وحدة الدراسات الاقتصادية

تحدٍّ جديد: مواجهة الأثر الاقتصادي للتغير المناخي

يُشكل التغير المناخي تحديًا ضخمًا للاقتصادات على المدى الطويل، حيث يهدد أغلب القطاعات بشكل مباشر و/أو غير مباشر، كما يهدد التنمية البشرية. على سبيل المثال، وفقًا لأطلس أهداف التنمية المستدامة 2020 بناء على مؤشرات البنك الدولي، فإن التغير المناخي يهدد القطاع الزراعي وإنتاج الغذاء، والطاقة، والبنية التحتية، وغيرها من الموارد والقطاعات. الأمر الذي يشير إلى أهمية الالتزام بهدف التنمية المستدامة رقم 13 للحد من الانبعاثات وتعزيز المرونة وقدرة الاقتصادات على مكافحة والتكيف مع الأخطار ذات الصلة بالمناخ والكوارث الطبيعية، والتي ستزداد خطورة سنويًا. يُناقش هذا المقال الآثار الاقتصادية الناجمة عن التغير المناخي. أولًا- أثر التغير المناخي الاقتصادي: وفقًا لأطلس أهداف…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

يُشكل التغير المناخي تحديًا ضخمًا للاقتصادات على المدى الطويل، حيث يهدد أغلب القطاعات بشكل مباشر و/أو غير مباشر، كما يهدد التنمية البشرية. على سبيل المثال، وفقًا لأطلس أهداف التنمية المستدامة 2020 بناء على مؤشرات البنك الدولي، فإن التغير المناخي يهدد القطاع الزراعي وإنتاج الغذاء، والطاقة، والبنية التحتية، وغيرها من الموارد والقطاعات. الأمر الذي يشير إلى أهمية الالتزام بهدف التنمية المستدامة رقم 13 للحد من الانبعاثات وتعزيز المرونة وقدرة الاقتصادات على مكافحة والتكيف مع الأخطار ذات الصلة بالمناخ والكوارث الطبيعية، والتي ستزداد خطورة سنويًا. يُناقش هذا المقال الآثار الاقتصادية الناجمة عن التغير المناخي.

أولًا- أثر التغير المناخي الاقتصادي:

وفقًا لأطلس أهداف التنمية المستدامة 2020 بناء على مؤشرات البنك الدولي، وبالنظر للهدف رقم 13 للعمل المناخي، ففي الفترة بين 2010 و2019، أكثر من مليار و370 مليون شخص قد تأثروا بشكل ضخم بالتغير المناخي، مثل: المعاناة من الفيضانات، أو الجفاف، أو موجات الحرارة المرتفعة أو المنخفضة بشدة. إضافة إلى ذلك، بحلول عام 2050، من المتوقع أن يتم إجبار أكثر من 140 مليون فرد على الهجرة داخل الحدود الوطنية لتجنب أسوأ آثار التغير المناخي.

ووفقًا لشركة إعادة التأمين السويسرية المحدودة “Swiss Re”، في أبريل وبناء على مؤشر اقتصاديات المناخ الجديد الذي يختبر تأثير تغير المناخ على 48 دولة، والتي تمثل حوالي 90% من الاقتصاد العالمي، ويصنف قدرة هذه الدول على التكيف مع تغير المناخ بشكل عام؛ فإن تأثير الجائحة على الناتج المحلي الإجمالي يعتمد على حجم وشدة التغير المناخي، ومدى تدخل الحكومات للسيطرة على الانبعاثات. السيناريو الأول والأفضل هو أن يتأثر الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 4% فقط بحلول عام 2050 عما إذا لم يكن هناك تغير مناخي في حالة تحقيق أهداف اتفاقية باريس، وبلوغ التغير في الاحترار العالمي أقل من درجتين مئويتين سنويًا. السيناريو الثاني أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 11% بحلول عام 2050 إذا تم اتخاذ إجراءات للحد من الانبعاثات، ولكن بلغت الزيادة في الاحترار العالمي درجتين مئويتين. السيناريو الثالث أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 14% بحلول عام 2050 إذا تم اتخاذ إجراءات بشكل أقل، وبلوغ الزيادة في الاحترار العالمي 2.6 درجة مئوية. السيناريو الأخير أن يتأثر الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 18% بحلول عام 2050 إذا لم تتخذ أي إجراءات، وبلوغ الزيادة في الاحترار العالمي 3.2 درجات مئوية.

إضافة إلى ذلك، فإن تأثر الاقتصادات سيكون متفاوتًا، حيث سيكون التأثير على دول آسيا الأشد، مع احتمالية تأثر الناتج المحلي الإجمالي للصين بنسبة تصل إلى 24% في الحالات الأكثر خطورة. بينما يكون تأثر الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة أقل حدة ليصل إلى 10% ولأوروبا 11%.

من ناحية أخرى، أثرت كورونا على العديد من القطاعات التي تشمل ولكن لا تقتصر على قطاع الزراعة والثروة الحيوانية، والطاقة، والتأمين، والبنية التحتية، وصحة الأفراد وإنتاجيتهم. 

أولًا: يُعد تأثير التغير المناخي الأشد على قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والصيد، وفقًا لمقال بعنوان “كيف يؤثر تغير المناخ على الاقتصاد؟” المقدم من مدرسة كولومبيا للمناخ في يونيو 2019، ووفقًا لتقرير بعنوان “حقائق تغير المناخ وتأثيره على الاقتصاد” المقدم من موقع “ذا بالانس” “The Balance” في أبريل 2021، حيث تسببت أحداث هطول الأمطار الغزيرة التي ارتفعت بشكل هائل في الأعوام الأخيرة (على سبيل المثال بنسبة 37% في الغرب الأوسط منذ الخمسينيات) وذوبان الثلوج في حدوث فيضانات تاريخية، الأمر الذي أدى إلى فقدان الحقول والمواشي، وبالتالي انخفاض في المعروض من المواد الغذائية على الرغم من تزايد الطلب، وهو ما يؤثر على الأمن الغذائي وارتفاع أسعار المواد الغذائية. هذا بالإضافة إلى أثر درجات الحرارة المرتفعة، حيث إنه وفقًا لموقع “fileunemployment.org”، وهو موقع خاص بتقديم نظرة عامة عن وضع الاقتصاد والعمالة، وبناء على منظمة العمل الدولية؛ فمن المتوقع أن تواجه مصايد الأسماك العالمية خسائر بحوالي 2 تريليون دولار بحلول عام 2100، وانخفاض إنتاج الأسماك المستدامة العالمية بنسبة 4.1%. هذا بالإضافة إلى خسارة بعض الدول مثل المملكة المتحدة (ساحل نيو إنجلاند) حوالي 16% من الوظائف في الفترة بين 1996 و2017. إضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تبلغ الخسائر في عدد ساعات العمل في قطاع الزراعة 60% عالميًا بحلول عام 2030.

ثانيًا: على الرغم من أن قطاع الطاقة يعد من القطاعات الأساسية التي تتسبب في الاحتباس الحراري وتغير المناخ، إلا أن القطاع أيضًا يتأثر بشكل كبير بالتغير المناخي والكوارث المتأثرة بالتغير المناخي مثل الأعاصير والجفاف وغيرها من المخاوف. وقد شهد قطاع التعدين بالفعل انخفاضًا من 150 ألف وظيفة في الثمانينيات إلى 53 ألف وظيفة فقط في يوليو 2018.

ثالثًا: أدت الكوارث الناجمة عن تغير المناخ إلى خسائر فادحة في قطاع التأمين. وفي الولايات المتحدة فقط -وهي الدولة صاحبة رابع أعلى نصيب للفرد من الانبعاثات في 2018- أدت التقلبات في الطقس إلى خسائر بنحو تريليون و875 مليار دولار في الفترة من 1980 إلى 2020، وهو ما يؤدي إلى زيادة تكلفة التأمين بشكل يؤدي إلى عدم قدرة العديد من الأفراد والشركات على تحمل التكاليف. وعلى سبيل المثال، أدت حرائق الغابات الأخيرة في كاليفورنيا إلى حرق حوالي 260 ألف فدان من الأراضي وانتشرت على مساحة أكثر من 105 ألف هكتار. 

إضافة إلى أن التغيرات المناخية تؤدي إلى خسائر في البنية التحتية بشكل أساسي بسبب ارتفاع مستويات البحار، وهو ما يشمل الأضرار في المساكن والسكك الحديدية والأراضي بشكل عام. الأمر الذي قد يؤدي إلى خسائر تقدر بتريليونات الدولارات. أخيرًا: سيؤثر التغير المناخي على صحة وإنتاجية الأفراد، وسيرفع من معدلات الوفاة الناجمة عن درجات الحرارة القصوى. وفي الولايات المتحدة، إذا ارتفعت درجات الحرارة بنحو 4.5 درجات مئوية بحلول 2090، فمن المتوقع أن تبلغ الخسائر في ساعات العمل 2 مليار ساعة بحلول 2090، وأن تبلغ الخسائر في الأجور حوالي 160 مليار دولار.

ثانيًا- أبرز الجهود للوصول إلى هدف صافي الانبعاثات:

في حين أن أهداف التنمية المستدامة وأهداف صافي الانبعاثات بحول عام 2050 هي مجرد أهداف؛ إلا أن تحقيقها سيتطلب تغييرًا في القوانين الحالية وتطبيق أخرى جديدة. وفقًا لمقال “ذا إيكونيميست” “The Economist” بعنوان “ما هي الصفقة الأوروبية الخضراء؟” في 1 يونيو 2021، فإن أحد هذه القوانين قانون المناخ الأوروبي الذي من شأنه ضمان تحقيق هدف صافي الانبعاثات صفر بحلول عام 2050، وخفض الانبعاثات على الأقل بنسبة 55% عن مستويات 1990 بحلول عام 2030. وبناء على تقديرات المفوضية الأوروبية، فإن أهداف الاتحاد الأوروبي لعام 2030 التي تتعلق بالمناخ والطاقة ستكلف الاتحاد الأوروبي حوالي 260 مليار يورو سنويًا. 

إضافة إلى ذلك، تحتاج الصفقة الأوروبية الخضراء، وهي وثيقة تفصيلية تم توفيرها من قبل المفوضية الأوروبية (وهي الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي) في ديسمبر 2019 عن كيفية تحقيق هدف الانبعاثات الصفرية بحلول 2050 والحد من التغير المناخي لينخفض التغير في المناخ إلى 1.5-2 درجة مئوية فوق متوسط ما قبل العصر الصناعي؛ لاستثمارات بقيمة تريليون يورو على مدى عشر سنوات. وستختلف الدول على كيفية صرف هذا القدر من الاستثمارات إذا تم توفرها. فسكان الشمال والغرب يفضلون استثمار هذه الأموال في التكنولوجيا مثل البطاريات وشبكات الطاقة. بينما يفضل سكان الجنوب والشرق بصرف هذه الأموال عن طريق دعم الاقتصادات خلال الفترة الانتقالية. يرجع ذلك -إلى حد كبير- إلى ثروة هذه الاقتصادات واهتمامها بالحد من الانبعاثات، حيث أعلنت بولندا بالفعل أنها لن تلتزم بهدف 2050.

كما اقترح الرئيس “جو بايدن” تخصيص 14 مليار دولار من الميزانية للسياسات والبرامج التي تتعلق بتغير المناخ. كما أن إدارة “بايدن” ستطلب من الكونجرس 1.2 مليار دولار لصندوق المناخ الأخضر، وهو ما يعد أول طلب للمساعدة الدولية في مجال تغير المناخ منذ عام 2017.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة