مقال تحليلي

التجربة المصرية في التصدي لفيروس كورونا: الأدوات والتحديات

لا تزال جائحة فيروس كورونا التي بدأت أواخر عام 2019 تحتل مكانًا مركزيًا في الأجندة العالمية. وعلى إثرها أضحت الأنظمة الصحية داخل الدول على اختلافها تحارب عدوًا واحدًا مشتركًا، وأصبحت هي خطة المواجهة الأول بعد أن تحولت الأزمة إلى وباء عالمي على نحو فرض وضعًا دوليًا تسيطر عليه حالة اللا يقين وسط مساعٍ جادة للتخفيف من آثاره. وفي هذا الإطار، وظّفت مصر جملة من الأدوات المؤسسية والتكنولوجية والمجتمعية لمجابهة تداعيات فيروس كورونا والحد من انتشاره، وهو ما واجه بطبيعة الحال جملة من التحديات التي يتصل بعضها بخصوصية الحالة المصرية، ولا يعدو البعض الآخر كونه تحديًا عالميًا. الأدوات المستخدمة استخدمت مصر…

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني

لا تزال جائحة فيروس كورونا التي بدأت أواخر عام 2019 تحتل مكانًا مركزيًا في الأجندة العالمية. وعلى إثرها أضحت الأنظمة الصحية داخل الدول على اختلافها تحارب عدوًا واحدًا مشتركًا، وأصبحت هي خطة المواجهة الأول بعد أن تحولت الأزمة إلى وباء عالمي على نحو فرض وضعًا دوليًا تسيطر عليه حالة اللا يقين وسط مساعٍ جادة للتخفيف من آثاره. وفي هذا الإطار، وظّفت مصر جملة من الأدوات المؤسسية والتكنولوجية والمجتمعية لمجابهة تداعيات فيروس كورونا والحد من انتشاره، وهو ما واجه بطبيعة الحال جملة من التحديات التي يتصل بعضها بخصوصية الحالة المصرية، ولا يعدو البعض الآخر كونه تحديًا عالميًا.

الأدوات المستخدمة

استخدمت مصر عددًا من الأدوات لمكافحة انتشار فيروس كورونا، وهي الأدوات التي يمكن إجمالها على النحو التالي:

المجتمع المدني: أطلق بنك الطعام المصري حملة “دعم العمالة اليومية مسئولية” في مارس 2020 لتوزيع 500 ألف كرتونة طعام، للحد من الآثار الاقتصادية لفيروس كورونا على فئة العمالة اليومية بالتعاون مع ما يزيد على 4 آلاف مؤسسة خيرية في أنحاء الجمهورية. كما تبرعت مؤسسة مصر الخير بعدد 28 جهاز تنفس صناعيًا ونحو ألفي جهاز كشف سريع للأجسام المضادة لفيروس كورونا، وأعلنت عن حملة “زكاتك وقت الأزمة” لدعم مستشفيات العزل والحجر الصحي بهدف توزيع أدوات الحماية الطبية والمواد الغذائية لمائة أسرة.

كما حصرت جميعة الأورمان عشرات القرى المتضررة من فيروس كورونا، وقدمت الدعم والمواد الغذائية الأساسية لها، ووزعت 10 آلاف بطانية على مستشفيات عزل كورونا بالتعاون مع صندوق “تحيا مصر”. كما أطلقت مؤسسة أهل مصر للتنمية مبادرة “أهل مصر قد المسئولية” لتوفير الأجهزة الطبية للمستشفيات الحكومية والجامعية. كما استطاعت توفير عدد من وحدات العناية المركزة إلى جانب حملة “تأمين الجيش الأبيض مسئوليتنا” التي وفرت عددًا من المستلزمات الوقائية للطواقم الطبية فيما يزيد على 60 مستشفى. كما قامت جميعة الهلال الأحمر بأكثر من 1200 حملة تدخل إغاثي للأسر والقرى الأكثر احتياجًا وتأثرًا بفيروس كورونا.

الأدوات التكنولوجية: دفعت مصر بحلولها التقنية إلى الخطوط الأمامية لمواجهة فيروس كورونا، لتتضافر جهود وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات مع القطاع الخاص ومختلف المبتكرين، لتتجلى في جملةٍ من الروبوتات المبتكرة، والمبادرات المستحدثة، والتطبيقات الإلكترونية، والكاميرات الحرارية، وغير ذلك. ففي 10 يونيو 2020، أطلقت جامعة المنصورة أول روبوت بمكونات مصرية خالصة بهدف تقديم الخدمات لمرضى كورونا في مستشفيات العزل مع الحفاظ على سلامة الأطقم الطبية، والحيلولة دون إصابتهم بالعدوى من خلال التحكم فيه عن بعد، والانتقال بين غرف المرضى لتقديم الأطعمة والمستلزمات الطبية دون اتصال مباشر مع الأطباء.

واستخدمت المطارات كاميرات حرارية عالية الدقة تعمل بالأشعة تحت الحمراء بهدف الكشف عن الحالات المشتبه بها عند خروج الركاب. ومنذ 5 يونيو 2020، بدأت الشركة القابضة للمطارات في تركيب كاميرات حرارية جديدة بصالات الوصول بمطار القاهرة الدولي. وتمتاز تلك الكاميرات بقدرتها على تصوير وجه الراكب وقياس درجة حرارته ضمن مجموعات، بل وتوجيه إنذار لحظي في حالة ارتفاع حرارة أحد الركاب.

وعلى صعيد آخر، أطلقت مصر تطبيق “صحة مصر” بديلًا عن الخط الساخن (105). وهو التطبيق المخصص للاستفسار عن فيروس كورونا والإبلاغ عن المشتبه بهم. ويتضمن إجابات عن الأسئلة الشائعة المتعلقة بالفيروس. كما يمكن من خلاله الإبلاغ عن إصابة النفس أو الغير من خلال الضغط على شاشة “إبلاغ” الموجودة بالتطبيق وتسجيل اسم المصاب ورقمه القومي. وبموجب ذلك، تتلقى غرفة العمليات بيانات المريض وتتواصل معه. كما يتيح التطبيق الاطلاع على أقرب المستشفيات حسب النطاق الجغرافي للمصاب، مع ذكر عناوينها وأرقام هواتفها. كما يعرض التطبيق إجراءات العزل المنزلي لحماية النفس والغير وإرشادات العلاج، ويشرح سبل الوقاية لجميع المخالطين. كما يسهم في المتابعة اليومية أثناء فترات العزل المنزلي عبر تسجيل التغيرات اليومية التي تطرأ على الحالة الصحية.

حملات التطهير والتوعية: قام الكثير من الشباب المتطوعين مع جمعيات تنمية المجتمع المحلي المنتشرة في القرى والمدن بالأقاليم المختلفة بحملات التطهير والتعقيم للمنازل والشوارع والمنشآت الحيوية. كما دشنت جمعية مستثمري العاشر من رمضان حملة لتطهير المنطقة الصناعية بالكامل والتي يتردد عليها آلاف العمال. كما شاركت جميعة الكشافة الجوية المصرية في حملات التعقيم بمحافظة أسيوط. ونفذت الهيئة القبطية الإنجيلية 24 حملة تطهير بالقرى بجانب حملات التوعية، ومبادرة “نحو مجتمعات آمنة ضد كورونا” و”ها نعدّي الصعب” بالتعاون مع بيت العائلة المصرية بمحافظة بني سويف.

ونفذت مؤسسة “أهل مصر” حملة “خليك في البيت” التي دعت المواطنين إلى المكوث في المنزل للحد من انتشار الفيروس بمشاركة عدد كبير من المشاهير والأطباء وأطقم التمريض بالمستشفيات المختلفة. كما أطلقت مبادرة “دعم العودة الآمنة للمدارس” برعاية جميعة الهلال الأحمر لنشر التوعية الصحية وأساليب الوقاية في أكثر من 990 مدرسة لتشمل المبادرة 350 ألف طالب ومدرس في جميع إدارات محافظة الإسماعيلية.

صندوق تحيا مصر: اعتمدت مبادرة الصندوق على محورَيْ عمل لمواجهة تداعيات انتشار فيروس كورونا؛ أولهما هو حملة دعم القطاع الطبي في مواجهة الفيروس، وثانيهما هو دعم الأسر الأولى بالرعاية والعمالة غير المنتظمة. وقد تابع الصندوق مع وزارة الصحة والسكان وغيرها من الإدارات الطبية ذات الصلة. وقد تمثلت مساهمات الصندوق في دعم الفرق الطبية في توفير 1000 مضخة حقن سوائل للعناية الحرجة، و240 جهاز تنفس صناعيًا، و16 ألف بدلة عزل واقية، وغير ذلك.

وضمن مبادرة “بالهنا والشفا” لدعم الأسر الأولى بالرعاية والعمالة غير المنتظمة، وزعت قوافل صندوق “تحيا مصر” المواد الغذائية عبر 6 مراحل للتخفيف من حدة الأزمة، مما مكن من الوصول إلى أكثر من 8 ملايين مواطن في مختلف محافظات الجمهورية. كما شارك الصندوق في توفير المنحة المقدمة إلى العمالة غير المنتظمة بالتنسيق مع وزارة القوى العاملة بقيمة 500 مليون جنيه لنحو مليون مواطن.

الأدوات المؤسسية: أسست مصر لجنة عليا لإدارة أزمة فيروس كورونا برئاسة مجلس الوزراء، ويعد تواتر اجتماعاتها أحد أهم سماتها البارزة. وقد ضمت اللجنة في عضويتها وزيرة الصحة المصرية ووزيرة التضامن الاجتماعي من بين شخصيات أخرى. وانخرطت هيئة الرقابة المصرية في جهود رقابية تهدف إلى التأكد من جودة وفاعلية وقدرة المؤسسات الطبية المعنية بإنتاج الدواء وإتاحته في الأسواق. كما شكلت وزارة الصحة لجنة لمكافحة فيروس كورونا برئاسة د. حسام حسني. وقد تولت اللجنة مهمة الإعلان عن: القرارات الطبية ذات الصلة بالفيروس، والكشف عن الأعراض الجديدة للسلالات الجديدة من الفيروس، والكشف عن الحالة الصحية لبعض المشاهير الذين أُصيبوا بالفيروس، وتطورات الحالة الوبائية، واستعراض بروتوكولات العلاج في المستشفيات، وغير ذلك.

كما شكّلت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لجنة عليا للفيروسات التنفسية برئاسة وزير التعليم العالي والبحث العلمي د. خالد عبدالغفار. وقد تولت مهام عدة منها متابعة الحالة الوبائية، وعرض ومناقشة الدراسات العلمية ذات الصلة بالفيروس لا سيما تلك المتعلقة بالموجة الثالثة من الفيروس، وتقديم توصيات معتمدة لتقليل معدل الإصابات التي كان من أبرزها إنشاء عيادة متخصصة بالمستشفيات الجامعية لمتلازمة ما بعد الإصابة بكورونا، بحيث تضم عددًا من التخصصات الطبية لعلاج الآثار النفسية والطبية للمتعافين من الفيروس بجميع محافظات الجمهورية.

التحديات المصرية

على الرغم من تعدد الأدوات المستخدمة والسياسات المصرية؛ فإن مجابهة فيروس كورونا فرضت جملة من التحديات التي يمكن تسليط الضوء على أبرزها على النحو التالي:

إصلاح القطاع الصحي: اتّجهت معظم دول العالم ومن بينها مصر للتفكير بجدية في مسألة إصلاح النظام الصحي كونه تحديًا كبيرًا، لا سيما وأنه يستلزم الإصلاح التدريجي التشاركي مع مختلف الفاعلين في القطاعات الحكومية والأهلية والخاصة، بما يحقق رضا المواطن المصري عن مستوى الخدمات الصحية. ولعل تحقيق هذا الهدف يتطلب تحسين الصورة الذهنية لكل مقدمي الرعاية الصحية، والتدريب الطبي المستمر، وتعزيز بيئة العمل بشكل إيجابي، وتطوير سكن الأطباء والتمريض بالمستشفيات الحكومية بشكل علمي. ولا شك أن الأمر يتطلب تشريعات خاصة تمهيدًا لإطلاق المشروع القومي للمستشفيات النموذجية على مستوى جميع محافظات الجمهورية بالتزامن مع البدء في تطبيق المشروع القومي للتأمين الصحي الشامل.

مفاوضات اللقاح: خاضت مصر مفاوضات صعبة مع الشركات الثلاث المنتجة للقاحات فيروس كورونا، سواء سينوفارم الصينية أو فايزر الأمريكية أو أسترازينيكا البريطانية، لأن مصر لم تعتمد على لقاح واحد لمواجهة فيروس كورونا. وبطبيعة الحال، استلزمت المفاوضات اجتماعات مع ممثلي شركة فايرز أميركا ودبي ومصر بحضور اللجنة العلمية المشرفة على مكافحة فيروس كورونا وممثلين لهيئة الدواء والشراء للتشاور حول توريد لقاحات الشركة بعد تقديم الشركة عرضها المالي. كما استلزم الأمر موافقة هيئة الدواء المصرية التي وافقت على الترخيص للقاح سينوفارم الصيني بالاستخدام الطارئ وذلك في أعقاب الاتفاق مع السفير الصيني بالقاهرة على توريد 40 مليون جرعة من لقاح سينوفارم، فضلًا عن تصنيعه عبر شركة فاكسيرا التي تفاوضت على تصنيع لقاح فيروس كورونا محليًا.

العزوف عن تلقي اللقاح: على الرغم من تخصيص الدولة موقعًا إلكترونيًا متطورًا من أجل تسجيل بيانات الراغبين في الحصول على التطعيمات المتوافرة ضد فيروس كورونا، فإنّه لوحظ وجود حالة من العزوف عن التقديم، سواء بين الأطباء على الرغم من أنهم الفئة الأكثر احتياجًا للتطعيم أو المواطنين. وفي هذا السياق، صرحت هالة زايد بأن 50% فقط من الأطقم الطبية سجلوا للحصول على لقاح كورونا، في حين أن المستهدف كان 100% منهم، بل إن 40% من الأطقم الطبية المسجلين للحصول على اللقاح تخلفوا عن الحضور. ولا شك أن عزوف المواطنين عن تلقي اللقاح لم يحدث في مصر فقط، وإنما حدث في معظم دول العالم أيضًا. وهو ما أرجعه البعض إلى مواقع التواصل الاجتماعي والتخويف من أعراض اللقاحات الجانبية وآثارها على المدى البعيد لا سيما مع عدم كفاية الأبحاث التي أُجريت عليها، وارتباط لقاح أسترازينيكا بحدوث تجلطات دموية. ولمواجهة تلك المخاوف وغيرها، نشر الرئيس المصري ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء صورًا لتطعيم كل منهم لتشجيع المواطنين على تلقي اللقاح، وحثّهم على التسجيل له والحصول عليه. وفي سياق متصل، دأب عدد من المسئولين وفي مقدمتهم وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب النائب محمود أبو الخير على التأكيد على ضرورة أخذ اللقاح تجنبًا للأعراض الشديدة التي تُصيب المواطنين في الموجة الثالثة لفيروس كورونا، لا سيما وأن جميع اللقاحات الموجودة في مصر مضمونة وتم اختبارها في العالم كله وداخل مصر، فضلًا عن أن منظمة الصحة العالمية اعتمدتها، ما يؤكد أن هذه اللقاحات آمنة وفعّالة.

القطاع الخاص: يُثار الحديث عن مشاركة القطاع الخاص في حملة التطعيم ضد فيروس كورونا، حيث وافقت لجنة الاقتراحات والشكاوى بمجلس النواب على اقتراح مقدم بشأن مشاركة القطاع الخاص في منظومة التطعيم بشرط حصول مؤسسات القطاع الخاص على موافقة هيئة الدواء المصرية. وهناك تصريح من جانب أحد كبار التنفيذيين في وزارة الصحة بأن هناك خطوات تقوم بها الوزارة في هذا الاتجاه، حيث توجد إجراءات للتعاقد حاليًا مع شركتين بشأن تقديم اللقاح للمواطنين والمواطنات، وأن المجال مفتوح لأي شركة تتقدم للمشاركة وفقًا لمعايير وزارة الصحة.

ولا شك أن تلك الخطوة تحتاج لدراسة دقيقة؛ فمن المعروف أن تقديم اللقاحات والعلاجات يكون مجانًا في أوقات الأوبئة والجوائح الصحية تحت إشراف الإدارة الصحية الحكومية. ولذا، فإن فتح الباب أمام القطاع الخاص سيخلق حالة من اللا مساواة والتسليع في وقت وباء عالمي؛ فسيكون هناك نظامان للتطعيم أحدهما مجاني بقائمة انتظار للراغبين في الحصول عليه من خلال المنافذ الحكومية، وثانيهما بمقابل سريع لمن يرغب في أخذ اللقاح بمقابل.

الأمن السيبراني: في أعقاب تفشي فيروس كورونا، ألقت الدول والشركات بثقلها على الحلول التكنولوجية المتاحة ضمانًا لاضطلاعها بوظائفها من ناحية، وتقليلًا لخسائرها من ناحية أخرى. ومع اتجاه مختلف المؤسسات والشركات للعمل عن بعد، تزايد الضغط على شبكة الإنترنت، وتزايدت بالتبعية التهديدات السيبرانية، في ظل تزايد فرص واحتمالات التسلل وخداع المستخدمين، وقرصنة البريد الإلكتروني. فقد نَقل عدد كبير من العاملين البيانات من شبكات الشركات إلى شبكاتهم المنزلية. وبطبيعة الحال، تفتقر الأخيرة إلى جدران الحماية التي تميز الأولى. إذ يسهل اختراق وقرصنة أجهزة الحاسب الآلي الشخصية التي تحتفظ ببيانات الشركات، ومن خلالها يمكن التسلل لمواقع الشركات الإلكترونية وقواعد بياناتها. وبعبارةٍ أخرى، يمكن الوصول لبيانات الشركات الخاصة من أجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المنزلية التي لا تملك نفس مستوى جدار الحماية والأمان الموجودة بمقار الشركات.

إن تزايد الاعتماد على تقنيات العمل عن بعد يعني بالتبعية تزايد فرص القراصنة للإيقاع بالعاملين، والحصول على كلمات السر الخاصة بهم، بعد أن سمحت بعض الشركات للعاملين في منازلهم بالحصول على معلوماتٍ حساسةٍ تخص العمل، مما يزيد من احتمالات سرقتها والتجسس عليها. وقد دفعت تلك التحديات السيبرانية مصر وغيرها من دول العالم لاعتماد تدابير لحماية أمنها السيبراني ورفع سرعة الإنترنت، ونشر ثقافة الأمن السيبراني، ودفع جهود التحول الرقمي.

توفير الحاصلات والسلع الأساسية: واجهت مصر تحديًا على صعيد توفير المخزون الاستراتيجي من بعض السلع الغذائية لا سيما مع تغير بعض أنماط الاستهلاك مع تفشي فيروس كورونا، وهو الأمر الذي تطلب جهودًا مضنية من قبل وزارة التموين والتجارة الداخلية ممثلة في الهيئة العامة للسلع التموينية ووزارة الزراعة واستصلاح الأراضي للتوسع في زراعات القمح بنظام الزراعة التعاقدية، وإجراءات التعاقدات اللازمة مع الجهات الخارجية في وقت مبكر لضمان توريد الكميات المناسبة، وتوفير القدر المناسب من موانئ الاستيراد ومراكز تجميع القمح بصفة خاصة (إنشاء صوامع معدنية حديثة وتطوير القائمة ورفع كفاءتها)، بما يضمن توفير مخزون استراتيجي يُلبي طلب نحو 70 مليون مواطن على رغيف الخبز المقدر بنحو 128 مليار رغيف (5 أرغفة للفرد يوميًا).

كما تطلب الأمر التنسيق التام بين الخطط الإنتاجية لوزارة الزراعة من المحاصيل الاستراتيجية والخطط الاستيرادية لوزارة التموين والتجارة الداخلية لإمكان تحديد حجم الفجوة الغذائية وحجم الواردات الكلية لسد الفجوة على مستوى أهم المنتجات الزراعية. كما اقتضى الأمر أيضًا تعزيز القدرة المالية للشركة القابضة للصناعات الغذائية المنوط بها توفير السلع التموينية، مما يمكنها من استيراد متطلبات السوق المحلي من السلع الاستراتيجية وعلى رأسها السكر والزيوت والأرز، ناهيك عن استكمال سلاسل مصانع تعبئة وتغليف السكر والمواد الغذائية الجافية، وغير ذلك.

رفع الدخل الاقتصادي: مراعاة للبعد الاجتماعي من ناحية، وتداعيات فيروس كورونا على الطبقتين الوسطى والدنيا من ناحية ثانية، اتجهت الدولة إلى زيادة الأجور والمعاشات والعلاوات والحوافز المقررة بالموازنة العامة للدولة 2021 بتكلفة تجاوزت 100 مليار جنيه؛ فقد بلغت زيادة الأجور نحو زيادة الأجور بقيمة 37 مليار جنيه، كما زادت المعاشات بقيمة 31 مليار جنيه. وقد زادت العلاوة الدورية للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية والعلاوة الخاصة لغير المخاطبين بنحو 7,5 مليارات جنيه، وبلغت قيمة زيادة الحافز الإضافي 17 مليار جنيه. كما تم تخصيص حافز مالي للعاملين المنقولين إلى العاصمة الإدارية الجديدة بتكلفة إجمالية مليار ونصف المليار جنيه. وزادت العلاوة الدورية للمخاطبين بأحكام قانون الخدمة المدنية المستحقة في أول يوليو 2021 بنسبة 7% من الأجر الوظيفي.

كما منحت مصر العاملين بالدولة علاوة خاصة بنسبة 13% من الأجر الأساسي أو ما يقابله في المكافأة الشاملة لكل منهم بحد أدنى 75 جنيهًا شهريًا اعتبارًا من أول يوليو. كما تضمنت الموازنة العامة للدولة منح حافز تطوير المعلمين بقطاع التعليم قبل الجامعي بالتعليم العام والأزهري بتكلفة 2.5 مليار جنيه. وتضمنت الموازنة زيادة حافز الجودة لأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بالجامعات والمراكز والمعاهد والهيئات البحثية المخاطبين بالقانون رقم 49 لسنة 1972 وبتكلفة سنوية إضافية قدرها نصف مليار جنيه. ولا شك أن تلك الزيادات المقررة في الأجور والمعاشات تمثل عبئًا إضافيًا اقتصاديًا على الموازنة العامة الدولة بعد أن أضحت التزامًا سنويًا.
ختامًا، ساهم استخدام أدوات مبتكرة، والتعويل على وعي المواطنين، والأدوات التكنولوجية على اختلافها، وإنشاء عدد من المواقع الإلكترونية (لتسجيل رغبات المواطنين الراغبين في تلقي القاح أو العمالة المؤقتة أو غير ذلك)، وتضافر جهود المجتمع المدني؛ في إدارة أزمة كورونا والتخفيف من تداعياتها السلبية. ومن الجدير بالذكر أن بعض التحديات التي تواجهها مصر هي في حقيقة الأمر تحديات عالمية تعاني منها مختلف دول العالم، لا سيما العزوف عن تلقي اللقاح، وتزايد عمليات القرصنة، وضرورة إصلاح النظام الصحي، وصعوبة الحصول على اللقاحات. وفي المقابل، هناك تحديات مصرية خالصة نابعة من خصوصية الحالة المصرية كتلك المتعلقة باحتمالات مشاركة القطاع الخاص في عملية التلقيح، وتزايد الاعتماد على بعض الحاصلات الزراعية وفي مقدمتها القمح. وفي الحالتين، تتضافر جهود المجتمع المدني مع السياسات الحكومية سعيًا لمواجهتها والتخفيف من آثارها السلبية.

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني