مقال تحليلي

لماذا لا تعكس بورصة مصر مؤشرات الأداء الاقتصادي؟

على الرغم من المؤشرات الجيدة التي حققها الاقتصاد المصري بعد تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي؛ إلا أن أداء سوق الأوراق المالية كان أقل من باقي الأسواق المالية في العالم خلال الأعوام الثلاثة الماضية. حيث أثمر ذلك البرنامج، الذي جاء بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، معدل نمو تجاوز 5% في الفترة ما بين عامي 2017 و2019، أي قبل كورونا، كما أكسب الاقتصاد مرونة سمحت له بتجاوز أزمة كورونا بعد ذلك، إلا أن ذلك لم ينعكس على مؤشرات البورصة التي أخذت اتجاهات منخفضة. فما هي أسباب ذلك؟. مؤشرات الأداء (*) بالنظر إلى أداء سوق الأوراق المالية المصري مقاسًا بأداء المؤشر الثلاثيني منذ بداية…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

على الرغم من المؤشرات الجيدة التي حققها الاقتصاد المصري بعد تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي؛ إلا أن أداء سوق الأوراق المالية كان أقل من باقي الأسواق المالية في العالم خلال الأعوام الثلاثة الماضية. حيث أثمر ذلك البرنامج، الذي جاء بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، معدل نمو تجاوز 5% في الفترة ما بين عامي 2017 و2019، أي قبل كورونا، كما أكسب الاقتصاد مرونة سمحت له بتجاوز أزمة كورونا بعد ذلك، إلا أن ذلك لم ينعكس على مؤشرات البورصة التي أخذت اتجاهات منخفضة. فما هي أسباب ذلك؟.

مؤشرات الأداء

(*) بالنظر إلى أداء سوق الأوراق المالية المصري مقاسًا بأداء المؤشر الثلاثيني منذ بداية عام 2018 وحتى نهاية يوليو 2021 (فترة عامين ونصف العام)، فقد انخفض أداء المؤشر الثلاثيني بنسبة 28.5% (أعلى نقطة 18363 تحققت في مايو 2018، وأقل نقطة 8756 تحققت في مارس 2020)، وهو يعد الأقل في حال المقارنة مع البلدان العربية الأخرى (مؤشر TASI في المملكة العربية السعودية، ومؤشر DFMGI في بورصة دبي)، حيث حققت تلك المؤشرات أداء سلبيًا بنسبة -18.92% لمؤشر دبي، وأداء صاعدًا بنسبة +53.56% بالنسبة لمؤشر السعودية.

 (*) في حال تغيير فترة الأساس لتكون مارس 2020، فقد كان أداء السوق السعودي هو الأفضل خلال تلك الفترة (منذ مارس 2020 وحتى يوليو 2021)، حيث ارتفع سوق الأوراق المالية بالمملكة TASI بنسبة 75.16%، وجاء أداء سوق دبي في المركز الثاني محققًا أداء إيجابيًا بنسبة 40.85% بينما كان أداء سوق الأوراق المالية المصري الأقل بين الأسواق العربية محققًا أداء بنسبة 5.85%. لكن هل يعني ذلك أن سوق الأوراق المالية المصري غير جذاب؟.

تسعير السوق

(*) يتمّ قياس تسعير السوق للوقوف على مدى جاذبية تلك الأسهم للشراء من عدمه من خلال نسبة تسمي مضاعف الربحية (القيمة السوقية لرأس مال الشركة مقسومًا على ربحية الشركة، أو قسمة سعر السهم الواحد على نصيب السهم من الأرباح)، ووفقًا لتلك النسبة يكون المؤشر/ السهم أكثر جاذبية إذا كانت النسبة منخفضة، وأقل جاذبية حال كانت تلك النسبة مرتفعة.

(*) يبلغ مضاعف الربحية للمؤشر الثلاثيني 9.48 مرات، وفي حالة مقارنة ذلك المضاعف مع الأسواق بالمنطقة، مثل السوق السعودي ممثلًا في مؤشر TASI، أو السوق الإماراتي ممثلًا في مؤشر DFMGI؛ فإن مضاعفات الربحية لتلك الأسواق تبلغ 32.4 و12.43 على التوالي، مما يعني أن الأسهم بالسوق المصرية أفضل من الأسهم بالأسواق المجاورة، وفي حال المقارنة تاريخيًا مع متوسط ثلاث سنوات لمضاعف الربحية للمؤشر الثلاثيني البالغ 11.38 مرة؛ فإن تسعير الأسهم بالسوق في الوقت الحالي أكثر جاذبية من المتوسط التاريخي. ويُشير هذا التحليل إلى أن المشكلة ليست بالأساس في تسعير أسهم الشركات المصرية، حيث إن أسعارها جذابة للغاية، فلماذا لا يُقبل المستثمرون على الاستثمار بسوق الأوراق المالية المصري؟.

عزوف المستثمرين

(*) لتفسير عزوف المستثمرين عن الاستثمار بسوق الأوراق المالية يمكن النظر من وجهة نظر المستثمرين الذين يرغبون في الاستثمار بسوق قوي تتعاظم قيم رأس ماله، وهو أمر غير موجود بسوق الأوراق المالية المصري، حيث انخفضت قيمة رأس المال السوقي من 800 مليار جنيه في عام 2018، وصولًا إلى 707 مليارات جنيه (وفقًا لتداولات تاريخ 01 أغسطس 2021)، ومن ثم فإن ذلك الحجم الضعيف لرأس المال السوقي مقارنة ببقية الأسواق بالمنطقة يضع وزنًا ضئيلًا لمصر بالمؤشرات العالمية مثل مؤشر مورجان ستانلي للأسواق الناشئة (0.6945) وهو ما يقلل حجم الأموال التي يتم تخصيصها للاستثمار بسوق الأوراق المالية المصري.

(*) سبب آخر لا يمكن إغفاله هو ما حدث للبنك التجاري الدولي الذي يُعد أحد الأسهم القيادية بالسوق، والذي كان يستحوذ على نسبة كبيرة من استثمارات الأجانب بالبورصة المصرية، حيث إن تدخل البنك المركزي في تغيير مجلس إدارة البنك مع عدم تقديم تقرير يفصح عن المخالفات التي تسببت في اتخاذ البنك المركزي لذلك القرار، وتكوين البنك التجاري الدولي لمخصصات كبيرة لمواجهة تلك المخالفات؛ دفعت بالمستثمرين الأجانب والمؤسسات للخروج من سهم التجاري الدولي صاحب أكبر حجم رأس مال سوقي بالبورصة المصرية، ونقل مستويات التداول بالسوق من مستويات 13000 – 15000 إلى ما بين 9000 – 12000.

(*) دفعت تلك المستويات المنخفضة والأداء السلبي للسوق إلى هروب أموال أخرى للأسواق المجاورة، خاصة أن الأسواق المجاورة تحقق مكاسب أفضل للمستثمرين، لا سيما السوق السعودي نتيجة لارتباطه بالارتفاع في أسعار النفط عالميًا. وبرغم صعوبة تحديد الأسباب التي تدفع الأسواق المالية إلى التحرك في اتجاه محدد، حيث إنها مجموعة من العوامل المتداخلة التي تمت الإشارة إليها التي تؤثر على مستوى السيولة بالسوق؛ فإن مستوى السيولة يحدد فرص طرح ودخول شركات جديدة (سيولة منخفضة تعني شركات أقل)، وكذلك نظم الإفصاح وحرية تبادل المعلومات بالسوق، خاصة أن بعض الأسهم بالبورصة المصرية تحقق ارتفاعات كبيرة في فترات صغيرة جدًا، ثم تنخفض بشكل كبير مسببة خسائر كبيرة للمستثمرين من الأفراد، وعدم وجود آليات كافية للتداول بالسوق مثل البيع الهامشي (يعني إمكانية اقتراض الأسهم وبيعها ومن ثم تحقيق أرباح في أوقات الانخفاض في الأسواق).

(*) مع ذلك، هناك بعض العوامل الإيجابية التي تشير إلى أن الفرصة ما زالت قائمة أمام السوق المالي المصري لتحقيق أداء إيجابي، يتمثل أهمها في إصدار هيئة الرقابة المالية لقانون 108 الخاص بإفصاح الشركات المقيدة بسوق الأوراق المالية المصري عن الممارسات البيئية والمجتمعية والحوكمة الذي من المنتظر أن يجذب شريحة جديدة من صناديق الاستثمار المهتمة بالاستثمار في أسهم منخفضة الأثر على البيئة. يُضاف لذلك إعلان صندوق النقد الدولي عن توقعه أن يحقق الاقتصاد المصري معدل نمو إيجابيًا بنسبة 5.2% في العام المالي 2021/2022. أخيرًا، إعلان البنك المركزي عن ارتفاع صافي الأصول الأجنبية بالعملات الأجنبية لدى البنوك بقيمة 78 مليون دولار أمريكي لتصل إلى 1.73 مليار دولار في شهر يونيو محققة زيادة قدرها 388 مليون دولار في الأصول الأجنبية، وهو ما يعكس حقيقة التحسن الإيجابي بالاقتصاد المصري خلال الفترة الحالية.

نقلا عن تقديرات مصرية

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة