الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية

حل الدولتين: فرص استئناف المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية

تزايدت الدعوات لبدء محادثات تنتهي بتسوية سلام على أساس حل الدولتين بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ استغلالًا للزخم الحادث عقب الحرب بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة التي استمرت 11 يومًا. وقد اتسعت الدعوات لتشمل حيزًا على المستوى الرسمي في الداخل الفلسطيني، وعلى المستوى الإقليمي في التصريحات الصادرة عن الدول العربية، وعلى المستوى الدولي على لسان مسئولين في البيت الأبيض، كان أحدثها هو تأكيد نائبة الرئيس الأمريكي “كاميلا هاريس” لإسرائيل (9 أغسطس 2021) على دعم واشنطن لحل الدولتين. تتلاطم الدعوة لتسوية سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين أمام عراقيل يأخذ بعضها مستوى جذريًا، وبين فرص تكتيكية يبدو بعضها أنها فريدة ولكن دون تقدير…

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية

تزايدت الدعوات لبدء محادثات تنتهي بتسوية سلام على أساس حل الدولتين بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ استغلالًا للزخم الحادث عقب الحرب بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة التي استمرت 11 يومًا. وقد اتسعت الدعوات لتشمل حيزًا على المستوى الرسمي في الداخل الفلسطيني، وعلى المستوى الإقليمي في التصريحات الصادرة عن الدول العربية، وعلى المستوى الدولي على لسان مسئولين في البيت الأبيض، كان أحدثها هو تأكيد نائبة الرئيس الأمريكي “كاميلا هاريس” لإسرائيل (9 أغسطس 2021) على دعم واشنطن لحل الدولتين.

تتلاطم الدعوة لتسوية سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين أمام عراقيل يأخذ بعضها مستوى جذريًا، وبين فرص تكتيكية يبدو بعضها أنها فريدة ولكن دون تقدير حقيقي لما إذا كان يمكن التعويل عليها.

تحديات جذرية

صرّح وزير خارجية الولايات المتحدة “أنتوني بلينكن” بأن “تسوية سلام في الشرق الأوسط تحتاج إلى مساعدة من الإسرائيليين والفلسطينيين”. ويؤشر التصريح إلى أن هناك عراقيل تحتاج إلى إرادة حقيقية من الطرفين، يمكن إبراز أهمها فيما يلي:

1.المستوطنات: أخذت عملية بناء المستوطنات وتيرة عالية في إسرائيل؛ نتيجة الدعم اليميني الكامل من الحكومة الإسرائيلية، والدعم الأمريكي إبان فترة حكم “دونالد ترامب”. فوصل عدد بناء الوحدات الاستيطانية في عام واحد من يناير 2020 (الإعلان عما أسمتها الولايات المتحدة “صفقة القرن”) حتى ديسمبر 2020 إلى ما يزيد على 12500 وحدة، وهو الرقم الأكبر في تاريخ إسرائيل.

احتلت المستوطنات رمزًا بارزًا في السياسة الإسرائيلية؛ لهدفين اثنين رئيسيين: (1) بهدف هندسة المجتمع الإسرائيلي اليميني المتطرف، وبالتحديد لدى التيار اليميني “القومي” المتطرف (مثل الصهيونية الدينية)، وكذلك التيار الحريدي بالطبع. بعبارات بسيطة: زيادة عدد المنتسبين للتيار اليميني المتطرف بجناحيه (القومي) و(الديني). وترسيخ قيم اليمين المتطرف في المجتمع الإسرائيلي في منطقة جغرافية محددة هي الضفة الغربية التي يطلبها الفلسطينيون لإقامة دولتهم. 

(2) اعتبارها عامل بقاء واستمرار للحكومة الإسرائيلية، إذ شكلت المستوطنات مطلبًا معيشيًا لدى المجتمع الإسرائيلي المتطرف، وفي الوقت ذاته أداة شرعية تضاف لرصيد الحكومة في إسرائيل.

وعليه، زادت ديموغرافيا التيار اليميني المتطرف في إسرائيل بفضل زيادة المستوطنات والمستوطنين في الضفة الغربية، وزادت قوة الأحزاب اليمينية، وبالتالي باتت المطالبة ببناء المزيد مطلبًا لا يمكن التنازل عنه.

2. التيار اليميني “الحركي”: برزت ظاهرة فريدة قبيل أحداث الشيخ جراح، وهي تزايد نفوذ الحركات السياسية الإسرائيلية المحسوبة على التيار اليميني القومي المتطرف، مثل حركة “لهافا” التي تدعو إلى طرد العرب ونبذ التعايش معهم، والحركات التابعة أيديولوجيًا للتنظيم الإرهابي “حركة كاخ”، مثل حركة “لا فاميليا”.

أصبحت تنتسب بعض هذه الحركات الاجتماعية السياسية إلى أحزاب سياسية نخبوية في إسرائيل، مثل حزب عوتسماه يهوديت الذي يتزعمه إيتامار بن جفير، والذي يعد مؤسسًا لحركة لهافا المتطرفة بعد أن ترك الحركة ليتفرغ لإدارة الحزب السياسي. وتجدر الإشارة إلى أن حزب عوتسماه يهوديت نجح في دخول الكنيست بعد الانتخابات الأخيرة ضمن ائتلاف حزبي صاعد. وتُظهر استطلاعات الرأي (بعد انتهاء حرب غزة) تزايد عدد مقاعده من مقعدين إلى ثلاثة مقاعد (وهي زيادة فارقة في تاريخ الحزب).

تعّدت الحركات السياسية المذكورة حدود المجال العام السياسي المؤسسي في إسرائيل، لتقتحم بُعدًا جديدًا هو الدعوة للنزول إلى الشارع ومواجهة الفلسطينيين في الضفة الغربية، أو في القدس، أو مواجهة عرب 48 في المدن المختلطة بالقوة المسلحة؛ مبررين ذلك بأن أجهزة الأمن الإسرائيلية لم تنجح في حماية اليهود (على حد تعبيرهم).

ترفض هذه الحركات وممثلوها الحزبيون فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية، ويذكر أن “نفتالي بينيت” زعيم حزب يمينا (المحسوب على التيار القومي المتطرف: الصهيونية الدينية) قد رفض “صفقة القرن” (خطة السلام الأمريكية التي قدمتها إدارة ترامب يناير 2020) لأنها تمنح الفلسطينيين مبدأ إقامة الدولة.

3. يمينية الرأي العام الإسرائيلي: أظهرت استطلاعات الرأي الإسرائيلية (المعهد الإسرائيلي للديمقراطية: مايو 2021) أن 60% لا يرون في الحرب على غزة أنها تحركها دوافع سياسية من نتنياهو للبقاء في الحكم (وهي نسبة مرتفعة). كما أن 68% يعتقدون أنه ينبغي على الحكومة مواصلة الحرب في غزة لاستعادة الجنود الأسرى الإسرائيليين.

كما أن نصف المجتمع الإسرائيلي (50%) لا يرى الحاجة في استثمار موارد الدولة في المناطق التي تضم عرب 48. ويؤثر بنسبة بالغة في هذا الاتجاه المجتمع اليميني المتطرف في إسرائيل، إذ يرى 33% فقط منهم ضرورة تخصيص الأموال والاستثمار في المجتمعات العربية في الداخل.

ويمكن القول إن الرأي العام الإسرائيلي المائل إلى تبني قيم اليمين المتطرف يشجع على مواصلة العنف ضد الفلسطينيين في غزة، ولا يرى ضرورة في احتواء الفلسطينيين في الداخل. ويستدل في ذلك على تقدير معهد أبحاث الأمن القومي (5 أغسطس) أن الرأي العام في إسرائيل يدفع حكومة إسرائيل للدخول في حرب مع حزب الله على إثر تبادل المناوشات بين الطرفين.

4. الانقسام بين فتح وحماس: يزيد على الانقسام الممتد بين أكبر فصيلين فلسطينيين، هو أن كلاهما يسعى لمراكمة رصيد سياسي يعزز به وضعيته بعد أحداث القدس وقطاع غزة، فيتبادر لدى قادة حماس انطباع راسخ بأن الحركة نجحت في تصوير نفسها مدافعًا قوميًا عن القضية الفلسطينية، وبالتحديد عن القدس، وهو ما يتضح في تصريحات قادة حماس بأن المساس بالمقدسات سيقود إلى حرب أخرى وستكون إقليمية موسّعة.

كما أن حماس تسعى حثيثًا لاستغلال زخم الأحداث الأخيرة والتقاط الأنفاس جراء مبادرة مصر بوقف إطلاق النار، بإطلاق التصريحات السياسية التي تروج للانتصار وكسر معادلة الردع في مواجهة إسرائيل، كما تستمر في تنظيم العروض العسكرية في شوارع غزة. وقد صرّح قادة من حماس بأن الحركة لا تحتاج إلى المساعدات المالية، وأنها تستفيد من الدعم المالي والدعم بالسلاح المقدم من إيران.

فيما تعتبر حركة فتح نفسها الفصيل الرسمي الممثل للشرعية في السلطة الفلسطينية (المؤسسة الرسمية). كما دعت إلى إضراب عام في الضفة الغربية اندماجًا مع المشهد التصعيدي في غزة، وفعّلت لأول مرة ذراعها العسكري “كتائب شهداء الأقصى” من رام الله، وأصبح يُصدر البيانات حول أعداد الصواريخ التي أطلقها باتجاه إسرائيل من قطاع غزة. كما بادرت الحكومة الفلسطينية سريعًا لتدويل ملف إعادة الإعمار، وحمل الراية الوطنية المسئولة عن هذا الملف لإثبات حضور سياسي في قطاع غزة يقارع حضور حماس هناك.

بوادر فرص

أفرزت الحرب بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة مجموعة من الظواهر الفريدة التي تغذي احتمالات عقد مفاوضات تنتهي بحلول إيجابية، وأبرز هذه الظواهر هو التالي:

1- الموقف الأمريكي: رغم التأرجح الملحوظ في موقف البيت الأبيض من الحرب في غزة، إذ بدأ في تأييد إسرائيل في حقها في الدفاع عن نفسها وتبرير حربها في غزة، إلى الضغط عليها من أجل وقف إطلاق النار؛ إلا أن الموقف الأمريكي يتبين أهميته في التالي: 

(1) التشديد المستمر على شرعية السلطة الفلسطينية، وأنها المسئولة عن التلقي والإشراف على عملية إعادة الإعمار في قطاع غزة؛ منعًا من وصول الأموال إلى حركة حماس.

(2) التأكيد الواضح على أن حل الدولتين هو الأساس السليم لتسوية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ورغم أن الموقف الأمريكي من هذا الاتجاه يظل في مربع الإشارات اللفظية، إلا أنه يؤثر في المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل الذي يستند على رغبة أمريكية في التعامل مع حكومة وطنية في إسرائيل وهو ما تحقق بالفعل، حتى وإن قوبل ذلك بالسلب من الطرف الإسرائيلي.

إضافة إلى ذلك فإن التقديرات الاستراتيجية الإسرائيلية (معهد هرتسليا) توضح أن إسرائيل بشكلها الحالي (أي الاتجاه التام نحو اليمين المتطرف) باتت تفقد الدعم السياسي من الجناحين الديمقراطي والجمهوري الأمريكي خاصة في الكونجرس. ويعود أحد الأسباب الرئيسية في ذلك إلى أن إسرائيل تفقد طابعها الديمقراطي.

(3) الإشارة الفريدة من جانب الولايات المتحدة (بعد حرب غزة) “بالمساواة في الأمن” لدى الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، إذ صرّح “أنتوني بلينكن” بأن ضمان أمن الفلسطينيين يمثل أهمية قصوى.

2- تأثر صورة إسرائيل الدولية سلبًا: تظهر استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية أن 70% من الإسرائيليين يعتقدون أن حكومة نتنياهو فشلت في إقناع المجتمع الدولي بأسباب الحرب على غزة. وهو ما انعكس في تصريحات بعض الدول الأوروبية (منها فرنسا على سبيل المثال) الهجومية ضد إسرائيل، وضد سياسات الاستيطان. يتسق ذلك مع تقارير وزارة الخارجية الإسرائيلية الأخيرة التي استشرفت زيادة ظاهرة معاداة السامية بين الشعوب الأوروبية، وبالتحديد في فرنسا.

ربما يفسر ذلك أن مراكز الأبحاث الإسرائيلية اتفقت تقريبًا على ضرورة أن تُقدِمَ إسرائيل على خطة سلام محدودة الأبعاد، مؤداها منح السلطة الفلسطينية مزيدًا من صلاحيات الحكم الذاتي في الضفة الغربية؛ تعزيزًا لصورة إسرائيل خارجيًا، وتعزيزًا لسلطة الرئيس محمود عباس.

3- تثبيت الهدنة بين إسرائيل وحماس: لم يبرز دور مصر في مرحلة الوساطة من أجل وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل فقط، بل والمبادرة بإعادة إعمار قطاع غزة وتدويل الملف، ومن ثم التنسيق المصري مع حكومة “أشتية” في رام الله للتباحث حول ترتيب ملف إعادة إعمار غزة من خلال السلطة الفلسطينية.

يُسهم إعمار غزة في رفع الأزمة الإنسانية الواقعة على الشعب الفلسطيني في القطاع، وتوحيد الصف الفلسطيني عن طريق تشكيل نواة وطنية تشرف على الإعمار، وأخيرًا إكساب الهدوء الأمني في القطاع طابعًا مستدامًا.

ولا ينفي ذلك استمرار المحاولات الحثيثة من مصر والولايات المتحدة للتوسط بين الإسرائيليين وحركة حماس لضمان وقف إطلاق النار، وعدم الدخول في آفاق تصعيد غير محسوبة قد تفضي إلى حرب إقليمية منفلتة، يتماشى معه سياق الإرادة بالوصول إلى تسوية نهائية في ملف الاتفاق النووي الإيراني يشمل ذلك البعد الإقليمي، حتى وإن تحفظت طهران على المبدأ.

4- فشل نظرية التعايش مع عرب 48: تعبر مظاهر العنف بين عرب 48 واليهود في المدن المختلطة أثناء الحرب في غزة عن فشل إسرائيل طويل الأمد في مجال الاندماج والحكم والتطبيق المفروض على الفلسطينيين العرب. وترجع المشكلة إلى فشل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية في مواجهة المتطرفين اليهود، إذ صرّح رؤساء بلديات إسرائيلية بأنهم بعثوا بتقارير تنذر بمواجهات عنيفة بين اليهود والعرب إلى الأجهزة الاستخباراتية، ولم تلقِ لها بالًا، مما ساهم في تفاقم الوضع.

يتسق معه استطلاع رأي حديث (المعهد الإسرائيلي للديمقراطية) بأن 59% من الإسرائيليين يعتقدون أن فشل إدارة العنف في الداخل يرجع إلى التأثير الأيديولوجي من النظام الحاكم (المائل إلى اليمين المتطرف) على أداء أجهزة الأمن (الشاباك وجهاز الشرطة). وهو ما يعني -بعبارات أخرى- أن مؤشرات تجدد التوتر بين عرب 48 واليهود لا تزال قائمة، بل تتراكم بتعاظم نفوذ الحركات الاجتماعية السياسية الإسرائيلية المحسوبة على اليمين القومي المتطرف، كما تتراكم بسبب تزايد موجات الاعتقال بحق الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي. حتى وإن نجحت الحكومة الإسرائيلية الحالية في إقرار ميزانية تضاعف المخصصات المالية إلى المجتمع العربي من 10 مليارات شيكل إلى 23 مليار شيكل (حسب يديعوت أحرونوت، 8 أغسطس 2021).

أخيرًا، يتبقى التأكيد على مجموعة من النقاط، وهي:

1.لا تمتلك الولايات المتحدة خطة واضحة لتسوية سلام في الشرق الأوسط، ويبررها في ذلك الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني. ولذلك فالمنطقة في حاجة إلى بلورة خطة إقليمية تكتمل بتوحيد الصف الفلسطيني من أجل استئناف المفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وقبل إتمام الاتفاق النووي لسد الفراغات الإقليمية التي يمكن لإيران التأثير على المنطقة من خلالها.

3. من المتوقع أن ترتسم حدود الولايات المتحدة في الوقت الراهن على تنظيم دخول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة والحرص على عدم وصولها إلى حماس، بالإضافة إلى الإشراف على تثبيت الهدنة لفترة أطول، وأخيرًا إدانة إقامة المستوطنات.

3. نجح نتنياهو طوال سنوات حكمه في خلق قاعدة اجتماعية سياسية خاصة بين المستوطنين ترفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة، تردت لمستوى متطرف ينبذ التعايش مع العرب من الأساس.

4. أثبتت الحرب في غزة أن اتفاقات التطبيع مع إسرائيل لا تمثل أساس الاستقرار في المنطقة. وهو ما ظهر في التصريحات الأمريكية الصادرة عن البيت الأبيض بأن حل الدولتين هو أساس الاستقرار في المنطقة، ولكن يجب أن يأتي في ظل الاعتراف بوجود إسرائيل.

5. تحتل المستوطنات محور التفاعل السياسي بين الأحزاب في إسرائيل (المحسوبة على اليمين المتطرف)، لذا فإدانة السياسات الاستيطانية يربك حسابات الأحزاب ويعيد ترتيب المشهد في إسرائيل.

6. وأخيرًا، لا تزال تسوية السلام تواجه تحديات جذرية تحتاج إلى معالجة جديدة، بينما تتماشى مع بوادر فرص جيدة تحتاج إلى تكاتف إقليمي ودولي لإنجاحها.

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية