وحدة الدراسات الأوروبية

توابع زلزال أفغانستان والبحث الأمريكي عن استراتيجية جديدة

كتب الدكتور ستيفن والت أحد فطاحل العلاقات الدولية في الجامعات الأمريكية مقالًا هامًا، في ٢٧ أغسطس ٢٠٢١، على موقع “فورين بوليسي” قال فيه: إن قرار إجلاء أفغانستان كان قرارًا سليمًا من الناحية الاستراتيجية، وإنه لن يتسبب في أزمة ثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها. وأضاف أن العكس قد يكون أقرب إلى الصحة، فكل القوى والدول المحتاجة إلى الحماية الأمريكية كانت بالغة القلق من استنزاف الموارد والإمكانيات الأمريكية في أفغانستان، وأنها مغتبطة -أو أنه من المفروض أن تكون كذلك- لأن جيوش واشنطن ستستطيع التفرغ أو على الأقل تخصيص قوات ومصادر أكبر للمهام الجوهرية. هذا الانسحاب لا ينم عن رفض أمريكي لالتزامات خارجية،…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

كتب الدكتور ستيفن والت أحد فطاحل العلاقات الدولية في الجامعات الأمريكية مقالًا هامًا، في ٢٧ أغسطس ٢٠٢١، على موقع “فورين بوليسي” قال فيه: إن قرار إجلاء أفغانستان كان قرارًا سليمًا من الناحية الاستراتيجية، وإنه لن يتسبب في أزمة ثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها. وأضاف أن العكس قد يكون أقرب إلى الصحة، فكل القوى والدول المحتاجة إلى الحماية الأمريكية كانت بالغة القلق من استنزاف الموارد والإمكانيات الأمريكية في أفغانستان، وأنها مغتبطة -أو أنه من المفروض أن تكون كذلك- لأن جيوش واشنطن ستستطيع التفرغ أو على الأقل تخصيص قوات ومصادر أكبر للمهام الجوهرية. هذا الانسحاب لا ينم عن رفض أمريكي لالتزامات خارجية، بل عن إصرار للوفاء بها.

ويبدو كلام الدكتور “والت” صحيحًا فيما يتعلق بالسلامة الاستراتيجية للقرار من المنظور الأمريكي، لأسباب عديدة منها: ما ذكره اللواء البريطاني “ريتشارد بارونز” الذي خدم في أفغانستان والذي يعد من كبار المفكرين الاستراتيجيين في المملكة المتحدة في أحاديث عدة. وموقع أفغانستان الجغرافي (بعيد جدًا عن البحار) وصعوبة الوصول إليها وطبوغرافيا أراضيها (جبال) وثقافتها السياسية (غياب ثقافة الدولة القوية) وتركيبتها الإثنية والطائفية، إضافة إلى عدم أهمية البلاد من الناحية الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، وكل هذا معناه أن أي نجاح في أفغانستان لا يستحق المجهود والإنفاق والتضحيات الضرورية لتحقيقه. هذا حقيقي حتى لو كان تعاون جيرانها -وأهمهم باكستان- مضمونًا، ولم يكن كذلك.

دوافع مبررة

يمكن أن يُضاف إلى ما ذكره سابقًا ما تطرق له أيضًا الدكتور “وس ميتشل” في دراسة نشرت على موقع “ناشيونال إنترست” عن التغيرات الهامة في النظام الدولي وعن قدرة الولايات المتحدة العسكرية على التعامل معها، وعن كيفية هذا التعامل. وما يهمنا الآن هي نقطة انطلاق هذا التحليل، وهي أن الولايات المتحدة لا ولن تستطيع حتى لو زاد الإنفاق العسكري أن تخوض حربين ضد الصين وروسيا في الوقت نفسه، وأنه نظرًا لسوء العلاقات بين واشنطن من ناحية وموسكو وبكين من ناحية أخرى لا يمكن استبعاد فرض تنسيق الصين وروسيا لإلحاق هزيمة كبيرة بأمريكا، أو لشن مثلًا هجمات ضد تايوان وجمهوريات البلطيق في الوقت نفسه، والتعامل مع هذا الجديد يقتضي قبول التخلي عن بعض المواقع.

ولكن من الصعب تصديق “والت” عندما يقول إن أزمة الثقة في الولايات المتحددة إما غير موجودة أم غير مبررة إن وجدت، فمن ناحية هي موجودة بل منتشرة، من المملكة المتحدة إلى الهند وكوريا الجنوبية واليابان، مرورًا بفرنسا وجمهوريات أوروبا الشرقية ودول الخليج وغيرها. هي موجودة حتى في الدول التي تجمع نخب واشنطن على ضرورة حمايتها وعلى أهميتها البالغة للمصالح الأمريكية لدرجة تجعل من المستبعد مراجعة موقف الولايات المتحدة منها.

يبدو تحليل “والت” وغيره منطقيًا ومفهومًا، على المدى الطويل التخلص من العبء الأفغاني والاعتراف بفشل مشروع “بناء الدول” ومشروع الشرق الأوسط الأكبر سيسمحان للولايات المتحدة بالتفرغ للتحديات الجديدة ولاكتساب المهارات السياسية والعسكرية اللازمة للمرحلة القادمة، ويمكن قبول ما يذهب إليه بعض المحللين من أن القوى المنافِسة لأمريكا (روسيا والصين) لن تستطيع غالبًا الاستفادة من الوضع الجديد في أفغانستان لأن الوضع هناك والأيديولوجيا الطالبانية مَصْدَرَا تهديد لهما على المدى المتوسط والطويل. وحتى إن نجحت الصين في الاستفادة من الوضع لخدمة مشروعات “الحزام والطريق”، وفي الحصول على قبول طالبان لبعض التغييرات الضرورية للمشروعات -قبول عمل النساء، والعمل على الحد من التوترات الطائفية في البلاد، وتحييد الجهاديين الصينيين وغيرهم- فإن هذا لن يغير موازين القوى كثيرًا.

ورغم قبول هذا الكلام أو أغلبه إلا أن أزمة الثقة مبررة. تأييد مبدأ القرار الاستراتيجي وتوجهاته لا يمنع اعتبار أساليب اتخاذه وتنفيذه وتبعاتها كارثة كبيرة. قبل الدخول في صلب الموضوع يمكن الإشارة على عجالة إلى التأثير السيئ جدًا للخط الإعلامي للإدارة الأمريكية وفي مقدمتها الرئيس بايدن، الذي اعتمد في شرحه للكارثة على قدح وذم الجيش الأفغاني والتشكيك في كفاءته ورغبته في القتال، وهو جيش ضحى بعشرات الآلاف من أبناء البلاد. والكثير من الظروف التي دفعته إلى ترك ميادين القتال هي من صنع واشنطن ونتيجة الإخلاء المتسرع. وقد أثار هذا -وفقًا لعشرات التقارير والتصريحات- غضبًا عارمًا في صفوف الجيشين الأمريكي والبريطاني اللذين يعتبران شأنهما شأن كل الجيوش أن قاعدة أساسية للسلوك العسكري هي “عدم ترك جندي زميل لوحده في الميدان”، والكل اعتبر سلوك الإدارة مخالفًا للأخلاق وللشرف العسكري. ولا يمكن التقليل من أهمية هذا الاعتبار، وأظن أن الكثيرين في جيوش أخرى يشاركون الغضب. وهذا السلوك من أسباب التساؤلات حول الجدوى من التحالف مع أمريكا. وفهمت فئات كثيرة من المجتمع الأمريكي المشكلة، فالساحة شاهدت جهودًا جبارة من أفراد ومن أبناء القوات المسلحة وهيئات المجتمع المدني ومن أبناء بعض المهن لإنقاذ معارفهم الأفغان، ولحث الإدارة على تحمل مسئولياتها.

إضعاف الحلفاء

بالنظر إلى صلب الموضوع، يمكن الإشارة أولًا إلى أن الإدارات الأمريكية اعتادت منذ فترة عدم التشاور مع الحلفاء بمن فيهم المقربون، ومفاجأتهم بين حين وآخر بقرارات تضر بمصالحهم وبخطوات تجبرهم على مراجعة خططهم بتكلفة عالية، وحاول الكثيرون في أوروبا إقناع أنفسهم بأن هذا السلوك هو سلوك الرئيس “ترامب” دون غيره (رغم أن الرئيس أوباما كان يفعل الشيء نفسه)، وأن هذا السلوك يقتصر على إدارة العلاقات مع دول العالم الثالث، وإذ بالرئيس “بايدن” يسلك نفس المسلك وبطريقة أكثر فجاجة وفي ملف أكثر خطورة ومع حلفاء مثل ألمانيا والمملكة المتحدة. في لندن، وصف رئيس الوزراء الأسبق “توني بلير” قرار “بايدن” بـ”المغفل”، وأدان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس العموم –وهو خدم في أفغانستان- القرار والسلوك الأمريكيين في خطاب قوي ومؤثر عاطفيًا. 

نستطيع أن نقول إنه لا دول أوروبا ولا المملكة المتحدة تستطيع أن تسعى إلى الطلاق من أمريكا نظرًا لضعفها العسكري الشديد ولأوجه القصور في قواتها المسلحة، قال مثلًا اللواء “بارون” لـ”فورين بوليسي”: “فكرت المملكة المتحدة ودولة أو دولتان أوروبيتان في ارتداء المعطف الذي تركته الولايات المتحدة في أفغانستان، ولكنه تبين عند دراسة الموضوع أننا قد ننجح في توفير القوات البرية الضرورية، ولكننا لن نستطيع توفير الاستخبارات ولا المراقبة ولا الاستطلاع ولا القيادة والسيطرة ولا الإمدادات ولا تدريب القوات الأفغانية”. ويؤكد هذا المعنى النقد الذي وجّهه خبراء استراتيجيون إلى خطط المملكة المتحدة كما وردت في الوثائق الرسمية التي تحدد سياسات التسليح وطبيعة التهديدات وكيفية التعامل معها، فهذه الوثائق افترضت أن الصراعات المستقبلية لن تأخذ شكل الحرب التقليدية، وبالتالي أهملت سياسات التسليح ضرورة شراء أحدث الأسلحة اللازمة لخوض مثل هذه الحروب، وفي المعنى والاتجاه نفسه نشير إلى كون العسكريين الفرنسيين يعترفون بسهولة بالأهمية القصوى للدعم اللوجيستي والاستخباراتي الأمريكي في الساحل والصحراء، ولكن استحالة الطلاق لا تعني توفر الثقة، وبالتالي لا تعني القبول بالمخاطرة لا سيما إن كانت مطلوبة خارج الإطار الذي تحدده مواثيق الحلف الأطلسي.

وتخشى أغلب الدول الحليفة أو الصديقة للولايات المتحدة النتائج المتوقعة من سقوط أفغانستان في يد طالبان، من تفاقم الخطر الجهادي ومن تكثيف الهجرة. شاء الرئيس الأمريكي أم أبى، فإنه منح للجهاديين نصرًا كبيرًا أنعش آمال كل الحركات الجهادية في العالم وسيسهل أمور الدعاية والتجنيد، وهذا سواء وفرت حركة طالبان ملاذًا آمنًا للجهاديين -وهذا مرجح- أم استجابت للضغوط الدولية، ومن المعروف أن حركة طالبان حررت مئات من أعضاء القاعدة المعتقلين في أفغانستان. وأن مراقبة هؤلاء وانتقالاتهم والتعرف على خططهم سيكونان أصعب بدون تواجد على الأرض ومع صعوبة أكبر في تجنيد العملاء، ومن ناحية أخرى فإن منظر عشرات الآلاف من الأفغان الساعين إلى الهرب من بلادهم أحيا مخاوف الجميع من هجرة جماعية تشكل عبئًا على الدول المجاورة وعلى أوروبا. أي إن قرار الرئيس “بايدن” أضعف كل حلفائه الذين سيضطرون إلى مضاعفة الجهود وتخصيص أموال كثيرة لمراقبة حركة الجهاديين ولمكافحة الإرهاب وللتعامل مع المهاجرين، سواء كان هذا التعامل إيجابيًا أم سلبيًا.

فوضى الانسحاب

يُشير عددٌ من المراقبين إلى الآثار السلبية لصور الفوضى التي عمت أثناء تنفيذ الانسحاب ولصور تبعات الرعونة الشديدة في التعامل مع الواقع، وإلى الآثار السلبية التي تركتها عدم قدرة الإدارة الأمريكية على مراجعة نفسها وعلى الاستماع لمن أنذر بوقوع كارثة، وطبعًا إلى الآثار السلبية للسرعة التي تم بها التخلي عن الحليف الأفغاني أو الكردي فيما مضى، ولعل التبريرات التي قِيلت في بعض مراكز التفكير الأمريكية (هم ليسوا حلفاء بل أداة) زادت من الطين بلة. قد يكون من المفيد محاولة تصنيف الدول وفقًا لأهميتها للولايات المتحدة، وبالتالي وفقًا لاحتمالات التخلي عنها، والتفرقة بين الدول الهامة بالنسبة لكل الإدارات المتعاقبة والدول التي يوجد بشأنها خلاف من نوع أو من آخر في واشنطن، والدول غير الهامة، ولكن الواضح أن الكل قلق جدًا في الوقت الحالي لأن الكل يخشى أن يكون المحدد الحقيقي للقرار في الولايات المتحدة هو مزاج الرأي العام، وهو حاليًا رافض لكل الالتزامات الخارجية، وبالنظر لسرعة تغير الرأي العام وحرصه على هيبة أمريكا وأن النخب قد تفضل الصالح العام عندما يجد الجد، إلا أن كل هذا لا يعني أن عواصم الدول غير خائفة من التخبط الأمريكي ومن استسهال واشنطن التخلي عن حلفائها أو “أدواتها” ومن ميلها إلى السعي بين حين وآخر إلى تغيير النظم السياسية التي لا تعجبها.

خطط مستقبلية

ومن توابع الزلزال يمكن الانتقال إلى خطط الولايات المتحدة المستقبلية، وهي في طور التشكيل، والعودة إلى الدراسة المشار إليها في مقدمة التحليل الحالي وهي دراسة “وس ميتشل” عن الاستراتيجية الكبرى المقبلة. يقول “ميتشل” إن الولايات المتحدة قررت أن تخصص معظم مجهودها للتنافس بين الدول الكبرى، وأن الوثائق والدراسات الرسمية تقر هذا منذ أيام رئاسة “أوباما”. ويضيف أنها أقرت مؤخرًا أن الولايات المتحدة لم تعد تستطيع خوض حربين في الوقت نفسه ضد المنافسين الكبار، وهما روسيا والصين. ولكن الخطة التي تم رسمها للتعامل مع هذا الواقع قاصرة وفقًا له.

هذه الخطة هي التركيز الأمريكي على الصين مع ممارسة ضغوط اختلف شكلها من إدارة لأخرى على الدول الأوروبية لتقوي جيوشها لتتمكن من التصدي لأي تحرك عسكري روسي في القارة. أي أن الخطة قررت ترك مهام الدفاع عن أوروبا للأوروبيين، ولكن المشكلة أن اكتساب الخبرات والمهارات العملياتية لا يتم بين ليلة وضحاها، وأن أوروبا لم تبدأ سياسة إعادة تسليح جيوشها قبل ٢٠١٤، أي إن الجيوش الأوروبية لن تستطيع في المستقبل المنظور ملء الفراغ الذي تتركه الجيوش الأمريكية، ولهذا يجب رسم خطة أخرى.

ويقول “ميتشل”، وله باع في التخطيط الاستراتيجي، إنه يترتب على هذا ضرورة التركيز على الدبلوماسية –أقول أنا على الخبث والحيلة والذكاء- لمنع حدوث هذا الاحتمال –حربان في نفس التوقيت- ولترتيب تسلسل الأولويات. وترتيب الأولويات هذا له توابع ليست نظرية، فإن قررت أن الصين العدو الرئيسي حاليًا عليك اتباع سياسات تسليح تقوي البحرية، وإن قلت إنها روسيا عليك تفضيل تقوية القوات البرية.

يعرض “ميتشل” بعد هذا البدائل؛ الأول هو الاقتراب أو التحالف مع أضعف الثلاث، أي روسيا، كما فعلت المملكة المتحدة في مطلع القرن العشرين، عندما تحالفت مع روسيا ضد ألمانيا. ويقول “ميتشل” إن هذا الخيار جذاب، لأن التحالف مع روسيا أو حث روسيا على الوقوف على الحياد بين واشنطن وبكين سيجبر بكين على تشتيت جهودها نظرًا لطول حدودها مع روسيا. ونذكر القارئ أن أنصار “بوتين” في أوروبا يحبذون هذا الخيار، ولكن المشكلة فيه أن “بوتين” لا يحتاج إلى حلف أو إلى تقارب مع واشنطن، وأنه لا يمكن حاليًا تصور تنازلات لبوتين تؤدي إلى تخفيف حدة التهديد الروسي لأوروبا، بالعكس فإن أي تنازل سيؤدي إلى زيادة حدة التهديد.

الخيار الثاني هو تأجيل الصدام مع الصين إلى حين إضعاف حاسم لروسيا، والتعامل مع الصين مؤقتًا على أنها شريك مسئول في تأمين النظام الدولي. ويقول “ميتشل” إن هذا الخيار كان ممكنًا في مطلع الألفية وخلال العقد الأول لها، ولكن الوقت فات الآن، الصين أنهت مرحلة الكمون الاستراتيجي ودشنت مرحلة التمدد والهجوم. إضافة إلى هذا فإن أي تنازل للصين سيقلق حلفاء الولايات المتحدة في الصين، وقد يدفعهم إلى التخلي عن واشنطن.

ويستبعد “ميتشل” خيارًا ثالثًا هو إشراك روسيا والصين في إدارة النظام الدولي على غرار ما تم في أوروبا بعد هزيمة “نابليون بونابرت”، لأن هذا الخيار يفترض أن كل الفاعلين المهمين راضون عن الوضع الحالي وعن التوزيع الحالي للقوة وللأراضي وللتأثير وللهيمنة، في حين أن روسيا والصين من القوى التي تريد تعديل هذا الوضع تعديلًا جذريًا لصالحهما.

ما الحل؟

يرى “ميتشل” أن الحل سيأتي من خوف روسيا من التمدد الصيني، وهو خوف مكبوت وغير مؤثر الآن، ولكنه يتنامى بسرعة، وعلى الولايات المتحدة إيجاد وضع يدفع روسيا إلى التخلي عن أهدافها في الغرب، وهذا يقتضي تشددًا معها فيما يتعلق بأوكرانيا ودول البلطيق، مع خلق حوافز وإغراءات لدفعها إلى الدفاع عن مصالحها في الشرق، وإلى التعاون مع الولايات المتحدة واليابان والهند وكوريا لتنمية سيبيريا وللتصدي للتمدد الصيني. على الولايات المتحدة وحلفائها إقناع روسيا بأن استثمارات لهم في شرق روسيا ضرورية لمنع هيمنة صينية على الاقتصاد الروسي، وأن التعاون مع الغرب في آسيا مربح لها، في حين أن الصدام في أوروبا رهان خاسر. ويحدد “ميتشل” أكثر ويقول إنه يجب إلحاق هزيمة نكراء في المواجهة السيبرانية بين روسيا والغرب، وإيقاف موسكو عند حدها في الملف الأوكراني، والجمع بين سياسة قائمة على المواجهة في أوروبا وتعاون في آسيا.

المنطق من ذكر هذه الاقتراحات لا يتمثل في كونها تلقي الضوء على خطط واشنطن، ولكن لأنها توضح المشكلات التي تواجهها الولايات المتحدة. فحاليًا هذه السياسة المقترحة ليست السياسة المتبعة، فالسياسة الحالية قائمة على مواجهة القوتين مع تصور أن زيادة الإنفاق ستحل المشكلات إن تفاقمت، الحل الذي يقترحه “ميتشل” جذاب ولكنه قد يكون غير عملي لأسباب ذكر “ميتشل” أهمها، وهو أن هناك خطرًا حقيقيًا من أن تجني روسيا مزايا التعاون مع الغرب ومع دول آسيا في الشرق وأن تستغلها لتقوية موقفها في أوروبا ولمواصلة الضغوط ضد دول البلطيق وبولندا وغيرهم، وإلى جانب ما ذكره “ميتشل” نضيف أن هذه الخطط تفترض أن الولايات المتحدة تستطيع أن تتجاهل تمامًا أحداث الشرق الأوسط وإفريقيا أو تترك إدارتها لأوروبا، أو لتركيا أو غيرها، وهو فرض يكذبه الواقع يوميًا منذ أيام رئاسة “أوباما”. ويفترض أيضًا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة قادرة على إقناع الرأي العام الأمريكي بضرورة اتباع سياسة خارجية نشيطة، وأنها نفسها قادرة على الالتزام بخطة طويلة الأجل، وعلى تفادي الأخطاء في تقدير المستجدات والتصدي لها. ويفترض أخيرًا صلابة أوروبية نراها غير مضمونة. أنصار “التفاهم” مع روسيا في أوروبا عدد لا يستهان به من القوى السياسية، ولعل إحدى مشاكل هذا الطرح هي كيفية إدارة الشرق الأوسط وإفريقيا إدارة لا تتركهما للصين وروسيا. من الواضح أنه لا توجد دولة إقليمية قادرة على الإشراف على المنطقة، وأن بناء محور إقليمي يضمن استقرارها غير ممكن حاليًا، وهذا يعني أن الولايات المتحدة لن تستطيع تجاهلها. ولا نعرف ماذا سيكون قرار الولايات المتحدة فيما يخص الدور التركي. هل ستحاول حث تركيا على الانخراط في القوقاز وفي آسيا الوسطى أم تتركها تحاول أن تتمدد في شرق المتوسط؟ ولا نعرف إذا كانت الولايات المتحدة قادرة أو راغبة على حث تركيا على انتهاج مسلك ما.

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية