وحدة الدراسات الاقتصادية

“الوضع الطبيعي العالمي”: متى تعود الاقتصادات إلى ما كانت عليه؟

أثرت الجائحة على الاقتصادات عالميًا بشكل مختلف. ومع تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي وحظر التجول في الكثير من الاقتصادات، ومع إغلاق العديد من القطاعات وخصوصًا القطاعات الترفيهية مثل السينمات وغيرها من الاضطرابات في القطاعات؛ فقد اختلف سلوك الأفراد في مختلف أنشطة حياتهم. ولكن: إلى متى سيظل هذا التغير في السلوك، أو متى ستعود الاقتصادات إلى طبيعتها؟. أولًا: مؤشر الوضع الطبيعي العالمي يقيس مؤشر الوضع الطبيعي العالمي “Global Normalcy Index” المقدم من “ذا إيكونيميست” “The Economist”، والذي تم نشره لأول مرة في يوليو 2021، مدى تغير سلوك الأفراد، وإلى أي مدى سيظل متغيرًا بسبب جائحة كورونا. يحتوي المؤشر على ثمانية مؤشرات منقسمة…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أثرت الجائحة على الاقتصادات عالميًا بشكل مختلف. ومع تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي وحظر التجول في الكثير من الاقتصادات، ومع إغلاق العديد من القطاعات وخصوصًا القطاعات الترفيهية مثل السينمات وغيرها من الاضطرابات في القطاعات؛ فقد اختلف سلوك الأفراد في مختلف أنشطة حياتهم. ولكن: إلى متى سيظل هذا التغير في السلوك، أو متى ستعود الاقتصادات إلى طبيعتها؟.

أولًا: مؤشر الوضع الطبيعي العالمي

يقيس مؤشر الوضع الطبيعي العالمي “Global Normalcy Index” المقدم من “ذا إيكونيميست” “The Economist”، والذي تم نشره لأول مرة في يوليو 2021، مدى تغير سلوك الأفراد، وإلى أي مدى سيظل متغيرًا بسبب جائحة كورونا. يحتوي المؤشر على ثمانية مؤشرات منقسمة إلى ثلاث فئات. تتعلق الفئة الأولى بالنقل والسفر وتحتوي على ثلاثة مؤشرات، وهي، أولًا: النقل العام في المدن الكبرى للدول. ثانيًا: حجم الازدحام في هذه المدن. ثالثًا: عدد الرحلات الجوية الدولية والمحلية. وتتعلق الفئة الثانية بالترفيه، وتحتوي على ثلاثة مؤشرات هي، أولًا: حجم الوقت الذي يتم تمضيته خارج المنزل. ثانيًا: حجم إيرادات السينمات. ثالثًا: عدد الحاضرين في الأحداث الرياضية. بينما تتعلق الفئة الثالثة بقطاعي التجزئة والعمل وتحتوي على مؤشرين هما: أولًا: الإقبال على المتاجر. ثانيًا: حجم الإشغال في المكاتب بالمدن الكبرى.

ويشمل المؤشر 50 دولة من أكبر دول العالم، حيث تشكل هذه الدول 90% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و76% من التعداد السكاني العالمي. كما يأخذ المؤشر مقياس 0-100، حيث يشير مجموع نقاط 0 إلى عدم قدرة المؤشر إلى العودة إلى وضعه الطبيعي بشكل كامل، بينما يشير مجموع نقاط 100 إلى عودة المؤشر إلى وضعه قبل الجائحة كاملًا. 

جدير بالذكر أن وزن الدول يختلف من دولة إلى أخرى في احتساب إجمالي مجموع النقاط للدول بناء على تعداد سكان هذه الدولة. كذلك يتم تحديث البيانات أسبوعيًا. ويعتمد هذا المقال على البيانات المعدلة في 28 يوليو، 2021.

شكل 1: متوسط مؤشر الوضع الطبيعي للدول

المصدر: مؤشر الوضع الطبيعي للدول “Global Normalcy Index”، ذا إيكونيميست، 28 يوليو 2021.

بناء على متوسط مؤشر الوضع الطبيعي، فإن مجموع نقاط المؤشرات الثمانية للدول البالغ عددهم 50 دولة 69 نقطة في 28 يوليو 2021، وهو ما يعد حوالي ضعف مجموع النقاط في بداية الجائحة، حيث بلغ مجموع نقاط الثمانية مؤشرات للدول 35 نقطة فقط في أبريل 2020. كما كان تأثير الجائحة على سلوك الأفراد مختلفًا من مؤشر إلى آخر. فعلى سبيل المثال، بلغ مجموع نقاط مؤشر التجزئة الذي يقيس الإقبال على المتاجر 97 نقطة في 28 يوليو 2021، أي إن الإقبال على المتاجر يعتبر قد عاد إلى الوضع الذي كان عليه قبل الجائحة. هذا على الرغم من التغيرات في سلوك الأفراد أثناء انتشار الجائحة واتجاههم إلى المنصات الإلكترونية مع تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي أو حظر التجول وإغلاق المتاجر في كثير من الدول. كذلك يعتبر مؤشر الوقت المنقضي خارج المنزل قد عاد إلى طبيعته، حيث سجل مجموع نقاط 96 نقطة في آخر تعديل للبيانات في 28 يوليو 2021. ولكن يشير تقرير “ذا إيكونيميست” إلى أنه حتى في ذروة انتشار الفيروس ومع تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي وحظر التجول في العديد من الدول، انخفض المؤشر بنسبة 20% فقط عن طبيعته. وعلى الرغم من ذلك، فالتحسن الحالي يعطي نظرة عن انخفاض مخاوف الأفراد من الخروج من منازلهم والإصابة بفيروس كورونا. وجاء هذا التحسن بسبب توفر اللقاحات والحد من الإصابات.

إضافة إلى ذلك، تحسن وضع مؤشر النقل العام في المدن بشكل ضخم، حيث بلغ المؤشر 83 نقطة في يوليو 2021، ارتفاعًا من معدلات أقل من 40 نقطة أثناء ذروة الجائحة في أبريل 2020. ويعد هذا التحسن أيضًا مؤشرًا لعودة الاقتصادات إلى طبيعتها واستخدام الأفراد النقل العام بدون مخاوف. أما بالنسبة إلى مؤشر الإشغال في المكاتب، فإن العمل عن بُعد كان من التغيرات الأساسية الناجمة عن الجائحة والتي أثبتت نجاحها في كثير من الأحيان أو فعاليتها، على سبيل المثال، في الحد من الوقت المستغرق للذهاب والرجوع من المكاتب. وعلى الرغم من أن المؤشر هو رابع مؤشر من حيث الترتيب لعودة سلوكه إلى وضعه الطبيعي قبل الجائحة حيث سجل 79 نقطة، إلا أنه من المتوقع عدم عودة المؤشر بشكل كامل إلى وضعه قبل الجائحة وخصوصًا للعمال ذوي الياقات البيضاء. علاوة على ذلك، تحسن وضع ازدحام الطرق أيضًا لتسجل 69 نقطة بعد انخفاضها أثناء ذروة الجائحة إلى أقل من 50 نقطة.

وعلى صعيد آخر، كانت السينمات من أكثر الأعمال تأثرًا بالجائحة، فمع انتشار الإصابات بفيروس كورونا، كان أول القطاعات التي أغلقت من قِبَل الحكومات في محاولة للحد من الإصابات ليصل حجم الإيرادات إلى صفر لعدة أشهر. ولا تزال إيرادات السينمات تعاني بشكل ضخم حتى الآن على الرغم من فتح السينمات في الدول، حيث إن المؤشر سجل 39 نقطة في يوليو 2021. ومن المتوقع عدم عودة القطاع إلى طبيعته في المستقبل. كذلك لا تزال الرحلات الجوية متأثرة بشكل ضخم حتى الآن، ولكن يرجع ذلك إلى السياسات الحكومية للدول لضمان الحد من احتمالية حدوث موجات أخرى من فيروس كورونا. وبلغ المؤشر 34 نقطة في يوليو 2021 من معدلات متدنية أثناء ذروة الوباء. ولكن من المتوقع تحسن وضع القطاع بشكل جذري مع انتهاء القيود الحالية على السفر. ويأتي مؤشر حجم الحاضرين في الأحداث الرياضية في المرتبة الأخيرة مشيرًا إلى بُعد سلوك الأفراد حاليًا عن طبيعته قبل الجائحة. كانت الأحداث الرياضية -تمامًا مثل السينمات- من القطاعات التي أغلقت ليصبح حجم الحضور فيها صفرًا لعدة أشهر. وبلغ مجموع نقاط المؤشر 19 نقطة في يوليو 2021. وعلى الرغم من تعافي القطاع البطيء؛ إلا أن هناك احتمالية لأن يعود حجم الحاضرين في الأحداث الرياضية إلى طبيعته.

ثانيًا: الدول صاحبة أفضل أداء

شكل 2: الاقتصادات العشرة صاحبة أفضل أداء

المصدر: مؤشر الوضع الطبيعي للدول “Global Normalcy Index”، ذا إيكونيميست، 28 يوليو 2021.

يختلف التغير في سلوك الأفراد تجاه المؤشرات الثمانية من دولة إلى أخرى. وكما هو موضح في الشكل رقم 2، فإن هونج كونج تحتل المرتبة الأولى بين الاقتصادات العشرة صاحبة أفضل أداء، حيث بلغ إجمالي متوسط نقاط المؤشرات الثمانية 101.3، أي إنها أعلى من وضعها الطبيعي قبل الجائحة. ويرجع ذلك إلى تنفيذها تدابير احترازية فعالة ومعاناتها من حالات وفيات منخفضة. هذا على الرغم من انخفاضها بنحو 0.7 نقطة عن معدلاتها من أسبوعين. تأتي في المرتبة الثانية رومانيا لتسجل 85.4 نقطة، وهو ما يُعد فارقًا كبيرًا بينها وبين هونج كونج صاحبة المرتبة الأولى (بلغ الفارق 15.9 نقطة) ولكن سجلت ارتفاعًا بنحو 0.9 نقطة. تليها نيجيريا مسجلة 85 نقطة، ولكن سجلت انخفاضًا قدره 4.5 نقطة عن البيانات المسجلة منذ أسبوعين، الأمر الذي يشير إلى تدهور الأحوال بشكل كبير. وتأتي نيوزيلندا في المرتبة الرابعة لتسجل 83.4 نقطة، ولكن سجلت انخفاضًا بنحو 1.7 نقطة. إضافة إلى ذلك، تأتي مصر في المرتبة الخامسة مسجلة 81.6 نقطة، ولكن كانت الدولة صاحبة ثاني أكبر انخفاض عن البيانات المسجلة من أسبوعين لتسجل انخفاضًا بنحو 9.7 نقطة وانخفاضًا من المركز الرابع.

جدير بالذكر أن الصين صاحبة المركز العاشر، مسجلة 79.8 نقطة، وهي الاقتصاد صاحب أفضل تحسن عن البيانات السابقة من أسبوعين، حيث سجلت تحسنًا بنحو 6.6 نقطة. ويرجع ذلك بشكل كبير إلى الزيادة في إيرادات السينمات. في حين سجلت فيتنام أكبر تدهور عن البيانات السابقة لتنخفض بنحو 12.2 نقطة إلى 37.2 نقطة في 28 يوليو (وهي في المركز قبل الأخير رقم 49)، ويرجع ذلك إلى التدهور في إشغال المكاتب والنقل العام بسبب ارتفاع حالات الإصابة. كما تُعد ماليزيا صاحبة أسوأ مرتبة بين الدول البالغ عددها 50 دولة في مؤشر الوضع الطبيعي العالمي لتسجل 27.9 نقطة بسبب ارتفاع حالات الوفيات، الأمر الذي سيؤثر بشكل ضخم على قدرة الاقتصاد للعودة إلى وضعه الطبيعي في مختلف المجالات وعلى معدلات نموه.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة