لم يعد ممكنًا تناول الموقف الأمريكي تجاه إسرائيل بوصفه امتدادًا تلقائيًا لتحالف ثابت تجاوز الحروب وتبدل الإدارات وتقلبات المزاج العام. العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لا تزال قوية على مستوى الدولة، لكن ما كان يحيط بها من حصانة سياسية وأخلاقية داخل المجتمع الأمريكي لم يعد قائمًا بالقدر نفسه. هذا التحالف لم ينهر لكنه فقد صفة “المسلمة” التي كانت تخرجه من النقاش الداخلي الحاد بين أقطاب العملية السياسية في الولايات المتحدة. وهذا هو التحول الأهم في اللحظة الراهنة؛ فلم تعد القضية تتعلق بوجود هذه العلاقة من عدمه، ولكن طبيعة هذه العلاقة، وحدودها، والتكلفة التي باتت تفرضها على الخطاب السياسي الأمريكي نفسه هي مثار نقاش غير مسبوق. وقد عكست استطلاعات الرأي هذا التغير بوضوح؛ إذ أظهر مركز بيو في أبريل 2026 أن 60 في المئة من الأمريكيين يحملون نظرة سلبية إلى إسرائيل، ارتفاعًا من 53 في المئة في 2025، كما قال 59 في المئة: إنهم لا يثقون أو لا يثقون كثيرًا في بنيامين نتنياهو. والأكثر دلالة أن الأغلبية تحت سن الخمسين في الحزبين باتت تنظر إلى إسرائيل ونتنياهو بصورة سلبية. وفي فبراير 2026، أظهر جالوب أن 46 في المئة من الأمريكيين يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 28 في المئة فقط مع الإسرائيليين، وهو انقلاب واضح قياسًا بالاتجاه العام الذي حكم الرأي العام الأمريكي لعقود.
هذا التحول لم يأت من فراغ، ولم تصنعه حرب واحدة وحدها، لكنه احتاج إلى لحظة كاشفة حتى يخرج إلى السطح بهذا الوضوح. لسنوات طويلة كانت الإدارات الأمريكية قادرة على إدارة الخلافات حول إسرائيل داخل نطاق آمن يتأسس على انتقاد محدود، توتر دبلوماسي محسوب، ثم عودة سريعة إلى القاعدة الأصلية، أي أن الدعم العسكري والسياسي لا يمس. يمكن القول إن الحرب على قطاع غزة قد كسرت هذه الآلية القديمة. ليس فقط بسبب حجم الدمار والخسائر المدنية، بل لأن الحرب جرت في بيئة إعلامية مختلفة بالكامل. فلم تعد الصور تمر أولًا عبر فلاتر المؤسسات الكبرى التي تعيد فرزها وتأطيرها، بل أصبحت تتدفق مباشرة إلى هاتف الناخب الأمريكي، وإلى الحرم الجامعي، وإلى الحملات الانتخابية، وإلى المجال العام كله. ولهذا لم يعد النقاش يدور فقط حول “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، بل حول حدود استخدام القوة، وطبيعة الحرب، والتناسب، والمعنى الأخلاقي للدعم الأمريكي في ظل تلك الوقائع والجرائم الوحشية ضد المدنيين العزل. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا هبط تأييد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة إلى 32 في المئة في استطلاع جالوب في يوليو 2025، بينما بلغت المعارضة 60 في المئة، وهو أدنى مستوى تأييد يسجله هذا المؤشر منذ بدء قياسه بعد حرب 2023 .
هذا التحول يستمد وزنه الحقيقي في ارتكازه بقوة في البعد الجيلي؛ حيث الأجيال الأصغر سنًا لا ترى إسرائيل من خلال الذاكرة السياسية التي حكمت وعي أجيال أمريكية أقدم، أي ذاكرة الحرب الباردة، وصورة “الحليف الديمقراطي المحاصر”، ومرحلة أوسلو وما بعدها. الجيل الجديد يتعامل مع الصراع عبر عدسة مختلفة يمكن تسميتها بأنها عدسة رقمية، بصرية، سريعة، شديدة الحساسية لمسألة القوة وعدم التناسب بين المعتدي والضحية. ولهذا لم يكن مفاجئًا أن يظهر استطلاع “بيو” في أبريل 2024 أن 60 في المئة من الأمريكيين تحت سن الثلاثين لديهم نظرة إيجابية إلى الفلسطينيين، مقابل 46 في المئة فقط إلى الإسرائيليين. ثم عاد المركز نفسه في يوليو 2024 ليشير إلى أن 48 في المئة من الأمريكيين بين 18 و29 عامًا يرون أن دعم إسرائيل يجب ألا يكون أولوية في السياسة الخارجية الأمريكية. مثل هذه الأرقام لا يمكن أن تقرأ بشكل عابر، ولكنها تحمل مؤشرات إلى أن العامل الديموغرافي لم يعد يعمل لصالح الصيغة القديمة للعلاقة، وأن المشكلة بالنسبة للتيار التقليدي المؤيد لإسرائيل ليست فقط في الحاضر، بل في المستقبل القريب أيضًا.
الأهم من ذلك أن هذا الجيل لا يعيد فقط ترتيب أولوياته، لكنه يعيد ترتيب اللغة ذاتها التي يفهم بها الصراع. بالنسبة لشرائح واسعة من الشباب الأمريكي، وخصوصًا في الجامعات والمدن الكبرى، لم تعد إسرائيل تدرج تلقائيًا ضمن فئة “الحليف”، بل ضمن نقاش أوسع يتعلق بالقوة، والحقوق، والتمييز، والعدالة الدولية. من هنا نفهم لماذا تحولت الجامعات الأمريكية، من كولومبيا إلى ييل ونيويورك وغيرها، إلى ساحات اشتباك سياسي وفكري حول الحرب والدعم الأمريكي لها. ففي أبريل 2024 اعتقلت الشرطة أكثر من 100 متظاهر في جامعة كولومبيا بعد إقامة مخيم للاحتجاج، ثم توسعت موجة الاعتصامات والاعتقالات إلى جامعات أخرى، وتحول النقاش من مجرد تضامن مع غزة إلى سؤال أمريكي داخلي حول حرية التعبير، وسلطة الجامعات، وحدود معاداة السامية، وحق المقاطعة والاحتجاج. واستمر أثر هذه الأزمة خلال الشهور التالية، وهو ما برهن على أن الجامعات الأمريكية قد توقفت عن أن تكون مجرد ساحة تضامن، وأنها صارت اليوم مختبرًا لصراع أكبر من ملف فلسطين وحده.
إذا انتقلنا من المجتمع إلى السياسة المنظمة، تظهر صورة أكثر تعقيدًا. فالدولة الأمريكية لا تتحرك بالسرعة نفسها التي يتحرك بها الرأي العام. ذلك أن السياسة الخارجية، بخلاف ملفات الداخل، تمر عبر مؤسسات مصممة لإبطاء التحول وهي تحديدًا الكونجرس، شبكات التمويل، البيروقراطية الأمنية، ومراكز النفوذ التقليدية. ولهذا يبدو المشهد اليوم مزدوجًا؛ فهناك تغير واضح في المزاج العام والخطاب الثقافي، يقابله قدر كبير من الاستمرارية على مستوى القرار الرسمي. لكن الاستمرارية هنا لم تعد تعني الثبات الكامل، بل تعني أن التغيير لم يكتمل عبوره المؤسسي بعد. ويمكن رؤية ذلك بوضوح داخل الحزبين؛ حيث لم تعد إسرائيل قضية إجماع بالمعنى القديم، بل صارت ساحة تتقاطع فيها المصالح والهوية والانتخابات والخطاب الأخلاقي. وبعبارة أدق، انتقلت العلاقة من وضع كان الخلاف فيه يدور حول كيفية الإدارة، إلى وضع بات الخلاف فيه يمس أصل التصور نفسه: لماذا هذا الدعم، وبأي شروط، وإلى متى يحتفظ بطابعه الاستثنائي.
داخل الحزب الجمهوري، لا يزال الدعم لإسرائيل أقوى بكثير مما هو عليه داخل الحزب الديمقراطي، لكن هذا لا يعني أن المعسكر الجمهوري متجانس أو أنه يقف على أرض صلبة كما كان من قبل. هناك أولًا التيار الجمهوري التقليدي المرتبط بمؤسسة الأمن القومي وباليمين المحافظ الكلاسيكي، وهو تيار يرى في إسرائيل أصلًا استراتيجيًا متقدمًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ويقرأ العلاقة من زاوية الردع والتنسيق الاستخباراتي وتوازن القوى الإقليمي. بالنسبة لهذا التيار، ليست إسرائيل فقط حليفًا، بل جزءًا من البنية التي حافظت من خلالها الولايات المتحدة على نفوذها في منطقة حساسة لعقود. وإلى جانب هذا التيار، يوجد التيار الإنجيلي، الذي يمنح العلاقة بعدًا عقائديًا وثقافيًا يتجاوز الحسابات الاستراتيجية المباشرة؛ مما يجعل دعمه أكثر صلابة من الناحية العاطفية والرمزية، لكنه أقل مرونة في مواجهة التحولات الاجتماعية والثقافية داخل الولايات المتحدة.
غير أن العامل الأحدث والأكثر أهمية هو صعود التيار الشعبوي المرتبط بمبدأ “أمريكا أولًا”، هذا التيار لم يعلن عداء لإسرائيل، لكنه بدأ ينزع عنها تدريجيًا صفة الاستثناء. وهو أمر بالغ الأهمية. فالتحالف لم يعد عند هذا التيار قيمة فوق السياسة، بل بات ملفًا من ملفات السياسة الخارجية التي تقاس بالتكلفة والعائد. وهذا يفسر لماذا بدأ خطاب بعض الأصوات المحافظة الشعبوية يطرح أسئلة لم تكن مألوفة داخل اليمين الأمريكي قبل أعوام منها ما الذي تكسبه الولايات المتحدة من انغماسها الدائم في صراعات الشرق الأوسط، ولماذا تتحمل كلفة سياسية وأمنية واقتصادية لالتزامات خارجية متزايدة؟ صحيح أن هذا التيار لم يتحول بعد إلى سياسة جمهورية رسمية، لكن مجرد طرح هذه الأسئلة داخل البيئة المحافظة يشير إلى أن الإجماع الجمهوري نفسه لم يعد على صلابته القديمة. ويضاعف أهمية هذا التطور أن “بيو” أظهر في 2026 أن الأغلبية تحت سن الخمسين في الحزبين باتت تنظر إلى إسرائيل سلبًا، أي أن التحول لم يعد حكرًا على اليسار أو على الديمقراطيين وحدهم.
أما داخل الحزب الديمقراطي، فالصراع أكثر وضوحًا وأكثر عمقًا، لأنه يجري في قلب تعريف الحزب لنفسه. هناك التيار المؤسسي التقليدي الذي لا يزال يرى أن الحفاظ على التحالف مع إسرائيل جزء من دور الولايات المتحدة العالمي ومن منظومة التزاماتها الاستراتيجية، وإن كان قد اضطر إلى تعديل لغته باتجاه الحديث عن ضبط النفس، وحماية المدنيين، والحل السياسي. هذا التيار لم يعد قادرًا على الدفاع عن الدعم باليقين القديم نفسه، لكنه لا يزال يرفض الانتقال إلى منطق الاشتراط الكامل أو إعادة الهيكلة الجذرية للعلاقة. في المقابل، صعد التيار التقدمي الذي لا ينظر إلى إسرائيل فقط من زاوية السياسة الخارجية، بل من زاوية الاتساق الأخلاقي الداخلي للحزب. بالنسبة لهذا التيار، لا يمكن لحزب يتحدث عن العدالة والحقوق ورفض التمييز أن يعزل إسرائيل عن هذا الإطار، ولهذا لم يعد النقاش عنده يدور حول نبرة الانتقاد أو مستواه، بل حول مشروعية استمرار الدعم العسكري غير المشروط نفسه.
هذا الصراع لم يعد نظريًا. ففي مارس 2024 وثقت تقارير صحفية ضغوطًا من مجموعات تقدمية على بايدن وديمقراطيين آخرين لرفض أموال إيباك والجهات المرتبطة بها، كما تحولت بعض الانتخابات التمهيدية إلى ساحات مواجهة صريحة بين معسكرات ترى أن دعم إسرائيل يجب أن يبقى خطًا أحمر، وأخرى تعتبر أن هذا الخط الأحمر نفسه يجب كسره أو على الأقل إعادة رسمه. وفي مايو 2024، رصدت وكالة رويترز كيف أصبحت دائرة جمال بومان في نيويورك ساحة جديدة لمعركة اللوبي المؤيد لإسرائيل، مع إنفاق يقارب مليوني دولار ضد النائب الديمقراطي التقدمي. في هذه الحالة وضحت الرؤية، فالصراع داخل الحزب الديمقراطي لم يعد فقط حول إسرائيل، بل حول من يملك حق تعريف الحزب نفسه، أهو الحزب المؤسسي القديم أم الحزب التقدمي الصاعد.
الانتخابات هي الحلقة التي تجعل هذا التحول أكثر من مجرد نقاش فكري أو أخلاقي. فحين تتحول غزة أو الدعم العسكري لإسرائيل إلى عامل في السلوك الانتخابي، لا يعود ممكنًا التعامل معها كملف خارجي هامشي. هذا ما ظهر بوضوح في ميشيجان. ففي فبراير 2024 دعت مجموعات عربية وديمقراطيون محليون إلى التصويت بـ “غير ملتزم” احتجاجًا على موقف إدارة بايدن، ثم أظهرت النتيجة حجمًا لافتًا من التصويت الاحتجاجي فاق التوقعات. وفي مارس امتد الاحتجاج إلى مينيسوتا وولايات أخرى، وصوت 19 في المئة من الديمقراطيين في مينيسوتا “غير ملتزم” في واحدة من الرسائل الأوضح ضد سياسة الإدارة. دلالة هذه الحالات لا تكمن فقط في الأرقام، بل في انتقال القضية الفلسطينية من فضاء الأخلاق العامة إلى فضاء الكلفة الانتخابية. وهذا انتقال بالغ الأهمية لأنه يربط السياسة الخارجية مباشرة بالحسابات المحلية للحزب والمرشح والولاية. ومن اللحظة التي تصبح فيها القضية مكلفة انتخابيًا، يتغير وزنها داخل غرف القرار، حتى لو لم تظهر النتائج فورًا في صورة تحول رسمي كامل.
في المقابل، لم يقف المعسكر المؤيد لإسرائيل ساكنًا. على العكس، دخل مرحلة إعادة تموضع نشطة. فبدلًا من الاكتفاء بإدارة الإجماع، صار مضطرًا إلى خوض معارك دفاعية في الجامعات، والانتخابات، والإعلام، وفضاء المنصات الرقمية. وهذه نقطة مهمة لأن معنى القوة السياسية هنا تغير. في السابق، كانت قوة هذا المعسكر كامنة في قدرته على جعل الدعم يبدو طبيعيًا وغير محتاج إلى جهد دفاعي كبير. اليوم، لا يزال قويًا، لكنه بات مضطرًا إلى إنفاق سياسي ومالي وخطابي أكبر بكثير للحفاظ على ما كان يعد في السابق أمرا بديهيًا. هذا في ذاته علامة على تغير البيئة. فالقوة التي لا تحتاج إلى الدفاع الدائم تختلف جوهريًا عن القوة التي تضطر إلى إدارة معارك مستمرة من أجل تثبيت نفسها. ويكفي أن نلاحظ أن جزءًا معتبرًا من الجهد لم يعد موجهًا فقط إلى الخصوم التقليديين، بل إلى داخل المعسكر الديمقراطي نفسه، وإلى الجامعات، وإلى المجال الرقمي، أي إلى المساحات التي تتشكل فيها الأجيال والروايات الجديدة.
الرؤية المستقبلية: لا يجب أن تقودنا الملابسات السابقة إلى استنتاج متسرع بانهيار التحالف، كما لا تسمح بالركون إلى فكرة أن كل شيء سيبقى كما كان. الأرجح أن الولايات المتحدة تتجه إلى صيغة وسطى جديدة. هذه الصيغة تتمثل في إمكانية استمرار الدعم، لكنه سيصبح أقل حصانة؛ فالتحالف باق، لكنه سيخضع أكثر للمراجعة. كما أن إسرائيل باقية في صلب الحسابات الأمريكية، لكن من دون الحصانة التي تمتعت بها لعقود داخل المجال العام. في المدى القريب، ستبقى المؤسسة العسكرية والأمنية والكونجرس عناصر كابحة لأي انقلاب حاد في السياسة. لكن في المدى المتوسط، إذا استمرت الاتجاهات الجيلية الحالية، وتعمق الانقسام الحزبي، وتكررت الحالات الانتخابية من طراز ميشيجان، فإن الولايات المتحدة ستنتقل تدريجيًا من “الدعم التلقائي” إلى “الدعم المشروط سياسيًا وخطابيًا”. وقد لا يظهر ذلك أولًا في صورة خفض فوري للمساعدات، بل في صور أقل درامية وأكثر دلالة: اتساع مساحة النقد داخل الكونجرس، تزايد النقاش حول شروط التسليح، ارتفاع تكلفة تجاهل المزاج الشبابي داخل الحزب الديمقراطي، ثم بروز يمين جمهوري أقل حماسة لفكرة الالتزامات الخارجية المفتوحة.
ما يتغير -إذن- ليس فقط مستوى التأييد لإسرائيل، بل الإطار الأمريكي الذي كان يجعل هذا التأييد مستقرًا وعابرًا للأجيال. وهذه هي النقطة الحاسمة. العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لم تخرج من قلب السياسة الأمريكية، لكنها خرجت من منطقة الصمت. ومن يخرج من منطقة الصمت يدخل حتمًا منطقة الصراع، ثم منطقة التفاوض. وهذا، في المدى البعيد، قد يكون أهم تحول شهدته هذه العلاقة منذ عقود.
