وحدة الدراسات الاقتصادية

هل يستعيد الذهب الأبيض المصري ميزاته التنافسية العالمية؟

قامت الجهات المختصة في السنوات الأخيرة بتكثيف جهودها المتعلقة بتعزيز محصول القطن المصري، فأطلقت عدة مشاريع كجزء من حملة متجددة لزيادة الاستدامة وتحسين ظروف مزارعي القطن المصري، والنهوض ببيئة إنتاج القطن بصفة عامة؛ إلا أن أزمة (كوفيد) أخرت حصد تلك الجهود ثمارها المنشودة في عام 2020، حيث أدى الانخفاض المستمر في الطلب على القطن إلى تأثيرات كبيرة على صناعة القطن العالمية. وبالمثل في مصر، كان وضع القطن غير مؤكد ومتقلبًا من حيث الصادرات والاستخدام المحلي وحتى الواردات، مما أدى إلى تغيرات كبيرة من حيث الطلب والعرض والأسعار. وبالرغم من الوضع الراهن المؤثر على محصول القطن والسعي المصري للتعافي الكامل من…

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية

قامت الجهات المختصة في السنوات الأخيرة بتكثيف جهودها المتعلقة بتعزيز محصول القطن المصري، فأطلقت عدة مشاريع كجزء من حملة متجددة لزيادة الاستدامة وتحسين ظروف مزارعي القطن المصري، والنهوض ببيئة إنتاج القطن بصفة عامة؛ إلا أن أزمة (كوفيد) أخرت حصد تلك الجهود ثمارها المنشودة في عام 2020، حيث أدى الانخفاض المستمر في الطلب على القطن إلى تأثيرات كبيرة على صناعة القطن العالمية. وبالمثل في مصر، كان وضع القطن غير مؤكد ومتقلبًا من حيث الصادرات والاستخدام المحلي وحتى الواردات، مما أدى إلى تغيرات كبيرة من حيث الطلب والعرض والأسعار.

وبالرغم من الوضع الراهن المؤثر على محصول القطن والسعي المصري للتعافي الكامل من أزمة (كوفيد-19)، إلا أن وزارة الزراعة الأمريكية أصدرت تقريرًا تضمن توقعات إيجابية بشأن أداء محصول القطن المصري، من زيادة في حجم إنتاج المحصول وتوسيع الأراضي المخصصة لزراعة المحصول، خاصة مع اقتران ذلك بالسياسة المتعلقة بتشجيع المزارعين على التوسع في زراعة القطن.

أولًا- توقعات بتحسن إنتاج محصول القطن:

جاءت توقعات وزارة الزراعة الأمريكية لسنة 2021/2022 بزيادة مساحة القطن بنسبة 7% لتصل إلى 70 ألف هكتار، في حين كانت 65 ألف هكتار في عام 2020/2021، أما تقديرات الإنتاج لعام 2021/2022 فكانت عند 250 ألف بالة مقارنة بـ215 ألف بالة في عام 2020/2021؛ إلا أن الوزارة عدّلت من توقعاتها مع استجابة المزارعين للارتفاع الأخير في أسعار القطن، لتصبح توقعات الزيادة بنسبة 20% في المساحة المحصودة، أو 14 ألف هكتار، لتصل إلى 85 ألف هكتار في عام 2020/2021. ووفقًا لذلك، من المتوقّع أن يزداد الإنتاج إلى أكثر من 30% عن التوقعات الأولية، ليصل إلى 280 ألف بالة بدلًا من 250 ألف بالة.

ويرجع السبب وراء زيادة المساحة المحصودة بشكل أساسي إلى ارتفاع الطلب على القطن في عام 2021، مما أدى إلى زيادة الأسعار وحفز المزارعين على مواصلة زراعة القطن حتى شهر يونيو، بعد موسم الزراعة التقليدي. ومع ذلك، من المرجح أن تكون الإنتاجية منخفضة خلال فترة الزراعة المتأخرة هذه بسبب ارتفاع درجات الحرارة والطقس غير المواتي.

وبدأت أسعار القطن المصري في بداية الموسم من 1900 جنيه / قنطار (120 دولارًا) للأصناف طويلة التيلة، وبحلول نهاية الموسم وصل القطن إلى 2500 جنيه/ قنطار (160 دولارًا).

وتجدر الإشارة إلى أن مصر تخطط لإنشاء أكبر مصنع للغزل والنسيج في العالم بالمحلة الكبرى بتكلفة حوالي 900 مليون جنيه (57 مليون دولار)، ومن المقرر أن يتم الانتهاء من إنشاء المصنع بحلول نهاية عام 2021، حيث أخرت جائحة فيروس كورونا البناء. وتُعد هذه خطوة نحو تطوير صناعة النسيج المصرية من خلال استثمار أكثر من 21 مليار جنيه مصري (1.3 مليار دولار) على مدى عامين، كما أن هناك خططًا لتطوير مصانع مماثلة في القاهرة وكفر الدوار ومنطقة الدلتا في المستقبل، ويمكن متابعة تطور إنتاج والمساحة المحصودة من محصول القطن من خلال الشكل التالي:

شكل رقم (1): تطور المساحة المحصودة وإنتاجية القطن المصري خلال الفترة 2018/2019 – 2021/2022

المساحة المحصودة: بالألف هكتار

الإنتاج: بالألف بالة

المصدر: وزارة الزراعة الأمريكية.

نلاحظ من الشكل السابق أنه في عام 2018/2019، دفعت أصناف بذور القطن المحسّنة المحاصيل إلى الأعلى، بينما زادت المساحة المحصودة خلال الفترة نفسها إلى 141 ألف هكتار، مقارنة مع 55 ألف هكتار فقط في عام 2016/2017، حيث أنتجت أصناف البذور المحسنة خمسين بالة إضافية للفدان، أو 0.17 بالة / هكتار، ونتيجة لذلك فاق العرض الطلب مما أدى إلى تراجع أسعار القطن ليصل إلى 2050 جنيهًا مصريًا / قنطار (567 دولارًا للبالة) في مارس 2019، ونتيجة لانخفاض الأسعار، خفض المزارعون والصناعة الإنتاج في عام 2019/2020 لرفع أسعار القطن والمحافظة على سمعة الصناعة كمورد للقطن عالي الجودة، إلا أن الأسعار ظلت منخفضة، ليبلغ متوسط السعر في ذلك العام 2100 جنيه مصري (133 دولارًا) – 2300 جنيه مصري (146 دولارًا) للأصناف طويلة التيلة، و1900 جنيه مصري (120 دولارًا) – 2100 جنيه مصري (133 دولارًا) للقطن طويل ومتوسط التيلة.

ثانيًا- توقّعات صادرات القطن المصري:

تتعافى صادرات القطن المصري من انخفاض الطلب في عام 2020، وهناك المزيد من الالتزامات قيد التنفيذ. وبحلول منتصف يونيو، أوفت مصر بنسبة 95% من التزاماتها التصديرية، ومن المرجح أن تبدأ الموسم المقبل بدون مخزون مرحل، وهو أمر نادر الحدوث.

وتوقّعت وزارة الزراعة الأمريكية أن يرتفع إجمالي صادرات القطن في عام 2021/2022 ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 4% أو 10 آلاف بالة لتصل إلى 260 ألف بالة. ويُعزى هذا إلى ارتفاع إجمالي صادرات مصر نتيجة لانخفاض أسعاره مقارنة بأسعار القطن العالمية، وتتوقع الوزارة زيادة الطلب الدولي على القطن المصري مع انخفاض الأسعار وانخفاض الطلب المحلي.

ونلاحظ أن الهند لا تزال المستورد الرئيسي للقطن المصري، ومع ذلك قد تنخفض الصادرات إلى الهند في 2021/2022 بسبب الضريبة الأخيرة البالغة 10 بالمائة التي فرضتها الحكومة الهندية على القطن المستورد، وتُعد باكستان وبنغلاديش واليونان وألمانيا وإيطاليا أيضًا من الوجهات الأولى لصادرات القطن المصري. ويبين الشكل التالي الوجهات الرئيسية لتصدير القطن في مصر من سبتمبر 2020 إلى مارس 2021:

شكل رقم (2): الوجهات الرئيسية لصادرات القطن المصري خلال الفترة من سبتمبر 2020 إلى مارس 2021

المصدر: وزارة الزراعة الأمريكية.

ونلاحظ أن مصر قامت بتصدير أنواع طويلة التيلة عام 2020/2021، وفي عام 2019/2020، كان 75% من الأصناف طويلة التيلة المصدرة جيزة 94، و19% جيزة 86، ونحو 4% من إجمالي الصادرات هي قطن طويل جدًا، وبشكل خاص جيزة 92 وجيزة 96.

وللحفاظ على أصالة القطن المصري ولمنع الاحتيال والتأكد من شراء المستهلكين منتجات أصلية من القطن، قامت وزارة الصناعة والتجارة المصرية وجمعية مصدري القطن في الإسكندرية بتشكيل جمعية قطن مصر، لتؤسس الجمعية نظام مراقبة يغطي سلسلة التوريد الكاملة للمرخص لهم، كما تقوم بمراقبة الكميات التي تم شراؤها وبيعها من قبل كل مرخص له، وتحديد مبيعاتهم وإنشاء نظام تتبع، وتقوم الجمعية أيضًا بالتحقق والتأكد من استيفاء الجودة والمعايير.

ثالثًا- جهود الدولة لتحسين جودة القطن:

على إثر تراجع سمعة القطن المصري وجودته بشكل كبير بسبب افتقار شركات البذور لأنظمة ضمان الجودة الفعالة التي أدت إلى إنتاج متنوع متدني الجودة، قامت الحكومة المصرية عام 2017 بمتابعة إنتاج وتوزيع بذور القطن، وتحديد أصناف القطن المسموح بزراعتها حسب المنطقة. فعلى سبيل المثال، وجهت بزراعة جيزة 86 و94 من الأصناف طويلة التيلة التي تنمو في منطقة الدلتا، بينما خصصت الأصناف جيزة 90 و95 لتزرع في صعيد مصر، وأيضًا تم وضع أنظمة جديدة لتداول القطن.

ومنذ عام 2017، نفذت وزارة الزراعة المصرية خطة من 19 بندًا بدأت في موسم زراعة القطن، وكان من أهم ما تضمنته الخطة توفير بذور عالية الجودة لزيادة الغلة والجودة: الطول، القوة، الصلابة، اللون وغيرها، وانعكس ذلك على زيادة المحصول لكل مساحة مزروعة، وتضمنت الخطة أيضًا تعزيز والنهوض بصناعات الغزل والنسيج المحلية، وتشجيع استخدام الممارسات الزراعية الجيدة، وإعداد الدراسات الاقتصادية السنوية التي تُحدد مساحة الإنتاج المطلوبة حسب الطلب.

وقامت الجهات الحكومية المختصة أيضًا بإجراء تغيير في محاولة لاستعادة نقاء البذور وجودة القطن، حيث تم استنباط أصناف جديدة من التقاوي، وأدى ذلك إلى تحسن الجودة والخصائص الفيزيائية لمحصول القطن عامي 2018/2019 بشكل ملحوظ، وتحسنت مرة أخرى في عام 2019/2020، كما استمر تحسن الطول والقوة والصلابة واللون ومواصفات القطن المنتج بشكل عام في عام 2020/2021.

وقامت الجهات المختصة أيضًا بإدخال تعديلات في التركيبة الوراثية لبذرة القطن، وهو ما أعلنه معهد القطن المصري التابع لمركز البحوث الزراعية من زراعة القطن الملون والذي سيتم زراعته بشكل أكثر توسعًا في الأعوام القادمة.

مما سبق يتضح أنه بالسياسات المدروسة التي اتبعتها الدولة ورغبة الحكومة في النهوض بصناعة الغزل والنسيج من خلال ضخ استثمارات جديدة في القطاع وإنشاء مصانع جديدة جنبًا إلى جنب مع القيام بتشيجع المزارعين على التوسع في زراعة القطن، سيعمل ذلك على تمتع بذور القطن المزروعة في الموسم الجديد بالجودة العالية، وهو الأمر الذي سينعكس على مستويات الأسعار وحجم الإنتاج لينافس القطن المصري الأقطان بالسوق العالمي، وهو ما تضمنه التقرير الأخير من مؤشرات إيجابية بشأن القطن المصري الصادر عن وزارة الزراعة الأمريكية.

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية