وحدة الدراسات الأمريكية

“إعادة بناء عالم أفضل”: مبادرة أمريكية لمواجهة “الحزام والطريق” الصينية

أعلن قادة دول مجموعة السبع G7 خلال قمة هذا العام في كورنوال عن إطلاق مبادرة عالمية طموحة تسمى “إعادة بناء عالم أفضل” Build Back Better World (B3W) لتلبية المتطلبات التمويلية الهائلة لاحتياجات البنية التحتية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وتعتبر هذه المبادرة المرة الأولى التي تقدم فيها الدول الغربية بديلًا تمويليًا لمنافسة مبادرة “الحزام والطريق” الصينية التي أُطلقت عام 2013. وعلى الرغم من انتشار مصطلح “إعادة بناء أفضل” منذ عدة سنوات ماضية، إلا أن اسم المبادرة يظهر بها كثيرًا التأثر بشعارات وسياسات كل من الرئيس الأمريكي جو بايدن ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. فإعادة البناء بشكل أفضل هو شعار الحملة…

كريم حسن

أعلن قادة دول مجموعة السبع G7 خلال قمة هذا العام في كورنوال عن إطلاق مبادرة عالمية طموحة تسمى “إعادة بناء عالم أفضل” Build Back Better World (B3W) لتلبية المتطلبات التمويلية الهائلة لاحتياجات البنية التحتية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وتعتبر هذه المبادرة المرة الأولى التي تقدم فيها الدول الغربية بديلًا تمويليًا لمنافسة مبادرة “الحزام والطريق” الصينية التي أُطلقت عام 2013. وعلى الرغم من انتشار مصطلح “إعادة بناء أفضل” منذ عدة سنوات ماضية، إلا أن اسم المبادرة يظهر بها كثيرًا التأثر بشعارات وسياسات كل من الرئيس الأمريكي جو بايدن ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. فإعادة البناء بشكل أفضل هو شعار الحملة الرئاسية لجو بايدن خلال الانتخابات في عام 2020، واقترح بايدن خطة تحت اسم “إعادة بناء أفضل” كحزمة تمويلية للبنية التحتية من أجل تحفيز الاقتصاد الأمريكي. أما في بريطانيا، فاتخذ بوريس جونسون شعار “إعادة بناء أفضل” اسمًا لبرنامج الحكومة البريطانية للتعافي من التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا من خلال الاستثمار الضخم في البنية التحتية والابتكار. وبالتالي، من الممكن اعتبار هذه المبادرة العالمية الجديدة امتدادًا للسياسات الاقتصادية الحالية للولايات المتحدة وبريطانيا في مرحلة ما بعد جائحة كورونا، والتي تولي اهتمامًا كبيرًا بتطوير وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية. علاوة على ذلك، تأتي المبادرة في إطار السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد جو بايدن، والتي تتبنى نهجًا أكثر صرامة حيال الصين وتواجهها مباشرة وبشكل غير مباشر، وتحرص على حشد حلفاء الولايات المتحدة لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد دوليًا.

محاور وتمويل المبادرة

جاء في بيان صادر عن البيت الأبيض والبيان الختامي لقمة مجموعة السبع إعلان اتفاق قادتها على إطلاق مبادرة “إعادة بناء عالم أفضل” كمبادرة عالية المعايير ترتكز على المبادئ وسياسات الشراكة والشفافية بقيادة الديمقراطيات الكبرى بالمجموعة بهدف المساهمة في تضييق الفجوة التمويلية من احتياجات البنية التحتية في العالم النامي والمقدرة بما يزيد على 40 تريليون دولار، والتي قد تفاقمت بسبب جائحة كورونا. فضلًا عن ذلك، أشار البيانان إلى أن المبادرة ستوجه أدوات تمويل التنمية أيضًا نحو مجموعة من التحديات الأخرى التي تواجه البلدان النامية مثل تكنولوجيات مواجهة آثار تغير المناخ، والنظم الصحية، وتطوير الحلول الرقمية، وتعزيز المساواة بين الجنسين، والتعليم.

لم يتمّ التطرق تفصيليًا لحجم التمويل الذي تسعى المبادرة لتوفيره، وتم الاكتفاء بالإشارة إلى أنها ستصل جماعيًا إلى حجم استثمارات تقدر بمئات المليارات من الدولارات للبنية التحتية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل وذلك في السنوات القادمة. أما فيما يتعلق بآلية التمويل فقد أبدت الولايات المتحدة فقط استعدادها لتوظيف الإمكانات الكاملة لأدوات تمويل التنمية الموجودة بالفعل لديها، والتي تعد من أبرزها مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية، والوكالة الأمريكية التنمية الدولية، وبنك التصدير والاستيراد للولايات المتحدة، وغيرها من المؤسسات الحكومية. فضلًا عن ذلك، تعهدت الولايات المتحدة بمشاركة رؤوس أموال القطاع الخاص، وبنوك التنمية متعددة الأطراف، وغيرها من المؤسسات المالية الدولية في تمويل هذا الاستثمار المستدام في البنية التحتية.

اختلافات بين المبادرتين الصينية والغربية

تصدّرت الصين جدول نقاشات قمة مجموعة السبع، وتم تقديم مبادرة “بناء عالم أفضل” على أنها بديل أفضل من مبادرة “الحزام والطريق”. وتشير المبادرة مثلًا إلى أنها ترتكز على المبادئ والشفافية في مقابل البديل الصيني الذي يواجه في الغرب انتقادات شديدة بشأن ما يشار إليه عن اعتماد الصين على دبلوماسية فخ الديون، وسلوك الاقتصاد الافتراسي في تقديمها للقروض للدول النامية. وتواجه الصين كذلك انتقادات بسبب افتقار مشروعاتها للاستدامة البيئية وتجاهل آثار تغير المناخ.

ومن الممكن أيضًا اعتبار مبادرة “الحزام والطريق” كسياسة للدولة الصينية منفردة ومشروع بقيادة الرئيس الصيني شي جين بينغ، ويتم تمويل غالبية مشروعات المبادرة من خلال بنوك حكومية صينية وصندوق استثماري مملوك للدولة. أما “إعادة بناء عالم أفضل” فإنها تتعدد أطرافها ومصادر تمويلها، فهي تضم أعضاء مجموعة السبع بما فيها من مؤسسات حكومية تنموية مختلفة. وكما سبقت الإشارة، تعهدت الولايات المتحدة بأن تكون عملية تمويل المبادرة معتمدة على مشاركة متعددة الأطراف من خلال القطاع الخاص، وبنوك التنمية الدولية، والمؤسسات المالية الدولية.

وتختلف المبادرتان في النظرة الاستراتيجية العامة، ففي حين تهدف مبادرة “الحزام والطريق” الصينية إلى إعادة إحياء طريق الحرير للتجارة القديمة وإنشاء حزام اقتصادي لربط قارات آسيا بأوروبا وإفريقيا مما يساهم في تعزيز النفاذ الصيني عالميًا؛ فلا تقدم مبادرة “إعادة بناء عالم أفضل” أي هدف جيوسياسي موحد لدول مجموعة السبع باستثناء احتواء التوسع الصيني بشكل غير مباشر، لكنها بالأساس حسب ما أُعلن عنه مبادرة ذات غرض تنموي.

وبالرغم من تقديم الولايات المتحدة للمبادرة باعتبارها تحديًا لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، إلا أنه من الملاحظ بالنظر إلى محاور “إعادة بناء عالم أفضل” -كما سبقت الإشارة- أنها ترتكز على الاستثمارات في المناخ، والصحة، والتكنولوجيا، والمساواة بين الجنسين، والتعليم؛ في حين لا تعتبر تلك المجالات أولوية رئيسية في المبادرة الصينية، التي تركز على الاستثمارات في مشروعات البنية التحتية الكبرى، بما في ذلك الموانئ والطرق وخطوط السكة الحديدية.

فرص وتحديات “إعادة بناء عالم أفضل”

تتسم مبادرة تفاصيل “إعادة بناء عالم أفضل” بطموح يشمل مجالات متعددة الأبعاد صعبة التحقيق، منها تطوير البنية التحتية والصحة والمناخ والتعليم والرقمنة، إلا أن مسألة التمويل تظل تمثل التحدي الأكبر لتنفيذ المبادرة على أرض الواقع. فلم يتم مثلًا الإعلان أو الاتفاق على ميزانية المبادرة وآلية التمويل والجدول الزمني لها. ويظل كذلك التساؤل عن المعايير المحددة للمشروعات المسماة “إعادة بناء عالم أفضل”، مما يعني أنه لا توجد تفاصيل رسمية بالنسبة للتمويل الذي سيتم تحديده على أنه تسهيل من خلال مبادرة مجموعة السبع.

وتجدر الإشارة إلى أن الصين تُعد أكبر دائن رسمي في العالم متجاوزة المقرضين الرسميين التقليديين، مثل البنك الدولي، أو صندوق النقد الدولي، وجميع الحكومات الدائنة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مجتمعة. لذلك، تعتبر الصين أكبر مصدر لتمويل التنمية في العالم، ويتجاوز إقراضها أي مؤسسة متعددة الأطراف أو أي إقراض ثنائي. إلا أنه -في الوقت نفسه- هناك دلائل على ضآلة حجم التمويل المقدم من خلال مبادرة “الحزام والطريق” حتى مع نمو عدد الدول المشاركة. وبالتالي، هناك فرصة أمام مجموعة السبع لتعبئة تمويل كافٍ لمنافسة الاستثمار الصيني في البنية التحتية، والذي انخفض في عام 2019 ليصل إلى أقل من 10 مليارات دولار أمريكي للمرة الأولى منذ إطلاق مبادرة “الحزام والطريق”.

ومع وجود فجوة تمويلية لاحتياجات البنية التحتية في العالم النامي مقدرة بما يزيد على 40 تريليون دولار، قد تتزايد صعوبة تعبئة التمويل بين أصحاب المصلحة المتعددين لمبادرة “إعادة بناء عالم أفضل”. فالرئيس الأمريكي نفسه يواجه قيودًا من الكونجرس من أجل اعتماد خطة بنية تحتية خاصة بالولايات المتحدة وحدها، ومن غير الواضح كيف سيتم توحيد جهود مؤسسات التمويل الأمريكية المشار إليها عاليه لتوفير المتطلبات التمويلية الضخمة. ومن المتوقع أيضًا وجود صعوبة في تعبئة الشراكات مع رؤوس أموال القطاع الخاص لتمويل هذه المبادرة، أو حث مؤسسات التمويل الدولية على زيادة التزاماتها، وهي التي عادةً ما تفرض مشروطية على القروض. وكذلك، لا تتضح مسئولية دول مجموعة السبع في دعم التمويل لهذه المبادرة، وذلك حسب إمكانياتها الاقتصادية المتباينة.

خلاصة القول، إنه منذ انتخابه في يناير الماضي، اتضح وضع جو بايدن هدفًا رئيسيًا لسياسته الخارجية، وهو العمل مع الحلفاء لمواجهة الصين. وفي هذا الإطار، قدم قادة مجموعة السبع مبادرة “إعادة بناء عالم أفضل” لتمويل البنية التحتية في البلدان النامية لمنافسة مبادرة “الحزام والطريق” الصينية مع وجود تحديات لتحقيق طموحها، بالإضافة إلى عدم وضوح تفاصيل كثيرة بها ربما قد لا تظهر حتى موعد قمة مجموعة السبع العام القادم برئاسة ألمانيا، والتي تختلف طبيعة سياستها الخارجية تجاه الصين عن الولايات المتحدة.

كريم حسن