تنمية ومجتمع

“الصفقة الخضراء الجديدة”: أمريكا تقود العالم لمكافحة تغيّر المناخ

قام الرئيس بايدن منذ انتخابه باتخاذ قرارات وتبني سياسات أعادت وضع الولايات المتحدة في صدارة الجهود الدولية لمكافحة التغير المناخي، بعد أن كان الرئيس دونالد ترامب قد أوقف المساهمة الأمريكية في هذه الجهود. فهل تنجح الولايات المتحدة هذه المرة في إحداث فرق؟ وهل سيتمكن الرئيس بايدن من تنفيذه وعوده الطموحة؟. القرارات الأولى للرئيس بايدن بشأن المناخ بعد انتخابه مباشرة، عزز بايدن وعود حملته الانتخابية بإعطاء الأولوية للمناخ من خلال تعيينات رفيعة المستوى في منصبين جديدين. فقد تم تعيين وزير الخارجية السابق جون كيري مبعوثًا رئاسيًا خاصًا لشئون التغير المناخي، والرئيسة السابقة لوكالة حماية البيئة جينا مكارثي تم اختيارها مستشارةً وطنية…

أمل إسماعيل
باحثة ببرنامج السياسات العامة

قام الرئيس بايدن منذ انتخابه باتخاذ قرارات وتبني سياسات أعادت وضع الولايات المتحدة في صدارة الجهود الدولية لمكافحة التغير المناخي، بعد أن كان الرئيس دونالد ترامب قد أوقف المساهمة الأمريكية في هذه الجهود. فهل تنجح الولايات المتحدة هذه المرة في إحداث فرق؟ وهل سيتمكن الرئيس بايدن من تنفيذه وعوده الطموحة؟.

القرارات الأولى للرئيس بايدن بشأن المناخ

بعد انتخابه مباشرة، عزز بايدن وعود حملته الانتخابية بإعطاء الأولوية للمناخ من خلال تعيينات رفيعة المستوى في منصبين جديدين. فقد تم تعيين وزير الخارجية السابق جون كيري مبعوثًا رئاسيًا خاصًا لشئون التغير المناخي، والرئيسة السابقة لوكالة حماية البيئة جينا مكارثي تم اختيارها مستشارةً وطنية للمناخ، لتقود مكتب البيت الأبيض الجديد لسياسة المناخ المحلي، ولترأس فريق عمل وطني مشترك بين الوكالات الحكومية لمتابعة شئون المناخ. كما وقّع الرئيس بايدن سلسلة من الأوامر التنفيذية الجديدة في ملف المناخ، مطالبًا الكونجرس بسن تشريع في السنة الأولى من رئاسته يهدف إلى ما يلي:

إنشاء آلية تنفيذ لتحقيق صافي انبعاثات صفرية في موعد لا يتجاوز نهاية ولايته الأولى عام 2025.

استثمار ضخم في الطاقة النظيفة وأبحاث المناخ والابتكار عبر تخصيص 400 مليار دولار خلال 10 سنوات.

تحفيز النشر السريع لابتكارات الطاقة النظيفة عبر الاقتصاد، حيث تدعو الخطة إلى إنفاق حوالي 35 مليار دولار على البحث والتطوير المتعلق بالمناخ، ولا سيما في المجتمعات الأكثر تأثرًا بتغير المناخ لتشجيعها على زيادة إنفاقها على البحث والتطوير أيضًا.

التوجه للاستثمار الذكي في البنية التحتية لضمان أن المباني والمياه والمواصلات والطرق والبنية التحتية للطاقة قادرة على تحمل آثار تغير المناخ.

تحديد أجندة التكيف مع تغير المناخ، وتطوير خطط إقليمية لمقاومة التغيرات المناخية، بالشراكة مع الجامعات المحلية والمختبرات الوطنية، لتسهيل الوصول المحلي إلى المعارف والبيانات والمعلومات والأدوات والتدريب الأكثر صلة.

تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري لشركات الطيران المستهدفة، التي تمثل نحو 2% من إجمالي الانبعاثات.

الإسراع في تطوير ونشر تكنولوجيا احتجاز الكربون. 

كما أمر بايدن بتوجيه وزارة الصحة والخدمات الإنسانية لإنشاء مكتب لتغير المناخ والعدالة الصحية، وأنشأ مجموعة عمل مشتركة بين الوكالات لتقليل مخاطر تغير المناخ على الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.

أجندة بحثية جديدة

أعلن البيت الأبيض في فبراير الماضي عن مجموعة عمل جديدة لمشاريع الأبحاث المتقدمة، تركز على المناخ لتوفير تقنيات منخفضة التكلفة، والمساعدة في توفير حلول للطاقة النظيفة بنسبة 100%، مع التركيز على ما يلي:

حل مشاكل تخزين الطاقة بطرق أقل تكلفة من بطاريات الليثيوم أيون المستخدمة حاليًا.

مفاعلات نووية صغيرة الحجم بنصف تكلفة إنشاء المفاعلات الكبيرة.

تبريد وتكييف الهواء دون زيادة الاحترار العالمي.

تصميم وإنشاء مبانٍ ذكية تحافظ على الطاقة.

استخدام مصادر الطاقة المتجددة لإنتاج الهيدروجين الخالي من الكربون بنفس تكلفة الغاز الطبيعي.

إزالة الكربون من الطاقة اللازمة في صناعات الفولاذ والخرسانة والكيماويات، وإعادة تطوير مواد البناء المحايدة للكربون.

إزالة الكربون عن قطاع الأغذية والزراعة، والاستفادة من الزراعة لإزالة ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتخزينه في الأرض.

استخلاص ثاني أكسيد الكربون من عوادم محطات الطاقة، ثم عزله في أعماق الأرض أو استخدامه في صنع منتجات بديلة.

الصفقة الخضراء الجديدة 

أطلق الرئيس بايدن خطته للمناخ التي عُرفت بـ”الصفقة الخضراء الجديدة”، التي يعتقد أنها إطار عمل حاسم لمواجهة تحديات المناخ التي تؤثر على الولايات المتحدة، والهدف الرئيسي للخطة هو خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الولايات المتحدة إلى الصفر الصافي، وتلبية 100٪ من الطلب على الطاقة في الدولة من خلال مصادر طاقة نظيفة ومتجددة وعديمة الانبعاثات بحلول عام 2030. قام بوضع المبادئ الأساسية للصفقة مجموعة من الأكاديميين والنشطاء منذ أكثر من عشر سنوات، في أعقاب الانهيار المالي الذي حدث عام 2008، وتستند إلى إطلاق “تعبئة وطنية لمدة 10 سنوات” لتصفير انبعاثات الكربون في البلاد، ويُقصد بتحقيق صافي انبعاثات صفرية أن تتساوى نسب الانبعاثات مع الجهود المبذولة لإزالتها، فتكون المحصلة أن كل الانبعاثات المنطلقة يتم التخلص منها، وبذلك يتحقق الحياد الكربوني. وتهدف خطة الرئيس بايدن إلى الوصول إلى تحقيق هذا الهدف بحلول عام 2050، وليس خلال عشر سنوات، وبتكلفة أقل. وتدعو الصفقة الخضراء الجديدة أيضًا لخلق ملايين الوظائف، إلى جانب الوصول إلى الطبيعة والهواء النظيف والماء والغذاء الصحي والبيئة المستدامة.

ومن بين بنود خطة الرئيس بايدن استثمار 2 تريليون دولار في الطاقة النظيفة لتوليد كهرباء خالية من الكربون بحلول عام 2030، وتوفير البنية التحتية وشبكات الطرق والنقل الخاصة بها، ووضع حدود صارمة على انبعاثات غاز الميثان الناتج عن صناعات النفط والغاز.

وتتضمن الخطة أيضًا تحسين كفاءة الطاقة في المباني والمساكن، ومن بينها بناء مليون ونصف مليون منزل ذكي موفر للطاقة، وتعزيز إنتاج السيارات الكهربائية، واستبدال السيارات الحكومية، البالغ عددها أكثر من 650 ألف سيارة، بسيارات كهربائية، وبناء نحو نصف مليون محطة جديدة لشحن السيارات.

مخاطر بيئية مروعة

تُشير التقارير الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وبرنامج أبحاث التغير العالمي في الولايات المتحدة، إلى أن ارتفاع درجة الحرارة العالمية بمقدار درجتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، سيؤدي إلى خسارة أكثر من 500 مليار دولار من الناتج الاقتصادي السنوي في الولايات المتحدة بحلول عام 2100. وأن مناطق الغابات المتضررة من حرائق الغابات في الولايات المتحدة ستتضاعف على الأقل بحلول عام 2050، وهناك خطر إلحاق ضرر بقيمة تريليون دولار بالبنية التحتية العامة والعقارات الساحلية في الولايات المتحدة. ومن أجل تجنب ارتفاع درجة الحرارة لأعلى من درجة ونصف، والالتزام باتفاقية باريس للمناخ 2015؛ يجب العمل سريعًا على حل هذه التحديات حتى لو كانت التكلفة عالية حاليًا.

تحصل الولايات المتحدة حاليًا على 80٪ من طاقتها من الفحم والنفط والغاز الطبيعي، وتعد من أكثر الدول المصدّرة للانبعاثات الكربونية، ومن ثمّ فإن نوع الإصلاح الذي تتطلبه الصفقة سيكون مكلفًا للغاية، ويتطلب تدخلًا حكوميًا كبيرًا. ويقدر منتدى العمل الأمريكي التكلفة بـ93 تريليون دولار، ولم تذكر الصفقة الخضراء الجديدة كيف ستدفع الحكومة الأمريكية التي لديها ديون بقيمة 22 تريليون دولار هذه التكلفة.

وتأتي الصين في المركز الأول عالميًا في إنتاج الانبعاثات الكربونية بنحو 10 ملايين طن في السنة، أي بنسبة 29.34%، وفقًا لآخر تقرير ومؤشر أصدره الاتحاد الأوروبي في عام 2018، والذي رصد نسب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون حول العالم في عام 2017. وحلّت الولايات المتحدة في المركز الثاني عالميًا بانبعاثات كربونية وصلت إلى 5,4 ملايين طن سنويًا، أي بنحو 13.77% من الإنتاج العالمي من الملوثات، والهند في المركز الرابع بعد دول الاتحاد الأوروبي بإنتاج وصل إلى 2 مليون و454 ألف طن سنويًا بنسبة 6.62%.

أما عن نصيب الفرد في الانبعاثات الكربونية فتأتي الولايات المتحدة في صدارة دول العالم. و طبقًا لبيانات البنك الدولي بلغ نصيب الفرد في الانبعاثات سنويًا في العالم عام 2014 حوالي، 4.9 طن متري سنويًا، بينما يصل هذا المعدل في الولايات المتحدة إلى 16.6 طن، وهو ما يضع مسئولية كبيرة على الولايات المتحدة في مواجهة التغير المناخي باعتبارها من أهم المتسببين فيه. 

قمة افتراضية لزعماء العالم حول تغيّر المناخ

تأكيدًا على تمسّكه بقضية تغير المناخ كجزء من الأمن القومي وسياسته الخارجية، حشد الرئيس الأمريكي جو بايدن 40 من زعماء البلدان الأكثر تأثيرًا وتأثرًا بظاهرة الاحتباس الحراري في أبريل الماضي، معيدًا للولايات المتحدة دورها القيادي في التصدي لأحد أخطر تحديات البشرية في القرن الحادي والعشرين؛ إذ دفع بزعماء مثل الرئيسين الصيني “شي جينبينغ” والروسي “فلاديمير بوتين” وغيرهما، إلى تقديم التزامات نحو هدف طموح لخفض انبعاثات الكربون وغيره من الغازات المسببة لتغير المناخ بمعدل النصف بحلول عام 2030، على أمل تصفيرها عام 2050.

وأدار وزير الخارجية “أنتوني بلينكن” الاجتماع الذي توالى الزعماء فيه على تقديم التزامات وتعهدات يتوافق أكثرها مع الهدف الطموح الذي حدده الرئيس الأمريكي لأكبر اقتصادات العالم، وهو خفض الانبعاثات في الولايات المتحدة بنسبة 52% بحلول عام 2030. كما أكّد الرئيس الصيني، الذي تُعد بلاده المصدر الأول للانبعاثات في العالم، أن بلاده تقوم بخطوات كبيرة من أجل الحدّ من الانبعاثات، علمًا بأنها أيضًا أكبر منتج للألواح الشمسية وتوربينات الرياح والمركبات الكهربائية، ووعد بخفض استهلاك الفحم تدريجيًا بين عامي 2026 و2030، وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، كما تعهد بخفض مشاريع توليد الطاقة بالفحم، والالتزام بالحياد الكربوني، وطالب دول العالم بالالتزام باتفاقات الأمم المتحدة واتفاق باريس والعمل المشترك لحماية الطبيعة.

كما أشار الرئيس الروسي إلى أن روسيا، التي تعدّ رابع أكبر مَصدر لانبعاثات الوقود الأحفوري في العالم، مهتمة حقًا بتحفيز التعاون الدولي من أجل البحث بشكل أكبر عن حلول فعالة لتغير المناخ، بالإضافة إلى كل التحديات الحيوية الأخرى. وأكد أن موسكو مستعدة لتقديم عدد من المشروعات المشتركة، والنظر في التفضيلات للشركات الأجنبية الراغبة في الاستثمار في التقنيات النظيفة، بما في ذلك تلك الموجودة في روسيا.

ومن المقرر أن يشارك قادة العالم في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالتغير المناخي (COP26) في غلاسكو بأسكتلندا، والتي ستُعقد في شهر نوفمبر المقبل، وهي قمة بالغة الأهمية بهدف تسريع العمل لتحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ، وتقديم مراجعة لما تم العمل به منذ القمة الأولى عام 2015، وهي القمة التي ستمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الولايات المتحدة على لعب دور قيادي في مساعدة العالم على اجتياز أزمة التغير المناخي.

أمل إسماعيل
باحثة ببرنامج السياسات العامة