مع تصعيد الحرب الحالية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، واستمرار الهجمات والردود المتبادلة، ظهر أكبر أثر مباشر على إمدادات وأسعار النفط والغاز العالمية. إيران أعلنت إغلاق مضيق هرمز (الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي و20% من الغاز المسال قبل الحرب)؛ مما أدى إلى وقف فعلي أو جزئي لصادرات النفط من دول الخليج التي تعتمد عليها كثير من دول العالم، وارتفاع كبير في أسعار النفط الخام إلى مستويات تتجاوز 115 دولار للبرميل لأول مرة منذ 2022، مع توقعات بمزيد من الارتفاع إذا استمرت الاضطرابات.
التأثير لم يقتصر على النفط فحسب، بل طال الغاز الطبيعي والسوق العالمية للغاز المسال (LNG) بعد هجمات على مرافق إنتاج في قطر وغيرها من الدول؛ مما دفع بعض الشركات إلى إعلان القوة القاهرة وتوقف الإنتاج؛ مما يضيف ضغطًا إضافيًا على الأسواق. ونتيجة ذلك، ارتفاع تكاليف الطاقة العالمية، زيادة الأقساط التأمينية لشحن النفط، وتضخم في أسعار المنتجات المرتبطة بالطاقة مثل البنزين والكهرباء، مع دخول الأسواق في مرحلة من التقلبات الحادة وتحديات الإمداد المستدام.
يهدف هذا التقرير إلى استعراض أبرز تداعيات الحرب الحالية في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة العالمية، مع تحليل تأثيراتها المحتملة على الإمدادات والأسعار وحركة التجارة الدولية للطاقة.
أولًا: أحدث البيانات والمؤشرات حول أسعار النفط والغاز
شهدت أسواق النفط العالمية ارتفاعًا ملحوظًا مع استمرار التصعيد العسكري المرتبط بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران واسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. ووفق أحدث البيانات حتى 9 مارس 2026، ارتفع سعر خام برنت إلى نحو 116 دولارًا للبرميل، بينما وصل خام غرب تكساس الوسيط (WTI) إلى حوالي 115 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عام. ويعكس هذا الارتفاع مخاوف الأسواق من تعطل الإمدادات، خاصة مع التوترات حول غلق مضيق هرمز الذي يمر عبره أكثر من 20% من تجارة النفط العالمي.
وسجلت أسعار النفط واحدة من أكبر الارتفاعات الأسبوعية منذ عدة سنوات؛ حيث ارتفع خام برنت بأكثر من 20% خلال أسبوع واحد منذ بداية التصعيد العسكري ووصل مع بداية التداول في الأسبوع الثاني إلى 24%. ويعود ذلك إلى زيادة المخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى الاضطرابات في إنتاج وتصدير النفط من بعض دول الخليج التي أعلنت توقف أو تعليق إنتاجها من النفط والغاز المسال بسبب تصعيد العمليات وضرب المصافي ومنشآت النفط والغاز وخاصة في قطر والكويت والسعودية. كما أدت هذه التطورات إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري للناقلات، وزيادة ما يعرف بـ“علاوة المخاطر الجيوسياسية” في أسعار النفط العالمية، والتي تشير تقديرات بنك جولدمان ساكس إلى أن هذه العلاوة تتراوح بين 13 و18 دولارًا للبرميل، وهو ما يعادل تقريبًا توقفًا كاملًا لتدفق النفط عبر المضيق لمدة شهر كامل . ولا تزال هناك مخاوف من وصول الأسعار إلى نحو 150 دولار للبرميل أو ربما أكثر مع استمرار التصعيد العسكري لأكثر من ذلك.
وفي سوق الغاز الطبيعي؛ وصل سعر الغاز الطبيعي في الأسواق الفورية نحو 3.325 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu)، بزيادة حوالي 4.36% عن الجلسة السابقة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على أسواق الطاقة العالمية. أما الغاز الطبيعي المسال، فقد ارتفع سعر الغاز في مؤشر Title Transfer Facility (TTF) الأوروبي (وهو المؤشر المرجعي للغاز في أوروبا) إلى نحو 18–19 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu)، بعد أن سجل قفزات سريعة خلال الأيام الماضية بسبب مخاوف نقص الإمدادات وتحويل شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا.
وفي الولايات المتحدة، ارتفعت الأسعار لكنها بقيت أقل نسبيًا مقارنة بالأسواق الأخرى؛ حيث بلغ سعر الغاز في مركز Henry Hub حوالي 3.1–3.7 دولار لكل مليون وحدة حرارية. ويرجع ذلك إلى وفرة الإنتاج المحلي وارتفاع مستويات الإمدادات داخل السوق الأمريكية.
أما في آسيا، فقد ارتفع سعر الغاز الطبيعي المسال وفق مؤشر Japan‑Korea Marker (JKM) إلى نحو 13–15 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية، مع تسجيل صفقات فورية أعلى من ذلك وصلت لنحو 24-28 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية في بعض الشحنات نتيجة زيادة الطلب الآسيوي على الغاز لتعويض أي نقص في الإمدادات القادمة من الخليج وخاصة بعد تعليق الغاز القطري. وقد أدى ذلك إلى منافسة قوية بين الأسواق الآسيوية والأوروبية على شحنات الغاز الطبيعي المسال؛ مما دفع عديدًا من الناقلات إلى تغيير مسارها نحو الأسواق الأعلى سعرًا.
ثانيًا: تأثيرات الحرب على حجم الإمدادات
يمثل الإغلاق شبه الكلي لمضيق هرمز صدمة غير مسبوقة لسلاسل التوريد العالمية للطاقة؛ حيث يعطل أكبر شريان لتدفق النفط والغاز في العالم. وتشير التقديرات[1] إلى تهديد بخسارة نحو 120 مليار متر مكعب من إمدادات الغاز نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وتوقُّف حقلين إسرائيليين، في تطور يتجاوز ما فقدته الأسواق قبل 3 أعوام، وهو ما يعادل نحو 15% من إجمالي الإمدادات العالمية المتوقعة لعام 2026؛ مما يعكس حجم المخاطر الحالية.
كما تأثرت صادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج بشكل ملحوظ. حيث إن بعض منشآت الغاز في المنطقة توقفت مؤقتًا، كما أعلنت قطر[2] ( إحدى أكبر الدول المصدرة للغاز المسال في العالم) حالة القوة القاهرة وتعليق جزء من صادراتها بعد توقف عمليات التسييل في بعض المنشآت، وتعرض منشآتها في مدينتي رأس لفان ومسيعيد للهجوم. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع كبير في أسعار الغاز العالمية، خاصة في أوروبا؛ حيث ارتفعت الأسعار بنحو 40% خلال أيام قليلة نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات في سوق يعتمد بشكل متزايد على الغاز المسال القادم من الخليج والولايات المتحدة.
وعلى صعيد النفط، فإن الكميات المتعطلة هائلة أيضًا. حيث تعرضت مصفاة سترة النفطية التابعة لشركة “بابكو” في البحرين لصاروخ إيراني أدى إلى اندلاع حريق تمت السيطرة عليه لاحقًا. وأعلنت الشركة إغلاق وحدتين لمعالجة النفط بطاقة إنتاجية تبلغ 173 ألف برميل يوميًا[3]. وأعلنت السلطات السعودية إحباط محاولة هجوم بطائرة مسيرة استهدفت مصفاة رأس تنورة النفطية التابعة لشركة أرامكو، دون وقوع أضرار . وتحليل بنك جيه بي مورجان يشير إلى أن إمدادات النفط من العراق والكويت قد تتوقف بالكامل في غضون أيام إذا استمر إغلاق المضيق، مع خسائر محتملة تصل إلى أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا مع استمرار النزاع. هذا الرقم يعكس حجم الاعتماد الكبير على هذا الممر، خاصة أن نحو 80% من شحنات النفط والغاز التي تمر عبره تتجه إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. بينما تصل الكمية المتبقية إلى أوروبا التي أصبحت أكثر اعتمادًا على الغاز الطبيعي المسال القادم من الشرق الأوسط بعد تراجع إمدادات الغاز الروسي.
لم يقتصر تأثير الحرب على النفط الخام والغاز فقط، بل امتد إلى المنتجات البترولية وسلاسل الإمداد المرتبطة بالطاقة. فقد تعطلت بعض المصافي والمنشآت النفطية في المنطقة نتيجة الهجمات أو المخاطر الأمنية، كما توقفت أو تباطأت صادرات الوقود والمنتجات البترولية من بعض الموانئ الخليجية.
وفي الوقت نفسه، ومع توقف الملاحة في مضيق هرمز ارتفعت تكاليف النقل البحري والتأمين على الناقلات إلى مستويات قياسية؛ مما يهدد بحدوث نقص مؤقت في بعض الأسواق المستوردة إذا استمرت الأزمة لفترة أطول. إذ أن استمرار الأزمة قد يدفع دول الخليج إلى خفض الإنتاج إذا لم تتمكن من تصدير النفط المخزن لديها بسبب نقص الناقلات أو تعطل الممرات البحرية. وبالتالي، فإن أسواق الطاقة العالمية قد تواجه خلال الأسابيع المقبلة ضغوطًا متزايدة على الإمدادات وارتفاعًا في الأسعار إلى أن يتم استعادة حركة الشحن في المنطقة أو إيجاد مسارات بديلة للتصدير.
ثالثًا: أزمة النقل والتأمين
بعد التوقف شبه التام في حركة التجارة منذ اندلاع الحرب، وبحسب بيانات تتبع السفن، انخفض عدد السفن التي تعبر المضيق يوميًا من نحو 100 سفينة إلى سفينتين فقط، وكلتاهما ليستا ناقلتي نفط، وقد أدى هذا التوقف إلى تراكم أكثر من ألف سفينة على جانبي المضيق، نصفها تقريبًا ناقلات نفط وغاز، في انتظار استئناف العبور بشكل آمن.
الأزمة طالت قطاع التأمين بشكل حاد؛ حيث ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بنسبة تجاوزت في بعض الحالات 1000%، لتصل إلى نحو 1% من قيمة السفينة[4]؛ مما يعني زيادة في كلفة التأمين على ناقلة نفط واحدة بنحو 7.5 مليون دولار. شركات التأمين الكبرى، بما فيها “جارد” و”سكولد” النرويجيتان و”أميركان كلوب” الأمريكية، ألغت التغطية التأمينية ضد مخاطر الحرب للسفن العاملة في الخليج والمياه الإيرانية، هذا يعني أن أي ناقلة نفط تغامر بالمرور تفعل ذلك على مسئوليتها الخاصة ودون غطاء تأميني[5].
نتيجة لهذه الأزمة، بدأت ظاهرة تحويل مسار ناقلات الغاز المسال. فقد رصدت بيانات شركة كبلر لتحليلات الطاقة تحول مسار 3 ناقلات غاز مسال كانت متجهة من الولايات المتحدة ونيجيريا إلى أوروبا، لتعيد توجيه مسارها نحو آسيا بحثًا عن أرباح أعلى؛ حيث إن الفجوة السعرية بين القارتين وصلت إلى أكثر من 5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لصالح آسيا، وهذا يشير إلى بداية منافسة حادة بين القارتين على شحنات الغاز المتاحة، خاصة مع توقف المصدر الرئيسي (قطر) عن الإنتاج وظهور أزمة جديدة مركبة.
رابعًا: التداعيات الجيواقتصادية على اللاعبين الكبار
أدّى التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران إلى إعادة إدخال عامل المخاطر الجيوسياسية بقوة إلى معادلة أسواق الطاقة العالمية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حسابات اللاعبين الكبار في سوق النفط والغاز. فالتوترات في الخليج، وخصوصًا قرب مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، دفعت الدول المنتجة والمستهلكة الكبرى إلى إعادة تقييم استراتيجياتها المتعلقة بالإمدادات والأمن البحري وتنويع مصادر الطاقة. وتشير التقديرات الدولية إلى أن تأثيرات الأزمة لا تقتصر على ارتفاع الأسعار فقط، بل تمتد إلى إعادة تشكيل التوازنات الجيواقتصادية في سوق الطاقة العالمية.
● الشرق الأوسط في قلب الأزمة
تتحمل منطقة الخليج العربي العبء الأكبر من التداعيات المباشرة للحرب الدائرة بين أمريكا واسرائيل وإيران؛ حيث تحولت منطقة تصدير الطاقة العالمية إلى ساحة مواجهة عسكرية، وبالتالي فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز يعني أن دول الخليج لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها التصديرية. هذا الوضع يضعها أمام خيارين؛ إما وقف الإنتاج بسبب زيادة الهجمات والتوترات وامتلاء المخازن (كما فعلت العراق والكويت بالفعل)، أو المخاطرة بتصدير النفط عبر ممرات غير آمنة ودون غطاء تأميني كافٍ. هذا يعني أن المنطقة قد تفقد قدرتها على ضخ حوالي 4.7 مليون برميل يوميًا خلال أيام؛ مما يفاقم أزمة نقص المعروض العالمي.
جيوسياسيًا؛ فإن الحرب تقوض بشكل خطير فكرة “النفط مقابل الأمن” التي كانت أساس العلاقة بين دول الخليج والغرب لعقود. فإذا لم تستطع القوى الغربية تأمين ممرات الشحن الحيوية، فقد تضطر دول الخليج إلى إعادة تقييم تحالفاتها الاستراتيجية والبحث عن ضمانات أمنية بديلة، ربما بالتقارب مع قوى أخرى مثل الصين أو روسيا. كما أن تعرض منشآت حيوية مثل مصفاة رأس تنورة في السعودية ومصفاة سترة البحرينية للهجوم، يظهر أن البنية التحتية للطاقة في عمق الخليج في مرمى النيران؛ مما يخلق شعورًا دائمًا بعدم الأمان .
● الصين: أكبر مستورد لطاقة الشرق الأوسط
تواجه الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، تحديًا وجوديًا لاستراتيجيتها لأمن الطاقة. تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الصين تستورد نحو 13% من نفطها من إيران، وهذا المصدر قد جف تمامًا مع إغلاق المضيق وتعطل الإنتاج الإيراني. كما أن توقف الغاز القطري يمثل صدمة كبيرة؛ حيث تستورد الصين نحو 25% من احتياجاتها من الغاز المسال من قطر .
الصين ستضطر للجوء إلى خيارين مكلفين؛ إما السحب من مخزونها الاستراتيجي (الذي يكفي لـ 115 يومًا)، أو شراء النفط والغاز من الأسواق الفورية بأسعار مرتفعة جدًا (وقد حدثت بعض الصفقات بالفعل)؛ مما يضغط على ميزانيتها التجارية ويزيد من تكاليف التصنيع. إذ يقدر أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل تكلف الصين حوالي 35 مليار دولار إضافية سنويًا.
ولكن من الناحية الجيوسياسية قد تمثل الحرب “فرصة استراتيجية” لبكين، فانشغال الولايات المتحدة بالشرق الأوسط يخفف الضغط على الصين في المحيطين الهندي والهادئ، ويمنحها مساحة للمناورة في ملفات أخرى مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي. في المقابل، تخشى الصين من سيناريو “تغيير النظام” في إيران؛ مما قد يؤدي إلى خسارة استثماراتها الضخمة (أكثر من 100 مليار دولار في قطاعي الطاقة والبنية التحتية)، وربما وصول نظام أكثر انفتاحًا على الغرب يحد من نفوذها الإقليمي، فضلًا عن استمرار أزمتها في تحقيق أمن الطاقة.
● أوروبا وانقسامات متعددة
أما أوروبا فتعاني من تداعيات ربما غير مباشرة لكنها مكلفة، فرغم أن اعتمادها المباشر على نفط وغاز الخليج أقل من آسيا، فإن السوق العالمية موحدة. وفقًا للبيانات، قفز سعر الغاز الأوروبي (TTF) بأكثر من 62% خلال أسبوع؛ مما يعيد إلى الأذهان كابوس أزمة الطاقة عام 2022. وبالتالي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى أعباء مالية متزايدة، وهو ما سيكون مكلفًا للغاية للدخل الأوروبي، وسيؤثر على خطط انتقال الطاقة في أوروبا. كما قد تؤدي صدمة الطاقة المستمرة لمدة عام كامل إلى رفع التضخم وخفض النمو.
وعلى المستوى الجيوسياسي فإن الأزمة كشفت عن انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، كما كشفت عن تهميشه تمامًا من قبل الإدارة الأمريكية التي لم تستشر حلفاءها الأوروبيين في التخطيط للضربات ولا في إدارة تبعاتها. مما يخلق فجوة بين مبادئها التي تعلنها وبين قدرتها على التأثير في الأحداث. هذه الهامشية تضع الاتحاد أمام اختبار وجودي: هل يبقى مجرد متفرج يكتفي بإصدار البيانات، أم يمكنه ابتكار أدوات للضغط وحماية مصالحه؟
وبالتالي يمكن أن تمثل هذه الحرب لحظة حقيقة لأوروبا، فإما أن تبقى أسيرة انقساماتها وهامشيتها، وتستمر في دفع الثمن من أمنها واقتصادها وصورتها الدولية، أو تستخدم هذه الصدمة كحافز للانتقال من مرحلة “إصدار البيانات” إلى مرحلة “ممارسة النفوذ”، والخيارات مطروحة على الطاولة، من توسيع العمليات البحرية الأوروبية (مثل عملية “أسبيدس”) لحماية الملاحة، إلى بناء تحالف دولي للتهدئة، ونجاح أوروبا في اجتياز هذا الاختبار سيعيد تعريف دورها كلاعب جيوسياسي في عالم ما بعد أحادية القطب.
● روسيا المستفيد الأكبر
تعد روسيا هي المستفيدة اقتصاديًا من اشتعال الحرب في الشرق الأوسط؛ حيث تستفيد من الجانبين: ارتفاع الأسعار وتحول التدفقات التجارية. حيث قفزت أسعار صادرات النفط الروسية من أقل من 40 دولارًا للبرميل في ديسمبر الماضي إلى أكثر من 70 دولارًا للبرميل حاليًا [6]، هذا الارتفاع جاء نتيجة لمخاوف الحرب، ثم بسبب التوقف شبه الكامل لحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز. كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بشكل كبير؛ مما يعيد فتح النقاش حول خطط الاتحاد الأوروبي لإنهاء واردات الغاز الروسي بحلول 2027. كما أن النفط الخام الروسي (الأورال) يتم بيعه حاليًا إلى الهند بعلاوة سعرية لأكثر من 5 دولارات للبرميل فوق سعر خام برنت القياسي، للتسليم خلال مارس وأبريل، وهذا يعكس تحولًا كبيرًا؛ حيث كان النفط الروسي يباع بخصومات كبيرة بسبب العقوبات، والآن أصبح الطلب عليه مرتفعًا لدرجة أن المشترين مستعدون لدفع علاوة سعرية. وهناك تصريحات باستعداد روسيا لزيادة الامدادت إلى الصين والهند؛ مما يعني زيادة استثنائية في الميزانية الفيدرالية الروسية.
وإلى جانب المكاسب الاقتصادية، تحقق روسيا مكاسب جيوسياسية مهمة؛ أبرزها تحويل الانتباه الدولي والضغط العسكري بعيدًا عن أوكرانيا. فاستنزاف المخزون الغربي من أنظمة الدفاع الجوي في التصدي للهجمات الإيرانية يعني تقليص الدعم المتاح لكييف. كما أن الانقسامات الأوروبية الظاهرة وعدم استشارة الحلفاء في التخطيط للضربات يضعف الجبهة الغربية الموحدة التي شكلتها أوكرانيا سابقًا. إضافة إلى ذلك، تعزز الحرب رواية بوتين بأن السياسة العالمية تحكمها القوة وليس القواعد، فإذا كانت واشنطن ترى أن إيران تشكل تهديدًا يستدعي العمل العسكري، فهذا يعكس المنطق نفسه الذي استخدمه لتبرير غزو أوكرانيا، وتحاول موسكو استغلال الموقف بتقديم نفسها كوسيط محتمل بين إيران ودول الخليج؛ حيث أجرى بوتين اتصالات مع قادة السعودية والبحرين وقطر والإمارات لعرض المساعدة في تهدئة الأزمة.
خامسًا: سيناريوهات استمرار الحرب
- السيناريو الأول – استمرار التوتر الحاد دون توسع شامل (الواقع الحالي)
حتى اللحظة، الحرب تشهد تصعيدًا مستمرًا بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مع استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من طهران على أهداف خليجية وعسكرية لليوم التاسع، رغم تعهدات بعدم استهداف دول مجاورة. هذا التوتر يقوّض حركة النقل في مضيق هرمز؛ مما دفع أسعار النفط فوق 115 دولار للبرميل لأول مرة منذ 2022 وخلق مخاوف من صدمات طاقة عالمية.
في هذا السيناريو، تبقى الأسواق في حالة تقلبات حادة؛ ترتفع الأسعار استجابة للمخاطر على الإمدادات، وتبقى شركات الشحن أكثر حذرًا بسبب ارتفاع تكاليف التأمين وتأخر العبور، بينما تتأرجح توقعات التضخم العالمي بسبب صعود سعر الطاقة. ومع ذلك، لا يشهد الصراع توسعًا عسكريًا مباشرًا يشمل كامل المنطقة؛ مما يجعل اضطراب السوق كبيرًا لكنه غير كارثي حتى الوقت الراهن.
- السيناريو الثاني – تصاعد المواجهات وتأثيرات أكبر على الإمدادات
إذا تحوّلت المواجهات إلى هجمات واسعة على البنية التحتية للطاقة في إيران ودول الخليج، أو امتدت لتشمل مضيق هرمز بشكل كامل، فإن الأسواق ستدخل مرحلة عنيفة من الصدمة العرضية. في هذه الحالة، سيتكرر إغلاق أو تعطيل الملاحة عبر المضيق لفترات أطول؛ مما يعيق مرور النفط والغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الدولية. الأسواق التجارية عبر الخليج ستشهد انقطاعات حقيقية، ارتفاعات أسعار أكبر قد تتجاوز مستويات 150 دولارًا، وزيادة حادة في تكلفة الشحن والتأمين.
في هذا السيناريو، لا يقتصر التأثير على النفط فقط، بل يشمل انقطاع الغاز الطبيعي وتأثيرات واسعة على أسواق الطاقة في أوروبا وآسيا نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وشح الإمدادات. كما يتسارع ارتفاع التضخم العالمي، وتبدأ الدول في اللجوء إلى مخزوناتها الاستراتيجية للحد من الصدمة؛ مما يضغط على السياسات النقدية والمالية.
- السيناريو الثالث – تصعيد شامل وانهيار جزئي في إمدادات الطاقة
إذا توسّع الصراع ليتضمن استهدافًا مباشرًا لموانئ النفط الرئيسية أو ضربات واسعة للبنية التحتية في مناطق الإنتاج الكبرى، فإن العالم قد يدخل أزمة طاقة عالمية شاملة. في هذا السيناريو، لن تكون الأسعار مجرد ارتفاعات عالية، بل قد تتحرك إلى مستويات قياسية تاريخية مع تباطؤ اقتصادي قوي عالميًا. تتأثر البنى الإنتاجية للطاقة بشكل عميق، وتتراجع ثقة الأسواق المالية، وقد تدفع الاقتصادات الكبرى إلى تبني سياسات طاقة بديلة بشكل أسرع وتعديل عقود الطاقة الدولية بشكل جذري لتعويض الاضطرابات.
هذا السيناريو الكارثي ممكن إذا اتسع نطاق الحرب ليشمل أطرافًا إقليمية أخرى أو إذا تمّ إغلاق مضيق هرمز بشكل مستمر وكامل؛ مما يوقف نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية ويحدث صدمة مباشرة في سلاسل الإمداد الغذائي والصناعي أيضًا.
الخلاصة
مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أصبح أمن الطاقة محورًا مركزيًا في الاقتصاد العالمي؛ لأن الصراع يجري في قلب منطقة تمثل أكبر مخزون نفطي وغازي في العالم وتمر من خلالها شرايين التجارة الأساسية، هذا الاضطراب السريع في الإمدادات يعيد إلى الواجهة التقلبات الحادة في السوق التي تربك أسواق الطاقة الرئيسية، ويدفع المستهلكين لخفض الطلب بينما الشركات المنتجة تضغط لرفع الإنتاج في مناطق بديلة؛ مما يزيد من الضبابية في التوقعات العالمية.
الحرب أعادت التأكيد أن الشرق الأوسط يبقى محورًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله في نظام الطاقة العالمي، لكن تصاعد المخاطر دفع اللاعبين الكبار للبحث عن بدائل طويلة الأمد. الدول المستهلكة في أوروبا وآسيا بدأت تسارع إلى تنويع مصادر الطاقة، بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على النفط والغاز من الخليج، عبر تسريع الاستثمارات في الطاقة المتجددة، الغاز المسال من مصادر أخرى، وشبكات الطاقة الذكية.
في المقابل، الدول المنتجة الكبرى مثل السعودية والإمارات وروسيا تحاول ضبط الإمدادات لضمان استقرار السوق، في حين تسعى الولايات المتحدة لتعزيز إنتاج النفط الصخري وتقليل اعتمادها على النفط الأجنبي. والصين، كمستهلك رئيسي للطاقة، تعمل على تنويع وجهات الاستيراد وتخزين احتياطيات استراتيجية لتعويض أي صدمات مستقبلية.
أما مصر والاقتصادات الناشئة، فالحرب في قلب منطقة الخليج أدت إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز عالميًا؛ مما أثر مباشرة على مصر لاعتمادها على استيراد جزء كبير من احتياجاتها الطاقية. هذا الارتفاع سينعكس في زيادة تكاليف الوقود والنقل والتصنيع وزيادة ضغوط التضخم وتعرض الجنيه المصري لضغوط قوية مقابل الدولار نتيجة زيادة تكلفة الواردات وتخارج مستثمرين؛ مما يضغط على الموازنة العامة فى ضوء تأثر إيراداتها الحالية من قناة السويس وتهديد الإيرادات من السياحة والتحويلات حال طال أمد الحرب، ولا شك أن تحرك الحكومة (وهو ما تقوم به حاليًا) من تأمين لشحنات غاز مسال من مصادر متنوعة لتعزيز الأمن الطاقي يسهم بقوة فى استقرار الأسواق المحلية والتخفيف من تداعيات الأزمة الحالية.
باختصار، الاقتصادات الناشئة تتعرض لضغوط مركبة تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة، تقلبات الأسواق المالية، ضغط التضخم، وتراجع بعض مصادر الإيرادات الأساسية؛ مما يقلل قدرتها على النمو إذا استمرت حالة عدم اليقين في المنطقة.
[1] https://attaqa.net/2026/03/03/%D8%A5%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%82-%D9%85%D8%B6%D9%8A%D9%82-%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2-%D9%8A%D9%87%D8%AF%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A8%D8%AE%D8%B3%D8%A7%D8%B1%D8%A9-120-%D9%85%D9%84/
[2] https://www.aljazeera.net/ebusiness/2026/3/6/qatari-energy-gulf-exports
[3] https://www.enabbaladi.net/798597/%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D9%84%D8%A8-%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D9%84%D9%85-%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D8%B1%D9%87-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A7/?amp=1
[4] https://www.insurancejournal.com/news/international/2026/03/06/860842.htm
[5] https://www.businesstimes.com.sg/companies-markets/transport-logistics/ship-insurers-cancel-war-risk-cover-due-iran-conflict
[6] https://arabic.rt.com/business/1764040-%D8%B3%D8%B9%D8%B1-%D8%A8%D8%B1%D9%85%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D9%8A%D8%B5%D8%B9%D8%A