذ سياسة “صفر كوفيد” وحتى الآن؛ مما قد يؤثر على نفوذها في المنطقة. أما روسيا التي تخوض حربًا ممتدة مع أوكرانيا، فقد لا تستطيع موازنة التحالفات الأمنية الأمريكية مع دول المنطقة، وهو ما تتصاعد أهميته في ظل تزايد أهمية منطقة المحيطين (الهندي – الهادئ) بالنسبة للولايات المتحدة؛ إذ تعتبرها واشنطن إحدى ساحات التفاعل العالمي الأكثر محورية.
أما الجزء السادس المعنون بـ: “تحولات الصناعات العسكرية “، فقد استعرض فعاليات ومخرجات النسخة الثالثة من معرض الصناعات الدفاعية “إيديكس 2023″، الذي يندرج تحت قائمة أهم المعارض العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، منذ إقامة نسخته الأولى عام 2018، والذي انعقد في ظل ظروف إقليمية ودولية دقيقة، تتصدرها الحرب الإسرائيلية على غزة، وكذا العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، والتي انعكست بدورها على الصناعات الدفاعية لكل من ألمانيا وبولندا وفرنسا واليابان.
فيما باتت الدرونز واحدة من بين الأسلحة التي يستهدف المغرب ليس فقط امتلاكها ولكن توطين صناعتها، خاصة في ضوء ما تحققه من نجاحات مختلفة في الصراعات المعاصرة. ولعل الرباط نجحت في توظيف ذلك النمط من الأسلحة في ضوء أحداث معبر “الكركرات” التي وقعت مطلع نوفمبر عام 2020، وبات من الواضح أن التسليح المغربي دخل في مرحلة التطور النوعي منذ نهاية عام 2020 في إطار المتغيرات التي وقعت، سواء على مستوى التصعيد المسلح بين جبهة البوليساريو والمغرب، أو على مستوى قرار إعادة استئناف العلاقات مع إسرائيل بعدما تم دعم الطرح المغربي في ملف الصحراء الغربية.
أما صناعات الدفاع التركية، فقد انتقلت إلى مربع أكثر تقدمًا، يتجاوز فكرة التصنيع المحلي إلى فكرة التنمية الشاملة للصناعات الدفاعية، عبر إضفاء صبغة تكنولوجية واضحة على تلك الصناعة، بما يعزز من قدراتها على هذا المستوى ويدفعها للتحول من امتلاك الأدوات العسكرية التقليدية، إلى حيازة الأنظمة والمعدات الاستراتيجية. ورغم أن إتمام هذا التحول قد لا يحدث كليًا على المدى القريب، فإن أنقرة تمضي في هذا الاتجاه بصورة ملحوظة. ولعل مساعيها لتعزيز قدراتها الصاروخية بعيدة المدى، ورغبتها في ضخ مزيد من الاستثمارات في هذا القطاع، تؤكد على التوجهات المستقبلية لتركيا على هذا المستوى.
وأخيرًا، يختتم الكتاب بالجزء السابع المعنون بـ: “الجديد في الأسلحة غير التقليدية”، بتسليط الضوء على عدد من الأسلحة الحديثة من المدرعات والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والغواصات، وقد شمل ذلك على سبيل التحديد القنبلة الكهرومغناطيسية، ونظام المراقبة الإسرائيلي التكتيكي (Sky)، ومنظومة الصواريخ الدفاعية “أرو – 3″؛ حيث استعرض هذا الجزء السمات الفنية لتلك الأسلحة واستخداماتها، وكيفية إنتاجها، وعمليات صناعاتها، وأبرز تحدياتها.